lundi 1 novembre 2010

محاضرات في القانون الجنائي العام جزء 01


محاضرات في القانون الجنائي العام
الأحكام العامة لقانون العقوبات والنظرية العامة للجريمة

مقدمــــــة

        يعد قانون العقوبات من أهم القوانين التي تستعين بها الدولة في فرض الانضباط والأمن داخل المجتمع، على اعتباره القانون المتضمن لأشد أنواع الجزاءات القانونية وأكثرها لتحقيق فكرة الدرع العام قبل الردع الخاص. وكانت لهذا القانون ذات الأهمية حتى قبل ظهور الدولة، باعتباره من أقدم فروع القانون والذي وجد مع وجود الجماعات البشرية الأولى، وصاحب مختلف مراحل تطورها، وبذلك اتسم في كل مرة بسمات المرحلة التي تطبع النظام المتبع في المجتمع، بجوانبه الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية، حيث في كل مرة كانت تجد فيه الجماعات المكلفة بالحكم – أيا كان نوعها- الوسيلة المثلى لفرض سياستها وأهدافها، وكذا الحفاظ على مصالحها. والسبب الذي جعل هذا الفرع القانوني الهام يحتل مثل هذه المكانة، ومثل هذه الدرجة من الأهمية، راجع بالأساس إلى الجزاء الذي تتضمنه قواعده، باعتبارها جزاءات تصيب الشخص المكلف في حياته أو حريته، وأقلها أن تصيبه في ماله، وبذلك كانت عبارة عن وسائل قهر وإلزام وردع، ووسيلة في يد السلطة الحاكمة في فرض رؤاها في كيفية سير الأفراد والجماعات. وعلى إثر ذلك ضم هذا الفرع القانوني في ثناياه نوعين من الأحكام، أحكام تجريمية وأخرى عقابية، وأن دراسته دراسة وافية تقتضي الإلمام بهما معا، بالنظر للتلازم الموجود بين النوعين أو الشقين من الأحكام. وبهذا فإنه من البديهي أن دراسة القانون الجنائي العام، تقتضي دراسة النظرية العامة للتجريم، والنظرية العامة للجزاء
( الجريمة والجزاء)، وهي المسألة الأولى التي تعطي لقانون العقوبات خاصته الأولى المتمثلة في تضمنه لعلمين، هما علم الإجرام وعلم العقاب، الذي يستدعي في كرة مرة الإلمام بالعلوم الجنائية لفهم أبعاد القانون الجنائي. هذا من جهة.

        ومن جهة ثانية، تطبيق القانون الجنائي يستدعي نوعا آخر مخالف تماما للقواعد السابقة، التي تعد في جوهرها قواعد موضوعية، وهذا النوع الآخر هو القواعد الإجرائية، والتي تشكل في ذاتها فرعا قانونيا آخرا، وهو قانون الإجراءات الجنائية مع ما يتسم به من خصوصيات، وما يحكمه من مبادئ، والذي يعد وسيلة تفعيل وتطبيق القانون الجنائي بشقيه العام والخاص، والذي بدونه لا مجال للحديث عن دور وأهمية القسم العام، وهذا الأمر يجعلنا أمام مشكلة أخرى، وهي أن دراسة هذا الفرع القانوني في قسمه العام يقود بداهة لدراسة جوانبه الإجرائية، الأمر الذي يزيد دراستنا تشعبا وتوسعا. ويجعل الدارس والمدرس لهذا الفرع القانوني أمام ثلاثة فروع قانونية، النظرية العامة للجريمة، النظرية العامة للجزاء، وقانون الإجراءات الجزائية. والأكثر من ذلك، الفروع الثلاثة السابقة تستعدي أيضا الإحاطة بفرع قانوني آخر يتعلق بنظرية تنفيذ الجزاء، وهو المحكوم في الجزائر بقانون تنظيم السجون وإعادة الإدماج الاجتماعي للمساجين، والموضع السليم لدرسته هو النظرية العامة للجزاء الجنائي.

        والغريب في الأمر أن دراسة هذه الفروع في مجملها مقررة لطلبة السنة الثانية، في حين القسم الخاص للقانون الجنائي – وفي جزء منه فقط- مقرر لطلبة السنة الثالثة، وهي مسألة نرى وجوب إعادة النظر فيها. غير أن ذلك لا يمنعنا من محاولة تقديم هذه المحاضرات بنوع من الشرح والتفصيل، معتمدين أسلوبا نتجنب من خلاله التفصيل الممل وكذا الاختصار المخل، خدمة وإعانة للطالب في استيعابه لمضامين وأبعاد هذا الفرع القانوني الهام من فروع القانون، ونخصص هذه المطبوعة أولا للنظرية العامة للجريمة والتي لا غنى فيها عن تناول الأحكام العامة لقانون العقوبات ذاته، لنتبعها – بعون الله- بمطبوعة أخرى نخصصها للنظرية العامة للجزاء الجنائي، وثالثة نخصصها للشرح أحكام قانون الإجراءات الجزائية، علها تكون عونا مفيدا لطالب السنة الثانية حقوق.

        هذا وننبه مسبقا، بأننا سنعمد وفي كثير من الأحيان، إلى الإشارة للخلاف الفقهي الذي قد يشوب فكرة من أفكار هذا القانون في هوامش هذه الدراسة، والتي ننصح في كل مرة الاطلاع عليها وأخذ فكرة عنها، على اعتبار متن الموضوع يخصص فقط لما استقر عليه الفقه في الغالب، أو لما تبناه التشريع المعاصر، مركزين على القانون الجزائري والإشارة في كل مرة تقضي فيه المسألة ذلكن إلى القانون المقارن. كما نشير في آخر الدراسة إلى أهم المراجع المعتمد عليها في إعداد هذه المحاضرات، دون إدراجها في موضعها على النحو الذي يقتضيه إعداد البحوث الأكاديمية، وذلك تقتضيه ظروف أخرى متعلقة بحقوق التأليف، لا إهمالا للجوانب المنهجية والشكلية في إعداد البحوث والدراسات.
       
        وسنتناول هذه الدراسة من خلال بابين أساسيين، نتناول في الأول النظرية العامة للجريمة، لنتناول في الثاني النظرية العامة للمسؤولية الجنائية، على أن نسبق كل ذلك بباب تمهيدي نتناول فيه الأحكام العامة لقانون العقوبات ذاته، ونعنونه بمعالم قانون العقوبات. وننبه مسبقا بأن قد يكون هناك اختلال في توازن البابين، على أساس أننا فضلنا تخصيص مطبوعة لنظرية الجزاء، في حين غالبية الفقه يتناولها في إطار نظرية المسؤولية الجنائية، لكن الفائدة الموضوعية المتوخاة من إعداد هذه المطبوعة، تتجاوز بكثير الفائدة المحققة من مراعاة الجوانب الشكلية. هذا ولا يفوتنا أن نتمنى أن تكون هذه المطبوعة عونا علميا لطلبتنا الأعزاء في دراستهم للمادة خلال هذه السنة، وعونا مفيدا في مشاريعهم العلمية المستقبلية.


.

باب تمهيدي
 معالم قانـون العقوبات

         قانون العقوبات يشمل نوعين من الأحكام الموضوعية، النوع الأول عبارة عن المبادئ والأحكام العامة الحاكمة للتجريم والعقاب، والتي تعد بلورة للنظريات الجنائية التي تبلورت فقهيا وقانونيا على مر عصور طويلة من الزمن، سيما وأن هذا القانون، من أقدم القوانين على وجه الأرض، بل يمكن رده إلى ما قبل ذلك، عند بدأ الخليقة[1]. وهو النوع من الأحكام الذي يطبق على كل الجرائم أيا كان نوعها – على أساس أن قانون العقوبات يعرف التقسيم الثلاثي للجرائم، حيث يقسمها إلى جنايات وجنح ومخالفات-، وأيا كان مرتكبها – حيث أن الجريمة قد تكون مشروعا فرديا يسهر على اقترافه فاعل واحد، أو عدة فاعلين، وهو ما يعرف بالمسؤولية الجنائية أو الاشتراك- سواء كان وطنيا أو أجنبيا – تعبيرا عن مبدأ سيادة قانون العقوبات على إقليم الدولة، حيث يطبق على الوطنيين والأجانب على حد سواء-، ويسمى هذا القسم عادة بالنظرية العامة للجريمة، كما يشمل أيضا على الأحكام العامة والمبادئ التي تحكم الجزاء، ويسمى هذا الجزء بالنظرية العامة للجزاء الجنائي. وكلا الشقين يكونان ما يسمى بالقسم العام لقانون العقوبات، الذي يعد من المقررات لبرنامج السنة الثانية في دراستهم لقانون العقوبات.

        كما يشتمل على أحكام خاصة، تبين الجرائم بمفرداتها وأركان وظروف وعناصر كل منها، والعقوبة المقررة لها، ويسمى هذا الشق، بقانون العقوبات الخاص، أو القسم الخاص لقانون العقوبات، الذي يعد مقررا على طلبة السنة ثالثة حقوق. على اعتبار أن هذا القسم ما هو إلا تطبيق للنظرية العامة لكل من الجريمة والجزاء. وعلى العموم، الموضوع الرئيسي للقانون الجنائي أو قانون العقوبات، وإن كان الظاهر منه أنه دراسة للنظرية العامة للجريمة، فهو يبحث أساسا على المسؤولية الجنائية على اعتبار الجريمة سلوك يرتكبه شخص يجب أن يكون مسؤولا عن فعله حتى يوقع عليه العقاب. وفي معالجة هذا الموضوع، ظهر خلاف فقهي كبير في الفقه القانوني الجنائي، حيث نجد المدرسة الألمانية اتجهت اتجاها فلسفيا في دراسة الموضوع، حيث يحللون الموضوع على خمسة عناصر أساسية، هي الفعل المتمثل في السلوك، النموذج وهو الوصف القانوني المجرد للتجريم، لا قانونية الفعل وهي مطابقة الفعل للنموذج ومن ثم تقرير الطبيعة اللامشروعة لهذا الفعل، الإثم وهو العلاقة ما بين الفعل والموقف النفسي الآثم، وأخيرا العقاب وهو الثر أو النتيجة أو ثمرة العوامل الأربعة الأولى.  أما الفقه الفرنسي ومعه الفقه العربي، له تحليل أكثر بساطة للموضوع، حيث يبدأ تحليل المسؤولية الجنائية من الجريمة إلى المجرم، ومن الشروط الموضوعية للجريمة إلى الشروط الشخصية للجاني، ولكن في الأخير يلتقون مع التحليل الألماني حيث يلتقون في فكرة الجريمة، الإثم، الأهلية للعقاب – أي المسؤولية الجنائية- ثم العقاب نفسه[2]. لكن قبل كل ذلك، وفي البحث عن تحديد معالم قانون العقوبات، شاب الخلاف الفقهي الطويل الذي يطبع هذا الفرع القانوني الهام، حول تسمية القانون في حد ذاته وتحديد مضامينه وأبعاده، وكذا تناول تطوراته وتحديد طبيعته وعلاقته بمختلف فروع القانون الأخرى. لذا فإن دراسة معالم قانون العقوبات، تقتضي منا التعريف به أولا، وتناول محتواه وتحديد طبيعة قواعده، وكذا إبراز علاقته مع مختلف القوانين الأخرى، وتبيان أهدافه. وذلك في فصل أول، نعنونه بماهية قانون العقوبات، لنتناول في فصل ثاني، نشأة وتطور قانون العقوبات، وذلك بتناول تطور الفكر الجنائي بصفة عامة، وقانون العقوبات الجزائري بصفة خاصة.

الفصل الأول
ماهيـــة قانون العقوبات

        قانون العقوبات من القوانين التي تجسد بها الدول الحماية القانونية لمصالحها ومصالح المجتمع الأساسية والجوهرية، والتي تكفل الأمن والسكينة والاستقرار لكافة أفراد هذا المجتمع، وإقامة العدل بين أفراده، وهو بذلك ضرورة وحتمية لكل مجتمع أيا كان توجهه وطرق حكمه وتسييره، على اعتبار الجريمة سلوك إنساني ملازم للمجتمعات في كل مكان وفي كل زمان، لذا نجد قانون العقوبات لازم التطور البشري، وعايش تحولاته الفكرية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية، الأمر الذي انعكس على تسميته وتحديد معناه وتبيان محتواه، وحصر العلاقة الموجودة بينه وبين مختلف الفروع القانونية الأخرى، تبعا للتطورات التي عرفها هذا القانون، وهو ما يقتضي منا تناول هذا الفصل ضمن مبحثين، نخصص الأول لمفهوم قانون العقوبات، أين نتناول تحديد معنى مسمياته المختلفة، وحصر مضمونه وتبيان أقسامه، لنخصص الثاني للبحث في طبيعة هذا القانون.
المبحث الأول
مفهوم قانــون العقوبات

        يتفق الفقه الجنائي حول مضمون قواعد قانون العقوبات وخصائصه وأهدافه، والتي نتناولها ضمن المبحث الثاني من هذه الدراسة، غير أنه يختلف حول تسميته وتعريفه وعلاقته بمختلف الفروع القانونية الأخرى، وتبعا لذلك حول تحديد طبيعته– وهو موضوع المبحث الثاني-، غير أننا سنقتصر دراستنا في هذا المبحث على مطلبين، خصص الأول لتعريف قانون العقوبات، والثاني لمحتوى هذا القانون.

المطلب الأول
تعريف قانـــون العقوبات

        قبل التطرق للتعاريف التي أعطيت لقانون العقوبات، والاختلاف الفقهي الكبير في ذلك، نشير بأن الخلاف انصب أولا حول تحديد تسمية هذا القانون. لكن دون أن ينعكس ذلك على تحديد محتوى ومضمون هذا القانون، وهو الأمر الذي نتبينه من خلال الفروع التالية.

الفرع الأول
في تسمية قانون العقوبات

        تطلق في العادة تسمية "قانون العقوبات " على هذا الفرع من فروع القانون[3]، والذي يضم في حقيقته كل من الجرائم والعقوبات المقررة لها، وذلك من قبل تسمية الكل باسم الجزء، أو مثلما نرى، من قبيل تسمية التابع للمتبوع، على اعتبار أن الجريمة سابقة في الوجود على ارتكاب الجريمة، كما أن ارتكاب هذه الجريمة لا يعني بالضرورة توقيع عقوبة، فقد يوقع على شخص تدبير أمني أو احترازي، أو قد لا يطبق الجزاء أصلا، سواء تمثل في عقوبة أو في تدبير أمني، في الحالات التي قد يتوفر فيها للشخص مانع من موانع العقاب، أو سبب من أسباب الإباحة، أو حتى في الحالات التي لا يعرف فيها مرتكب الجريمة أو لا تتمكن فيه النيابة العامة من إثباتها عليه، وهنا تكون الجريمة أمر واقع، في حين شق العقوبة لم يطبق. الأمر الذي يجعلنا نرى بأتن تسمية هذا القانون، بقانون العقوبات تسمية قاصرة على أن تستوعب مضامينه وخصوصياته. خاصة وأنها ركزت على شق العقاب دون شق التجريم، وفي جزء منه دون الآخر – كون الجزاء يشمل العقوبات والتدابير، على نحو ما سنرى-. وهنا جاء اتجاه فقهي، ينادي بإطلاق تسمية " القانون الجزائي" على هذا القانون، ليصبح يشمل شق الجزاء بنوعيه العقوبات والتدابير، لكنه يظل قاصر على أن يشتمل شق التجريم، وهو الأهم في نظرنا. وتبقى تسمية قاصرة عن استيعاب المضمون الكلي لهذا القانون ومحتوياته، لذا يفضل بعض الفقه، تسمية " القانون الجنائي" باعتباره قانون الجرائم، وأن هذا النوع – الجنايات- أهم وأخطر الأنواع، مقارنة بالجنح والمخالفات، غير أننا نرى بأن هذه التسمية تعد أيضا تسمية للكل باسم الجزء، حيث أنها ركزت على جانب التجريم – في حين الأولى ركزت على جانب العقاب- وفي نوع واحد فقط من بين ثلاثة أنواع من الجرائم، وهي الجنايات، مثلما ركزت التسمية الأولى على نوع فقط من أنواع الجزاء، وهي العقوبة، وبالتالي التسمية قاصرة جدا، كونها أهملت نوعين من الجرائم، زيادة على إهمالها لشق العقاب برمته.

        غير أن هذه الانتقادات الموجهة لكل تسمية من التسميات الثلاث السابقة، لم تمنع الفقه في عمومه، من استعمالها تبعا لتوجه المشرع في بلده، ووفقا لما ألفه في استعمال المصطلحات، غير أن الإشكال في رأينا يكمن في موقف المشرع نفسه، فإن كان من الجائز أن نستعمل مصطلح من المصطلحات الثلاثة السابقة، فعل الأقل أن يعممه المشرع، غير أننا نرى بأن غالبية التشريعات، بما فيها التشريع الجزائري، تسمي القانون الموضوعي، بقانون العقوبات، بينما تميل لشق الجزاء بخصوص الإجراءات، حيث نجد المشرع الجزائري، يطلق تسمية " قانون العقوبات" على القانون موضوع دراستنا في هذا السداسي، ومصطلح " قانون الإجراءات الجزائية" بخصوص الشق الإجرائي موضوع دراستنا في السداسي الثاني من السنة الجامعية، وهنا يثار التساؤل عن المغزى من عدم توحيد المصطلحات، وإن كانت بعض التشريعات تطلق عليه مصطلح " الإجراءات الجنائية" نسبة للجنايات.

الفرع الثاني
تعريف قانون العقوبات
       
يعرفه البعض[4]، بأنه: " مجموعة القواعد القانونية التي تبين الجرائم وما يقرر لها من أو يقابلها من عقوبات أو تدابير أمن، إلى جانب القواعد الأساسية والمبادئ العامة التي تحكم هذه الجرائم والعقوبات والتدابير"، بينما يرى البعض[5]، أنه :" مجموعة القواعد القانونية التي تحدد رد الفعل الاجتماعي ضد الجرائم، وتترجم مجموعة الحلول الوضعية للظاهرة الإجرامية".     في حين يرى آخرون، أن قانون العقوبات يمعناه الواسع، مجموعة القواعد التي تحدد التنظيم القانوني للفعل المجرم ورد فعل المجتمع إزاء مرتكب هذا الفعل، سواء بتطبيق عقوبة أو تدبير أمن، كما يشمل أيضا القواعد الإجرائية التي تنظم الدعوى الجنائية. وبذلك يشمل المعنى الواسع كل من القواعد الموضوعية التي تجرم وتعاقب على الأفعال، سواء تمثلت في قانون العقوبات أو في القوانين المكملة له، وكذا القواعد الإجرائية المتمثلة في مجموعة القواعد الواجب اتخاذها بخصوص الدعوى العمومية، وصدور الأحكام والطعن فيها، وحتى تنفيذ العقوبة التي ينظمها قانون تنظيم السجون وإعادة الإدماج الاجتماعي للمحبوسين[6]. بينما المعنى الضيق لقانون العقوبات، فيطلق مرادفا لتقنين العقوبات أو مجموعة القواعد الموضوعية فقط الخاصة بالتجريم والعقاب. والتي تعني فقط الدور المزدوج لهذا لقواعد هذا الشق، حيث تبين من جهة، الأفعال والتصرفات المجرمة، ومن جهة ثانية، ردة الفعل الاجتماعي إزاءها أو في مواجهتها، سواء كان ذلك بعقوبة أو تدبير من تدابير الأمن أو التدابير الاحترازية[7].

        ويرى البعض، بأن الدور المزدوج لقواعد قانون العقوبات، هي التي تبين الاختلاف الفقهي والتشريعي الحاصل حول تسمية هذا القانون، وهي التسميات التي تعبر فعلا عن ماهية هذا القانون، حيث يمكن القول بأن الجريمة أيا كان نوعها والجزاء أيا كان نوعه، وجهان لعملة واحدة، فالتعبير بالجريمة يعني أنه هناك جزاء مقابل، والتعبير بالجزاء يعني أن هناك جريمة قد وقعت، حيث لا جريمة دون جزاء، ولا جزاء دون وقوع جريمة، من حيث المبدأ. غير أننا نفضل تسمية القانون الجنائي – والدليل على ذلك تسمية المادة التي نحن بصدد دراستها – على تسمية قانون العقوبات، حيث بإمكان التسمية الأولى أن تشمل الشق الإجرائي بالإضافة إلى الشق الموضوعي، في حين أن تسمية قانون العقوبات، في رأينا تشمل الشق الموضوعي فقط دون الشق الإجرائي. وبالتالي يمكننا القول بأن مسألة التسمية تقودنا لدراسة محتوى هذا القانون، وهو موضوع دراستنا في الفرع الموالي.

المطلب الثاني
محتوى القانون الجنائي

        يجمع الفقه في عمومه، على أنه لقانون العقوبات نوعين من المحتوى، محتوى قانوني وهو أساس والهدف المباشر لهذا الفرع القانوني، ومحتوى علمي وهو محتوى غير مباشر منه تستمد القواعد القانونية المنظمة لشقي التجريم والعقاب. وهو ما نبينه باختصار في الفرعين التاليتين.

الفرع الأول
المحتوى القانوني للقانون الجنائي

        تكمن مهمة قانون العقوبات بالدرجة الأولى، في تبيان الأفعال التي يرى المشرع أنها تضر بالمصلحة العامة وبالنظام العام القائم[8]، ويضع قائمة بها، وهي التي تشكل بذاتها فرعا من فروع القانون الجنائي، ويسمى ب:" القانون الجنائي الخاص"، أو القسم الخاص من القانون الجنائي أو قانون العقوبات، وهي القسم الذي يبين كل جريمة على حدا وما يميزها من أركان وظروف وعناصر، وما يتقرر لها من عقوبات
أو تدابير احترازية أو أمنية. وإلى جانب القواعد السابقة، هناك مجموعة أخرى من القواعد التي تحدد القواعد والمبادئ العامة التي تحكم القانون الجنائي في مجمله، من أركان عامة للجريمة، وقواعد المسؤولية الجنائية وموانعها، وتصنيف الجرائم، وأسباب الإباحة، وموانع العقاب... وهي مجموعة القواعد التي تشكل فرع من فروع القانون الجنائي، المسمى بالقسم العام، أو القانون الجنائي العام، الذي يعد موضوع دراستنا في هذا البحث. غير أن تطبيق الفرعين السابقين من فروع القانون الجنائي، يقتضي إجراءات معينة بموجبها تتدخل الدولة عن طريق أجهزتها من وقت ارتكاب الجريمة لغاية توقيع العقوبة على مقترفها، وتبين ماهية هذه الأجهزة، وطرق تدخلها وكيفيات ذلك، وهو القسم المسمى بقانون الإجراءات الجزائية
[9].

        وبالتالي يتحدد المحتوى القانوني للقانون الجنائي، أو قانون العقوبات، بثلاثة فروع قانونية فرعية يتضمنها هذا القانون، وهي القسم العام، أو القانون الجنائي العام[10]، والقانون الجنائي الخاص[11] – المقرر في برنامج السنة الثالثة حقوق إلى جانب علم الإجرام- وقانون الإجراءات الجزائية أو الجنائية[12]، المقرر في السداسي الثاني من السنة الثانية حقوق. وهي أقسام وفروع تتكامل فيما بينها، لتشكل في الأخير الجزء الكبير من السياسة الجنائية والعقابية للدولة، من حيث تبيانها للتجريم وما قرر من عقوبات، والأحكام والمبادئ العامة التي تحكم العمليتين – التجريم والعقاب-، بالإضافة إلى قواعد إجرائية تنقل الشق السابق من حالة السكون إلى حالة الحركة، أو من الحالة النظرية المجردة، إلى الحالة الواقعية العملية. هذا من ناحية.

        ومن ناحية ثانية، يتحدد المضمون القانوني لقانون العقوبات، في كونه وبالإضافة إلى احتواءه لقسم عام وآخر خاص، أنه هناك قوانين عقوبات تكميلية وأخرى خاصة.

فقانون العقوبات التكميلي، يجد علته في كون القسم الخاص من قانون العقوبات لا يتضمن كل الجرائم التي قررها المشرع، فهناك عدد كبير من الجرائم نصت عليها قوانين أخرى مستقلة، مثل قانون المنافسة والأسعار وقانون الصحة والقانون الجمركي ...وهي مجموعة القوانين التي يطلق عليها مصطلح قانون العقوبات التكميلي أو القوانين الملحقة بقانون العقوبات، مما يستتبع بالضرورة خضوعها للأحكام العامة المتضمنة بالقسم العام لقانون العقوبات.    ولجوء المشرع إلى هذه الطريقة المتمثلة في التجريم والعقاب بموجب نصوص قانونية مستقلة، يجد أساسه في عدم قدرته على حصر كل الجرائم في موضوع واحد هو قانون العقوبات، خاصة إذا كانت هذه الجرائم تحمي مصالح متغيرة أو طارئة تخضع للتعديل والتغيير كلما دعت الضرورة لذلك، في حين أن قانون العقوبات يتسم بالاستقرار النسبي، لذا فهو يجرم في العادة الأفعال الشائنة والمستهجنة في المجتمع في كل وقت من الأوقات ولا يتدخل إلا في حال تغيرات اقتصادية
 أو اجتماعية أو علمية حديثة توجب إلغاء بعض الجرائم أو إدراج البعض الآخر.

        وأما قوانين العقوبات الخاصة، فهي حسب الفقه طائفة ثالثة من الجرائم، التي يتم النص عليها في قوانين خاصة، اصطلح على تسميتها بقوانين العقوبات الخاصة، منها قانون العقوبات العسكري وقانون العقوبات الاقتصادي وقانون العقوبات التجاري. وأصبحنا نسمع بقانون العقوبات الإداري وقانون الجنائي الدستوري...، وهي كلها قوانين تحمي مصالح تتميز بطابع خاص يبرر إخضاعها لقواعد قانونية خاصة، سواء من الناحية الموضوعية أو من الناحية الإجرائية، كونها تخضع لبعض الأحكام التي قد تختلف كلية
أو جزئيا عن الأحكام العامة الموضوعية والإجرائية، لكن العلاقة بينهما تظل قائمة ويجب الرجوع للأحكام العامة في كل حالة لم يرد بشأنها نص في هذه القوانين الجنائية الخاصة، تطبيقا لقاعدة الخاص يقيد العام. ولتجنب الخلط بين القوانين الجنائية الخاصة والقوانين التكميلية لقانون العقوبات العام، يدرج الفقه الفرقين الأساسيين التاليين:
1- القوانين المكملة لقانون العقوبات، تحمي مصالح من ذات نوع وطبيعة المصالح المحمية بموجب القسم الخاص من قانون العقوبات، مما لا يجيز الخروج بشأنها عن الأحكام العامة المنصوص عليها بالقسم العام لقانون العقوبات، في حين تحمي قوانين العقوبات الخاصة مصالح وحقوق تتميز بطبيعة خاصة تستوجب الخروج نوعا ما ( بصفة كلية أو بصفة جزئية) عن الأحكام العامة لقانون العقوبات سواء في قسمه الموضوعي أو في قسمه الإجرائي .
2- الجرائم المنصوص عليها في قوانين العقوبات التكميلية، تخضع بحسب الأصل للأحكام العامة الواردة بالقسم العام لقانون العقوبات، إلا إذا نص فيها على ما يخالف ذلك، أما قوانين العقوبات الخاصة فتضم أحكامها الموضوعية والإجرائية الخاصة بها، ولا يرجع فيها إلى الأحكام العامة إلا في الحالات التي لا يرد فيها نص خاص.

الفرع الثاني
المحتوى العلمي للقانون الجنائي


        حتى يستطيع القانون الجنائي أن يحقق أهدافه على أتم وجه، يجب أن يستعين بالعلوم الحديثة وما تقدمه له من مساعدة مبنية أساسا على معطيات علمية، من أهم هذه العلوم المسماة بالعلوم الجنائية المساعدة،  علم التحقيق الجنائي وعلم الإجرام، اللذان يعدان ركائز العلوم الجنائية أو السياسة الجنائية بصفة عامة. وإن كان يستفيد القانون الجنائي أيضا ببعض العلوم الأخرى حتى وإن كانت من طبيعة غير جنائية، كعلم النفس وعلم الاجتماع، والعلوم الاقتصادية وغيرها من العلوم الإنسانية، خاصة وأن الجريمة بدورها ظاهرة إنسانية، فهمها يقتضي فهم السلوك الإنساني ككل، وذلك لا يتسنى إلا بالاستعانة بكل هذه العلوم في رسم السياسة الجنائية. وهو ما نبينه باختصار في النقاط التالية. والتي لا نقصد بها علاقة قانون العقوبات بباقي فروع القانون الأخرى، التي سنتناولها في نقطة مستقلة، وإنما هي علوم متضمنة بطريقة غير مباشرة في إطار هذا القانون ذاته. والمسماة بالعلوم الجنائية نسبة لهذا الفرع القانوني، ويقصد بها تلك العلوم التي تبحث في الجريمة والمجرم، من حيث تحديد أسباب الإجرام وصفات المجرم ووسائل معالجته وتقويمه، وأهداف العقوبة وأغراضها، وبالتالي نقطة الاشتراك بينها وبين القانون الجنائي، هي الاهتمام المشترك بالجريمة والمجرم والعقوبة، والأهم مكافحة الجريمة، وهي المحاور الأساسية للقانون الجنائي وسبب وجوده. غير أن وسيلة القانون الجنائي في مكافحة الجريمة، هي تحديد الأعمال المجرمة وتقدير الجزاء المناسب لها، بينما وسيلة العلوم الجنائية، هي البحث العلمي القائم على الدراسات التجريبية القائمة على الملاحظة واستخلاص النظريات والقوانين العلمية التي تحكمها، والتي تجعل من المشرع الجنائي يضع النصوص القانونية وفق سياسة جنائية معينة التي تعد محصلة النتائج العلمية التي توصلت إليها العلوم الجنائية[13]. وسنبين أهم هذه العلوم في النقاط الثلاث التالية.

أولا: علـــم الإجرام

        علم الإجرام، هو العلم الذي يدرس الجريمة كظاهرة اجتماعية، ويتناول بالتحليل والبحث أسباب الجريمة ودوافعها المختلفة، والذي يشمل أيضا ثلاثة فروع من العلوم، هي علم طبائع المجرم، ويتناول بالدراسة أسباب الجريمة الكامنة في تكوين الجاني الخلقي والجسدي، وعلم النفس الجنائي، وهو العلم الذي يهتم بالبحث في الأسباب النفسية الدافعة لارتكاب الجرائم، وتطور الفكرة الإجرامية في نفسية الجاني، بالإضافة إلى علم الاجتماع الجنائي، وهو العلم الذي يركز على أسباب الجريمة الراجعة إلى المجتمع والظروف الاجتماعية المحيطة بالجاني، بالإضافة إلى علم آخر تفرع عن علم الإجرام، وهو علم الإجرام الإكلينيكي، الذي يركز على دراسة كيفية فحص الجاني جسديا ونفسيا وعقليا، للتعرف على أسباب انحرافه[14]. خاصة وأن علماء الإجرام لهم معاييرهم لاكتشاف تصرفات وسلوكات الأفراد، ودراسة الجريمة دراسة علمية من حيث أسبابها وطرق مكافحتها، ومن هنا كانت العلاقة والاستفادة بين القانون الجنائي وعلم الإجرام علاقة تعاونية أو تبادلية، حيث أن المعطيات الأولية، من تعريف للجريمة، وتقديم المادة البشرية الأساسية موضوع الدراسة والبحث والتحليل، ورسم القيود والحدود التي يتعين على علم الإجرام عدم تعديها في دراسته للمجرم، ومنعهم من التدخل في الشؤون القانونية وخاصة الجنائية[15].

ثانيا: علــــم العقاب
        علم العقاب، هو العلم الذي يهتم بدراسة أهداف العقوبة والتدابير وتحديد أغراضها الاجتماعية، ودراسة القواعد والأساليب الكفيلة بتحقيق أغراضها، ودراسة أساليب تقويم الجناة أثناء فترة تنفيذ العقوبة
أو التدبير، كما وهو العلم الذي يعني مجموعة القواعد التي تحدد الأساليب التي تتبع في تنفيذ العقوبات والتدابير الاحترازية، حتى تحقق الغرض الذي يستهدفه المجتمع منها، في إطار الفلسفة التي يتبناها ويعمل في إطارها.

ثالثا: علــم (التحقيق الجنائي)  البوليس الفني

        وهو العلم الذي يهتم بدراسة تحديد الجاني والتعرف على مرتكب الجريمة وكيفية وقوعها، بدءا من دراسة البصمات، وكيفية رفع آثار الجريمة، وفحصها وتحليلها... وهو علم شهد تطورات مذهلة في السنوات الأخيرة[16]، حيث استفاد كثيرا بالتطورات العلمية والتكنولوجية التي وفرتها للبحث الجنائي، سواء فيما يتعلق بدراسة مسرح الجريمة، أو التعرف على الجناة، من وجود لفكرة البصمات الوراثية، والأدلة الإلكترونية والمعلوماتية والبيولوجية...وعلم التحقيق الجنائي يضم في الواقع العديد من التخصصات التي تتعاون في مجملها لأجل اكتشاف الجريمة ومرتكبيها، ففي إطار هذا العلم، هناك " الطب الشرعي" الذي ساعد على اكتشاف أسباب الوفاة مثلا ووقتها، ومدى وقوع الاعتداء من عدمه، وطريقة هذا الاعتداء وما إن كان عن طريق العنف أو غيره، وأي وسيلة كانت سببا في إحداث الجريمة، والتعرف حتى على المجني عليهم والجناة على حد سواء، سيما في ظل استفادة هذا العلم من التطورات العلمية الحاصلة في الثورة البيولوجية والمعلوماتية. كما يوجد " علم السموم" الذي يساعد على التحقق من أن مادة معينة أو مخدر ما كان السبب في حدوث الجريمة، وتحليل المواد المخدرة في جرائم المخدرات، كما يوجد ما يسمى بعلم البصمات[17]، وما يسمى " بالشرطة العلمية" وهي كلها علوم تسهل من مهام رجال البحث والتحري، والقاضي في إصدار حكمه. كما يستعين القانون الجنائي بالكثير من العلوم الأخرى، مثل علم الاجتماع القانوني، الذي يهدف إلى دراسة الواقع الاجتماعي للقانون منذ نشأته مرورا بمختلف مراحل تطوره، وكذا العوامل والظروف المحيطة بإصدار التشريعات العقابية ودراسة آثارها الاجتماعية، والعوامل الاجتماعية التي تؤثر في إصدار القوانين وعمل أجهزة العدالة، وهو بذلك يلعب دورا بارزا في تقديم الحقائق الاجتماعية بطريقة موضوعية للمشرع لكي يصدر بناء عليها قوانينه، مما يكفل علاقة الصلة بين القانون والمجتمع الذي نشأ لتنظيمه، وكذا علم الإحصاء، الذي يعتني بإعطاء حقائق رقمية للمتخصصين في التشريع حتى يكنوا على دراية واقعية بكل ما يتصل بالجريمة والمجرمين، من عدد الجرائم والمجرمين أو دراسة نوعية معينة منهم، ومدى انتشار الجريمة في زمان ما أو مكان ما ... خاصة وأن الدراسات الإحصائية من أفضل السبل للحكم على نجاح السياسة الجنائية.

المبحث الثاني
الطبيعة القانونية لقانون العقوبات

        المقصود من تحديد طبيعة قانون العقوبات، البحث فيما إذا كان يعد فرعا من فروع القانون العام
 أو فرعا من فروع القانون الخاص، وعموما، البحث في موقع هذا الفرع الهام من فروع القانون بين فروع القانون الأخرى التي تشكل النظام القانوني لأي دولة؟ خاصة إن كنا نعلم، أن النظام القانوني، هو مجموعة من القواعد القانونية التي تنظم مجموعة من المصالح، هذه الأخيرة التي قد تكون عامة كما قد تكون خاصة،  ووفقا لذلك ينقسم القانون إلى قانون عام وقانون خاص، فإذا كانت المصلحة التي تحميها القاعدة القانونية مصلحة عامة، كنا بصدد فرع قانوني عام، وإن كانت المصلحة المراد حمايتها مصلحة خاصة أو فردية، كنا بصدد فرع قانوني خاص، وبذلك يكون القانون العام عبارة عن مجموعة القواعد القانونية التي تحمي المصالح العامة وتنظم العلاقات العامة، كالقانون الدستور، والقانون الإداري، والقانون المالي أو الجبائي
أو الضريبي، والقانون الدولي العام، بينما القانون الخاص، هو مجموعة الفروع أو القواعد القانونية التي تنظم العلاقات فيما بين الأفراد، وتحمي مصالحهم، كالقانون المدني، والقانون التجاري الذي يهدف إلى تنظيم طائفة من أفراد المجتمع وهم التجار، ونوع محدد من الأعمال وهي الأعمال التجارية، وقانون الأسرة الذي يهتم بشؤون هذه الأخيرة... وبالتالي السؤال السابق، وإن طرحناه بصيغة أخرى، ما موقع القانون الجنائي من تقسيمات القانون، فهل قواعد قانون العقوبات تحمي مصالح عامة، وبالتالي هو فرع من فروع القانون العام، أم يقتصر دوره على حماية مصالح فردية خاصة، وبالتالي هو فرع من فروع القانون الخاص؟ وهو السؤال الذي نرى بأن الإجابة عليه تكون بتناول علاقة قانون العقوبات بكل فروع القانون، سواء الخاصة
أو العامة منها، لنحكم بعدها عن طبيعة قواعده وموقعها من هذا التقسيم، أم تتنوع أصلا بذاتية واستقلالية تميزها عن سائر القواعد القانونية الأخرى. أم مجرد قانون مكمل لباقي فروع القانون الأخرى ولا يمكنه أن يتدخل ويلقى مجالا للتطبيق إلا عند عجز هذه القوانين عن كفالة حماية قانونية فعالة لقواعدها وأحكامها. وذلك من خلال مطلبين، نتناول في الأول، علاقة قانون العقوبات بفروع القانون الأخرى بمختلف تقسيماتها، وفي الثاني تحديد مكانة هذا القانون في النظام القانوني للدولة. على أن نخصص الثالث، وعلى غير العادة، لخصائص هذا القانون وأهدافه، ونقول على غير العادة، كونه جرت العادة على أن يتم تناول الخصائص ضمن المفهوم. لكن لطبيعة هذا القانون تركنا تناول الخصائص إلى ما بعد تحديد طبيعة هذا القانون التي بإمكانها أن توضح بذاتها العديد من خصائص هذا القانون وكذا أهدافه المرتبطة بهذه الخصائص.

.
المطلب الأول
علاقة قانون العقوبات بفروع القانون الأخرى

        سنحاول من خلال هذا الفرع، وباختصار، أن نحدد علاقة قانون العقوبات بكل فروع القانون الأخرى، سواء كانت عامة أو خاصة، ومن خلال ذلك يمكننا الحكم عن طبيعته وما إن كان قانونا عاما
أو خاصا، أو له ذاتية واستقلالية تميزه عن سائر الفروع الأخرى. وذلك من خلال الفروع التالية. أين نتناول علاقة قانون العقوبات بفروع القانون العام، في فرع، وفي آخر، علاقته بفروع القانون الخاص، وما دمنا بصدد تحديد العلاقات، فإننا نخصص فرعا لعلاقة قانون العقوبات بقواعد الدين والأخلاق.

الفرع الأول
علاقة قانون العقوبات بفروع القانون العام
       
        بالاطلاع على محتوى غالبية الفروع القانونية التي تعد من القانون العام، نجد بأن لقانون العقوبات علاقة مباشرة ووطيدة بمختلف هذه الفروع، حيث أنه وبالاطلاع على القانون الدستوري – كأهم القوانين العامة في الدولة- نجد بأن القانون الجنائي هو المخول للحماية أهم المبادئ والأحكام التي يتضمنها القانون الدستوري، سواء تعلق الأمر بالحقوق والحريات، حيث أن القانون العقوبات يجرم كل الأفعال والسلوكات التي تمثل اعتداء على هذه الأخيرة[18]، وسواء تعلق الأمر بحق الدولة في الاحتفاظ بشكل الحكم، حيث يعاقب قانون العقوبات على جرائم الخيانة والتجسس وكل أنواع الاعتداءات التي تمس بأمن الدولة سواء من جهة الداخل أو من جهة الخارج[19]، كما يجرم كل الاعتداءات الواقعة على الاقتصاد والدفاع الوطنيين[20]، وتجريم كل الاعتداءات والمؤامرات ضد سلطة الدولة وسلامة أرض الوطن[21].... وهي أمور تبين بكل وضوح العلاقة الوطيدة بين القانونيين الجنائي والدستوري، الذي يعد أهم القوانين العامة في الدولة أيا كان شكل الحكم فيها، ومثل هذه العلاقة الوطيدة جعلت الفقه ينظر لفرع قانوني جديد سماه ب :" القانون الجنائي الدستوري"[22].

        أما بخصوص القانون الإداري، الذي يعد من أهم القوانين العامة للدولة، والذي عن طريقه تسير الدولة مصالحها ومرافقها، نجد لقانون العقوبات علاقة جد وطيدة به، باعتباره يجسد حماية جد فعالة من الاعتداءات التي تكون السلطة الإدارية أو الإدارة العامة عرضة لها، بدءا من ضمان سير المرافق العامة وتنظيم ممارسة السلطة الإدارية في الدولة والرقابة على الموظفين وضمان احترامهم لحقوق وحريات الأفراد، ضمن ما سماه المشرع الجزائي ب:" تواطؤ الموظفين"  ( المواد من 112 حتى 115)، والرقابة على السلطات الإدارية والقضائية وحدود ممارستهما لسلطاتهما ( المواد من 116 حتى 118)، الاختلاس والغدر[23]، الرشوة واستغلال النفوذ باعتباره من جرائم الموظفين، إساءة استعمال السلطة ضد الأفراد والأشياء العمومية ( المواد من 135 حتى 142)، وهي كلها تهدف إلى ضمان احترام السلطات لمهامها، وفي المقابل هناك جرائم من خلاقها يحمي قانون العقوبات الموظف، ويجعله يؤدي مهامه في ظل من الحماية الفعالة، كحمايته من أفعال الإهانة والتعدي ( المواد من 144 حتى 148)، حماية أختام الدولة ( المادة 155 وما بعدها)، وهي كلها أمور تبين لنا العلاقة الوطيدة بين القانون الإداري القانون الجنائي، للدرجة التي بدأ فيها البعض أيضا ينظر لقانون عقوبات إداري.

        وعلى العموم لقانون العقوبات علاقة وطيدة بمختلف فروع القانون العام، سواء تعلق الأمر بالقانون الضريبي أو الجبائي وما قرره من تجريم لأفعال التهرب والغش الضريبي، والقانون المالي وما يقرره من تجريم للاعتداءات الواقعة على هذا المال، كما تظهر علاقته الوطيدة بالقانون الدولي العام، وذلك من خلال فرعين قانونيين هامين، هما القانون الجنائي الدولي، الذي ينظم العلاقات الجنائية فيما بين الدول، خاصة في مجال تسليم المجرمين وطرد الأجانب والتعاون الدولي لمكافحة الجرائم... وفرع قانوني آخر حديث نسبيا، وهو القانون الدولي الجنائي، الذي ينظم جملة من الأفعال التي تشكل جرائم ماسة بكل الدول، والتي تسعى لمكافحتها على النطاق العالمي الواسع في إطار نوع من التنسيق والتعاون، مثل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم المخدرات بمختلف أنواعها، والاتجار بالرقيق، وعموما كل أنواع الإجرام الدولي المنظم[24].

        وبالتالي يمكن القول مما سبق، بأنه للقانون الجنائي علاقة جد وطيدة مع كل فروع القانون العام في الدولة، الأمر الذي جعل الرأي الفقيه الجنائي الغالب يستقر عليه، ودون البحث في علاقة قانون العقوبات بفروع القانون الخاصة، معتبرا هذا القانون جزء من النظام القانوني العام للدولة، وهو النظام الذي تتضامن قواعده فيما بينها لتنظيم المجتمع، وحماية المصالح الاجتماعية العامة، وتنظيم علاقات ذات طبيعة عامة، سواء كانت بين مؤسسات الدولة فيما بينها، أو بين هذه المؤسسات والأفراد، وبالتالي القانون الجنائي، شأنه شأن القانون الدستوري والقانون الدولي العام، والقانون الإداري والقانون المالي، من فروع القانون العام. غير أننا سنحاول رغم ذلك محاولة استقراء علاقة قانون العقوبات بفروع القانون الخاصة، حتى لا يفهم من الكلام السابق أن هذه العلاقة منعدمة.

الفرع الثاني
علاقة قانون العقوبات بفروع القانون الخاص

        من أهم فروع القانون الخاص في كل النظم القانونية، نجد القانون المدني الذي يعد الشريعة العامة للقوانين الخاصة، والذي تفرعت عنه باقي القوانين الأخرى، ومنها القانون التجاري وقانون الأحوال الشخصية، وهي الفروع التي تقتصر دراستنا عليها في تبيان علاقتها بقانون العقوبات. فبخصوص القانون المدني وما ينظمه من حقوق مثل الملكية والحيازة والعقود، نجد بأن قانون العقوبات يوفر حماية لكل هذه المواضيع التي تعد من صمم اهتمامات القانون المدني، فهو يحمي الملكية سواء المنقولة منها أو العقارية من أفعال السرقة والنهب والنصب وخيانة الأمانة والإتلاف والحرق ومن كل أشكال التعدي الأخرى، ويحمي العقود من التزوير... وبالتالي قانون العقوبات هو الموفر للحماية القانونية الفعالة للنظم المقررة في التقنين المدني، وبالتالي العلاقة بينهما جد ظاهرة.

        وبخصوص القانون التجاري المنظم لفئة التجار وأعمالهم التجارية ووسائل قيامهم بمهاهم المتمثلة في الأوراق التجارية، نجد بأن قانون العقوبات يحمي هذه الأوراق من التزوير، ومن كل أفعال تنال من الثقة المفروضة فيها، كما يحمي العلامات التجارية والمنافسة، ويعاقب على انعدام الفواتير ومخالفة الأسعار... الأمر الذي يبين أيضا العلاقة المتينة بين القانونين.

        وبخصوص قانون الأحوال الشخصية، نجد بأن قانون العقوبات هو المقرر للحماية الجنائية للأسرة من خلال تجريم الاعتداءات التي تشكل تهديدا لها، مثل تجريمه للأفعال التي تشكل هتكا لعرض الأسرة، كجريمة الزنا وهتك العرض، ويحمي البناء من خلال تجريمة لفعلي الإهمال والترك وعدم دفع النفقة المقررة، وتعريض حياة القصر للضياع... بل نجد قانون العقوبات قد خصص فصلا كاملا للجنايات والجنح التي ترتكب ضد الأسرة في المواد من 304 إلى 309 منه. وتبرز هنا أيضا العلاقة الظاهرة بينه وبين قانون الأسرة.
        وبالتالي نتوصل إلى القول بأنه لقانون العقوبات علاقة بسائر فروع القانون الخاص، مثلما وجدنا بأنه له علاقة مع سائر فروع القانون العام، الأمر الذي لا يمكننا حتى هذه اللحظة من الحكم على طبيعة هذا القانون وما إن كان فرعا قانونيا عاما أم فرعا قانونيا خاصا؟ وهو السؤال الذي يقودنا لنقطة ثانية نبحث من خلالها عن مكانة قانون العقوبات في النظام القانوني للدولة. وهو موضوع دراستنا في المطلب الثاني، غير أننا ما دمنا بصدد تحديد علاقة قانون العقوبات بمختلف فروع القانون، فإننا لا تود أن نفوت علاقته بقواعد الدين والأخلاق.

الفرع الثالث
علاقة قانون العقوبات بالدين والأخلاق

        تفرض كل من قواعد الدين والأخلاق، مجموعة من الواجبات والالتزامات على الفرد نحو ربه ونحو غيره من الأفراد، ونحو نفسه أيضا، وعادة ما تقوم مثل هذه الالتزامات والواجبات على أساس مبادئ البر والإحسان والخير والعدالة، وكل ما يهدف إلى سمو النفس البشرية، وذلك تحت التهديد بمجموعة من الجزاءات غير القانونية، منها الجزاءات الدينية، أو في استهجان الرأي العام أو حتى ذاتية، تتمثل في وخز الضمير، لذا فعلاقة قواعد الدين والأخلاق تأثير كبير لا ينكر على قواعد قانون العقوبات، حيث كثيرا ما يستلهم منها المشرع الجنائي بعض قواعد التجريم والعقاب، كما أنه بها يستهدي القاضي ويسترشد عند تقييمه للمسؤولية وتقديره للعقاب، وعليه فعلاقة الالتقاء بين الدين والأخلاق وقانون العقوبات أيضا وثيقة في مجال علاقة الفرد بغيره من الأفراد، وإن كان لكل من القواعد مجاله ونطاقه. بالرغم من وجود علاقة تعارض بينهما أحيانا، حيث قد يهتم قانون العقوبات ببعض المجالات التي لا تهتم بها قواعد الدين والأخلاق، مثل قواعد المرور، كما قد تهتم قواعد الدين والأخلاق ببعض المجالات التي لا يهتم بها قانون العقوبات، مثلما هو الشأن بالنسبة لجريمة الزنا إلا في بعض الجوانب الوضعية المبتدعة. وهو ما جعل بعض الفقه، يرى أن دائرة قانون العقوبات لا تتطابق مع دائرة قواعد الأخلاق، فهي أضيق منها من وجه، وأوسع منها من وجه آخر، وإن كان هناك منطقة تؤثر فيها قواعد الدين والأخلاق على قواعد قانون العقوبات.
               
المطلب الثاني
مكانة قانون العقوبات في النظام القانوني للدولة

        بعد إجرائنا للعلاقة الموجودة بين القانون الجنائي ومختلف فروع القانون الأخرى، سواء كانت عامة أو خاصة، تبين لنا أن علاقته موجودة بكل فرع القانون هذه أيا كانت طبيعتها، مما يجعلنا لم نجب بدقة عن السؤال ولم نحدد طبيعته. وهو ما أثار جدلا فقهيا واسعا بين اتجاهين، يرى أحدهما بأن قانون العقوبات ما هو إلا فرع من فروع القانون العام، والثاني، يرى أنه فرع من فروع القانون الخاص، ولكل من الاتجاهين حججه، وهو الخلاف الذي نتناوله باختصار في فرع، لنتناول في آخر الاتجاه الغالب في الفقه.

الفرع الأول
الخلاف حول مكانة قانون العقوبات

        انقسم الفقه بخصوص مكانة قانون العقوبات بين قائل بأنه فرع من فروع القانون العام، وآخر قائل بأنه فرع من فروع القانون الخاص، ولكل اتجاه حججه وأسانيده، والتي نحاول تناولها باختصار في النقطتين التاليتين[25].

أولا:  قانون العقوبات فرع من فروع القانون العام

يرى أنصار هذا الاتجاه، أن قانون العقوبات حتى وإن كانت له علاقة بفروع القانون الخاص، لأنه تطبيقه يمس العلاقة بين الفرد والدولة وأن المتهم في الدعاوى الجزائية يحاكم باسم الشعب، وأنه غالبية الأفعال التي يعاقب عليها موجهة ضد مصالح المجتمع، كجرائم أمن الدولة، وجرائم اختلاس المال العام ورشوة الموظفين، وهي المواضيع التي لا جدل حول اعتبارها مواضيع من القانون العام، وأن الجرائم التي يظهر أنها تمثل مصلحة للأفراد،  كالقتل والضرب والسرقة، فهي جرائم تمس بطريق غير مباشر مصلحة المجتمع أيضا، كون هذه الأخيرة تقتضي تأمين حقوق أفراده الأساسية مثل حقهم في الحياة والسلامة الجسدية والملكية، وأن تأمين هذه الحقوق الخاصة تشكل في مجموعها تأمين مصالح المجتمع الأساسية. وبالتالي، تكون المصالح التي يحميها قانون العقوبات دوما مصالح اجتماعية عامة، حتى وإن تضمنت بالتبعية حماية حقوق يظهر أنها خاصة. كما يعد القانون الجنائي من فروع القانون العام، بالنظر لزاوية العلاقات التي ينشئها بعد وقوع الجريمة، والتي ترتب قيام حق الدولة كممثلة للمجتمع في متابعة مرتكب الجريمة ومعاقبته، عن طريق جهاز عام وهو جهاز النيابة العامة، مما يجعل قانون العقوبات بكل قواعده فرع من فروع القانون العـــــام.

ثانيا: قانون العقوبات فرع من فروع القانون الخاص

        على عكس الاتجاه الأول، يرى أنصار هذا الاتجاه، بأن قانون العقوبات أقرب للقوانين الخاصة، سيما إذا نظرنا للتلازم الدائم بين الدعوى العمومية والدعوى المدنية التبعية، وأن معظم نصوصه تجرم وتعاقب حقوقا خاصة بالأفراد وتتدخل كلما عجزت القوانين الخاصة عن فرض الحماية الكافية لأحكامها، وبالتالي الجدل الفقهي لم يفصل في طبيعة قانون العقوبات، هنا ظهر اتجاه غالب في الفقه، رأى أنه لقانون العقوبات ذاتية واستقلالية عن كل فروع القوانين، سواء كانت خاصة أو عامة. وهي المسألة التي نتناولها في الفرع الموالي.
الفرع الثاني
ذاتية قانــــون العقوبات

        يرى غالبية الفقه فصلا للجدل السابق، أن قانون العقوبات وبالرغم من علاقته بكامل فروع القانون الخاص، إلا أنه فرع من فروع القانون العام في الدولة، غير أنه يختلف عنها باستقلاله عنها، وبذاتية تميزه عن غيره من فروع القانون العام الأخرى، وليس مجرد حارس للقوانين الأخرى سواء كانت عامـــــة أو خاصة. فوظيفة القانون الجنائي داخل النظام القانوني للدولة، ليست مجرد وظيفة احتياطية باعتباره يتضمن قواعد جزائية تتدخل في حالة عجز القوانين الأخرى على بسط حماية لنفسها، فيتدخل لفرض الاحترام لهذه القواعد، مما يجعله قانون تابع لغيره ذو طبيعة احتياطية تدخله مرهون بعجز القواعد الأخرى، الأمر الذي يجعله مجرد حارس أو شرطي للقوانين الأخرى، يتم الاستنجاد به فقط في حالة عجز القواعد الأخرى[26]. وإن كان هذا القول يعد جزءا من الحقيقة، غير أنه ليس الحقيقة كلها، كون القانون الجنائي يشكل وحدة قانونية تتشكل من مجموعة من القواعد القانونية ذات الطبيعة الخاصة، التي لا تشبه أي فرع قانوني آخر، خاصة وأنه يتميز ببعض القواعد التي لم يسبق لباقي القوانين أن عرفتها، ويرتب التزامات تجهلها هذه القوانين، كالالتزام باحترام الآخرين ومساعدتهم، وفكرة الشروع التي في حقيقتها لا تعد اعتداء على أي حق من الحقوق أيا كانت طبيعتها، ويتطلب العمد كقاعدة والخطأ كاستثناء، ويركز في الكثير من الأحيان على بعض الظروف الأخرى، مثل شخصية الجاني والمجني عليه، وزمان ومكان ارتكاب الجريمة، ووسيلة ارتكاب الجريمة، ومثل هذه المسائل ليست ذات أهمية في فروع القانون الأخرى، كما أن القانون الجنائي وإن استعار مفهوما أو فكرة من فرع قانوني آخر، فإنه لا يتقيد بالمفهوم المعطى لها في هذا الفرع من فروع القانون، بل قد يوسع أو يضيق منه بحسب هدفه في حد ذاته بعيدا عن هدف القانون الآخر، كمدلول الملكية والحيازة والشيك والموظف العام، واهتمامه بفكرة الخطورة الإجرامية، وهي كلها أفكار تميزه وتجعل له ذاتية مستقلة عن سائر فروع القانون الأخرى سواء كانت عامة أو خاصة. وإن كان فعلا من القانون العام كونه يهدف بالدرجة الأولى لحماية النظام العام والمصلحة العامة، وهو الأمر الذي انعكس بوضوح على خصائص هذا القانون وأهدافه، التي لا يتميز بها أي قانون آخر سواه، وهي الخصائص التي سنتناولها في الفرع الموالي، مع أهداف هذا القانون، مذكرين بأننا تعمدنا ترك الخصائص لما بعد تحديد الطبيعة وذلك على غير العادة – حيث في الغالب ما تعالج الخصائص مع التعريف ضمن المفهوم-.


.
المطلب الثالث
خصائص وأهداف قانون العقوبات
        نظرا لطبيعة قواعد قانون العقوبات وما تميز به محتوى وذاتية واستقلالية، جعلته يتميز بجملة من الخصائص التي تعطي لهذا القانون نوع من التميز عن باقي فروع القانون الأخرى، وتؤكد فعلا فكرة ذاتيته واستقلاليته التي توصلنا إليها في النقطة السابقة، وتجعله يحقق أهداف مغايرة تماما للأهداف المتوخاة من باقي فروع النظام القانوني في الدولة، لذا سنحاول أن نتناول هذا الفرع من خلال فرعين، نخصص الأول لخصائص قانون العقوبات، والثاني لأهدافه.
الفرع الأول
خصائص قانون العقوبات

        يتميز قانون العقوبات بجملة من الخصائص التي تميزه عن باقي فروع القانون الأخرى، وتؤكد استقلاليته عنها وتمتعه بذاتية، ومن أهمها، أنه قانون ذو طابع سيادي أحادي المصدر متصف بنوع من الثبات والاستقرار والتعقيد، وهو ما نفصله في النقاط التالية.

أولا:  قانون العقوبات ذو طابع سيادي

        من أهم الخصائص التي ينفرد بها قانون العقوبات عن سائر الفروع القانونية الأخرى، هو طابعه السيادي الذي من خلاله تعبر الدولة عن سيادته على إقليمها وبسط نفوذها عليه، من خلال مبدأ الإقليمية الحاكم لتطبيق هذا القانون كقاعدة – على نحو ما سنراه- ومن خلاله تعبر الدولة عن سيادتها على الأفراد أيا كانت جنسيتهم وتفرض عليهم السلوكات التي تتماشى وأهدافها، وعن طريقه تفرض النظام والاستقرار والأمن داخل المجتمع، كما أنه القانون الوحيد الذي يطبقه القاضي الوطني الذي يمتنع عليه كقاعدة تطبيق قوانين العقوبات الأجنبية.

ثانيا:  قانون العقوبات أحادي المصدر

        نظرا لارتباط قانون العقوبات بسيادة الدولة، وبناءه على مبدأ فريد من نوعه هو " مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات" الذي يقضي بأنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص صريح في القانون وأن يكون هذا الأخير صادر عن سلطة مختصة بإصداره وفقا للدستور، ووفقا لإجراءات محددة ومبينة دستوريا مخافتها يترتب عليه بطلان النص. مما يجعل منه قانوني أحادي المصدر، على عكس القانون المدني الذي تقضي المادة الأولى منه بتعدد مصادره، وهي الخاصية التي جعلت من قانون العقوبات يتميز بأخرى ناجمة عنها، وهي أنه قانون جامد.

ثالثا:  قانون العقوبات قانون جامد

        من الخاصية السابقة التي تحصر مصدر قانون العقوبات في النص التشريعي المكتوب، فإن التجريم والعقاب والتعديل والتغيير في أحكامه، يتطلب المرور بمراحل معقدة وطويلة وتتطلب فترة زمنية أطول مما تتطلبه باقي فروع القانون الأخرى، مما يجعله قانون يتميز بالجمود والثبات والاستقرار النسبي. خاصة وأن تجريم فعل جديد أو إلغاء جريمة موجودة يتطلب فترة زمنية طويلة لا نظير لها مع أي قانون آخر.

رابعا: قانون العقوبات ذو طابع إجرائي معقد

        قانون العقوبات مرتبط ارتباطا وثيقا بقانون الإجراءات الجزائية، وآخر يتعلق بتنفيذ الجزاء المحكوم به، وأنه دون هذه القوانين الإجرائية لا يمكن أن يلقى قانون العقوبات التطبيق، حيث لا براءة ولا إدانة إلا بالمرور بمراحل إجرائية طويلة ومعقدة، وأن هذا القانون الإجرائي متعلق فقط بقانون العقوبات، عكس القانون الإجرائي في القوانين الخاصة الذي يحكم كل فروع القانون الموضوعية الخاصة وحتى العامة مثل القانون الإداري – يحكمها جميعا قانون الإجراءات المدنية والإدارية- وهي قوانين لا تحتاج في تطبيقها لهذه القوانين الإجرائية إلا إذا ثار نزاع، عكس قانون العقوبات الذي يوجب اقترانه بالقانون الإجرائي في أي إجراء.
الفرع الثاني
أهداف قانون العقوبات

        بالنظر للذاتية الخاصة التي يتمتع بها قانون العقوبات وطبيعته السيادية، ووضعه الخاص في النظام القانوني للدولة، فإننا نجده يهدف إلى تحقيق مرامي سامية ورئيسية، يمكن لنا أن نوجزها في حماية مصالح المجتمع وتحقيق الأمن والطمأنينة لأفراده، وتحقيق العدالة، كل ذلك عن طريق فكرتي الردع العام والخاص، وهو ما نبينه باختصار في النقاط الأربعة التالية[27].

أولا: حماية المصالح الاجتماعية المشتركة

        يهدف قانون العقوبات أساسا إلى حماية المصالح الاجتماعية المشتركة لجموع الأفراد الذين ينتمون للمجتمع، سواء كانت هذه المصالح جسدية، كالحق في الحياة وسلامة البدن من جرائم القتل والضرب والجرح وكل أشكال الإيذاء الأخرى، أو مادية اقتصادية، كحماية الأموال وكل أنواع الملكية والحيازة من السرقة والنصب والاحتيال والإتلاف... أو أدبية معنوية، كحماية الشرف والاعتبار من جرائم القذف والسب والشتم والتحقير...

ثانيا:  تحقيـق العدالة

        قواعد قانون العقوبات قواعد عامة ومجردة، كونها تهدف إلى تجريم السلوكات التي يرى المشرع أنها ضارة بمصالح المجتمع، دون أن يميز في ذلك بين الأفراد الذين يرتكبونها، مقرا عقوبة واحدة للجميع، ومبينا أحكام تدرج المسؤولية بصفة موضوعية ومجردة، ومراعيا لأوضاع الجناة والمجني عليهم وموازاة ذلك مع مصالح المجتمع، مبنيا على العديد من الأفكار القانونية التي تعد تجسيدا لفكرة العدالة في معناها الواسع، كمبدأ الشرعية ومبدأ مادية الجريمة، وفكرة الذنب أو الإثم، وشخصية المسؤولية والعقوبة... وهو في ذلك يرمي لتحقيق المساواة والعدالة داخل المجتمع، وهي الهدف الذي يقود لهدف آخر لا يقل أهمية وهو توفير الأمن والطمأنينة للأفراد، الذي نتناوله في النقطة الموالية.

ثالثا:  توفير الطمأنينة للأفراد

        يعد قانون العقوبات صدرا لتحقيق الأمن والطمأنينة للمخاطبين بأحكامه، بالنظر لما تتضمنه قواعده من تحديد مسبق لما هو محظور على الأفراد إتيانه، وبناءه على مبدأ قانونية الجرائم والعقوبات، وهو المبدأ الذي يوفر الأمان للأفراد من تعسف وتحكم السلطة التنفيذية والقضائية، وبناء عليه قررت العديد من المبادئ الأخرى  التي تعد مصدرا للاستقرار النفسي للأفراد أهمها تقادم الجرائم والعقوبات، عدم رجعية نصوص القانون العقوبات للماضي.

رابعا: تحقيق الردع العام والردع الخاص

        الردع العام يتحقق بما تلحقه أحكام قانون العقوبات من تخويف وترهيب لأفراد المجتمع بما تتضمنه من عقوبات، ومن رؤيتهم إنزال هذه العقوبات على الجناة، أما الردع الخاص، فيتحقق بإنزال الجزاء على مقترفي الجرائم كنتيجة لعدم امتثالهم لأوامر ونواهي قانون العقوبات، لتكون مانعا لهم من معاودة الإجرام[28].
الفصل الثاني
تطور قانون العقوبات

        مــر قانون العقوبات في تطوره بالعديد من المراحل، وهي التي ميزت تطور المجتمعات البشرية، وعرف الكثير من التطورات والانقلابات، غير أننا سنركز دراستنا فقط على أهم المراحل التي تساعدنا على فهم مبادئه ومضامينه التي ترسخت اليوم كنظريات. وفي تمييز مراحل تطور قانون العقوبات يمكن القول بأنها ثلاث مراحل أساسية، هي مرحلة المجتمعات القديمة ما قبل ظهور وقيام الدولة، وبعدها مرحلة ظهور هذه الأخيرة وقيامها –الدولة، ثم مرحلة ظهور المدارس الفقهية وأثرها على تطور قانون العقوبات، غير أننا سنحاول أن نتناول هذا التطور ضمن مبحثين أساسيين، نخصص الأول لمحلة ما قبل ظهور المدارس الفقهية، والثاني لتطور قانون العقوبات مع ظهور المدارس الفقهية، كون الأخيرة هي التي ساهمت في تطوره ووصله للشكل الذي هو عليه حاليا.

المبحث الأول
قانون العقوبات في المجتمعات القديمة

        يقصد بالمجتمعات القديمة، تلك المراحل الزمنية الطويلة التي مرت بها المجتمعات البشرية قبل أن تنتظم في شكل دول، وفي هذا الوقت أكد الباحثين أن البشرية عرفت أربعة نظم أساسية، هي نظام الأسرة، نظام العشيرة، نظام القبيلة، ثم فكرة المدينة التي كانت أساسا لقيام الدول. ورغم بساطة تكوين هذه الجماعات البشرية الصغيرة وطريقة عيشها التقليدية، إلا أنها عرفت الجريمة ورد الفعل المقابل ضدها، وهو ما أكدته الكتب السماوية منها الشريعة الإسلامية الغراء، حيث بينت أن أول فعل بشري مثير على وجه الأرض كانت جريمة قتل، حيث قال عز وجل في الآية 29 من سورة المائدة،:" فطوعت له نفسه قتل أخيه فأصبح من الخاسرين" في إشارة إلى قتل ابن آدم " قابيل" لأخيه هابيل. والاهتمام بالجريمة ورد الفعل المقابل، أي الجزاء، كانت النواة الأولى للاهتمام بقانون العقوبات، مثلما هو الأمر عليه اليوم، حيث أن أساس قواعد قانون العقوبات " الجريمة والجزاء" المشكلة للشق الموضوعي للقاعدة الجزائية. وسنحاول تقسيم تطور قانون العقوبات في المجتمعات القديمة إلى مرحلتين أساسيتين، هما مرحلة ما قبل ظهور الدولة، ومرحلة ظهورها، وذلك في المطلبين التاليين، مركزين فقط أهم التطورات التي شكلت ملامح القوانين العقابية المعروفة في العصر الحديث، دون تلك التفاصيل التي انفردت بها هذه المجتمعات ولم يبق لها اثر اليوم.

المطلب الأول
قانون العقوبات في فترة ما قبل ظهور الدولة

        قبل ظهور الدول، عرفت المجتمعات البدائية التقليدية الأولى نظم اجتماعية بسيطة، تمثلت في الأسرة، القبيلة، ثم العشيرة. والتي عرفت بعض النظم والأفكار التي انعكست على مبادئ ونظريات قانون العقوبات، وطورت في مراحل تطوره اللاحقة. وهو ما نحاول الإشارة إليه باختصار وبتناول أهم الأفكار التي جاءت بها هذه التطورات، وذلك في الفرعين التاليين.

الفرع الأول
مجتمع الأسرة وقانون العقوبات

        كانت بداية الاهتمام بقانون العقوبات، وتشكل نواته الأولى، عن طريق الأعراف التي تشكلت بخصوص فكرة " العدوان" ، حيث كان كل اعتداء على فرد من أفراد الأسرة يعد كاعتداء على سائر أفرادها، سواء كان اعتداءا داخليا أو خارجيا من فرد أو أفراد من أسر أخرى، في الحالة الأولى يقرر رب الأسرة الجزاء المقرر على الفرد مقابل اعتداءه على أسرته، والذي قد يصل حد النفي من الأسرة أو القتل، وفي حالة الاعتداء الخارجي كان الجزاء عبارة عن ثأر جماعي[29]. وما يمكن قوله عن هذه الفترة من حياة البشرية، أن الجرائم كانت قليلة وعادة ما تنحصر في جرائم الأشخاص فقط، وعلى الخصوص جريمة القتل، وذلك راجع لبساطة الحياة في تلك المجتمعات وقلة الأموال التي يحتمل الاعتداء عليها، مما انعدم معه جرائم الأموال، وكان رد الفعل على الجرائم التي كانت موجودة غريزيا يتمثل في انتقام المجني عليه أو أهله، على الجاني أو أهله، وهو الانتقام الذي  يساوي أو يفوق – في غالب الأحيان- الضرر الذي لحق بهم، مما جعل من حلقات الانتقام تتسلسل وتتاولى حيث كل انتقام يعقبه انتقام مضاد وهكذا، الأمر الذي يترك بصمة واضحة وكبيرة في مجال تطور قانون العقوبات.
.
الفرع الثاني
مجتمع العشيرة وقانون العقوبات
        بالنظر لكون العشيرة عبارة عن انضمام بعض الأسر لبعضها البعض[30]، خاصة تلك التي تربط بينها روابط النسب، ورثت العشيرة النظام العقابي الذي كان سائدا في مرحلة الأسرة، وطورته نوعا ما بما يلاءم مصالح العشائر الجديدة، خاصة وأن سلطات رب الأسرة في توقيع الجزاء، انتقلت إلى رئيس العشيرة في حال ما إن كان الجاني ينتمي لهذه العشيرة، وحلت فكرة الانتقام الجماعي" بين أسر العشيرة الواحدة، مما هدد أمن العشائر وأحلوا محله فكرة الطرد من العشيرة حتى لا يعرض وحدتها للخطر، واهتدوا أيضا لفكرة نظام القصاص الذي كان له تأثير كبير في الحد من شهوة الانتقام الفردي والمبالغة في الثأر. غير أنه في حالات الاعتداءات الخارجية بقيت الحروب بين العشائر وسيلة لتوقيع الجزاء والانتقام من جناة العشائر الأخرى، وتفكيرا في الحد من ويلات هذه الحروب اهتدت العشائر لفكرة الدية والصلح، الدية وهي مبلغ من المال تدفعه عشيرة المعتدي لعشيرة المعتدى عليه نظير تنازلها عن الثأر، مما قلل من الحروب التي كانت تثار من حين لآخر بين هذه العشائر، وقربت بينها، الأمر الذي جعلها تتحد في نظم اجتماعية أوسع هي نظم القبيلة والمدن[31]. سيما بظهور الديانات التي ساهمت في هذا التوحد والاندماج، وقوت من سلطات الحكام التي اصطبغت بصبغة دينية، الأمر الذي جعل من الجرائم التي يقرها تصطبغ بصبغة دينية أيضا، وتجعل من العقوبة التي تنزل بالجاني، إرضاء للآلهة قبل أن تكون انتقاما أو ثأرا. مما مكن الكهنة ورجال الدين في التجريم والعقاب. ويمكن القول أن هذا التطور يسمح لنا القول بأن سلطات التجريم والعقاب انتقلت من رب الأسرة إلى رب العشيرة إلى رجل الدين أو الكاهن، وأن العقوبة إرضاء للآلهة قبل أن تكون عبارة عن انتقام أو ثأر من الجاني. ومع ظهور الدول عملت على تعديل مضامين التجريم والعقاب بما يبسط هيبتها ويؤكد هيمنها ويفرض سادتها وسلطانها، وكانت وسيلتها الوحيدة في ذلك قانون العقوبات، وقد كان لها ذلك فعلا.

المطلب الثاني
قانون العقوبات ومرحلة ظهور الدولة

        مع البدايات الأولى لظهور الدولة، عملت الأخيرة على الإبقاء على نظامي الصلح والدية، وتعديلها بما يخدم أهدافها ويحافظ على مصالحها، لذا أول ما قامت به أن جعلت منهما نظامين إجباريين، بعدما كانا في المجتمعات القديمة نظامين اختياريين، وفي شق التجريم عملت على التوسع في الجرائم العامة على حساب الجرائم الخاصة، مما مكنها من القضاء على سلطات رؤساء العشائر والقبائل، وقامت من جديد بتعديل النظم التجريمية والعقابية بما يخدم مصالحها الآنية، ويقوي نفوذها ويحقق أهدافها. وعكس المجتمعات القديمة أين كان الاهتمام بالعقوبة أكثر من الاهتمام بالجريمة، فإنه مع ظهور الدولة انعكس الوضع، وبدأ الاهتمام بالجريمة أكثر من العقاب، فبعدما عملت على إحداث الجرائم العامة الماسة بنظام الدولة، ووسعت من نطاقها على حساب الجرائم الخاصة، ربطت الجريمة بنظام وأمن المجتمع – وهي الفكرة السائدة في النظام الجنائية الحديثة- وبما أن الجريمة مساس وتعريض لمصالح الدولة  وسيادتها للخطر، فإن رد الفعل عليها حق للدولة فقط، لها أن تقرر نوعه ومقداره، وبالتالي أصبح النظام العقابي شأن من شؤون السلطة وحدها دون غيرها. كما ظهرت فكرة الردع ووقاية المجتمع من الإجرام، كأهداف للجزاء الجنائي عوض الانتقام والثأر، والردع قد يكون خاص يتمثل في تكفير الجاني عن إثمه، أو عام يتمثل في تخويف وترهيب باقي أفراد المجتمع، ليتأكد بذلك الدفاع عن أمن وسلامة المجتمع، غير أن هذه الأهداف جعلت الدول القديمة تبالغ في قسوة العقوبات، وهنا ظهرت عقوبات الإعدام بكثرة، مع عقوبات أخرى كثيرة تنطوي على الكثير من صنوف التعذيب، مثل الإحراق وتمزيق الأطراف والتغليل بالسلاسل. الأمر الذي جعل القرون الوسطى، التي شهدت نشأة وظهور الدول تمر بمرحلة سواد حالك في المجال العقابي، في الغالب ما يتجاوزه الشراح الأوروبيين، لإخفاء حقيقة الوضع المأساوي في المجتمعات الأوروبية، من جهة، ولتغطية أفضال الشريعة الإسلامية على المجتمعات من جهة ثانية. خاصة وأنها الشريعة التي أنارت هذه الحقبة التاريخية وطورتها وأرست حضارة ظاهرة لا تخفى معالمها. وهو ما يقدونا إلى تناول فكرة أثر الدين على تطوير قانون العقوبات[32]، من خلال فرعين، نتناول في الأول قانون العقوبات والديانة المسيحية، وفي الثاني الشريعة الإسلامية وأثرها في تطوير قانون العقوبات.
الفرع الأول
قانون العقوبات والديانة المسيحية

        ورثت الدول الأوروبية القوانين الجزائية المصبوغة بصبغة دينية، نتيجة انتشار الديانة المسيحية، وهو الوضع الذي استغلته الكنيسة وحاولت الإبقاء عليه وتدعيمه، ومحاولتها السيطرة على أجهزة العدالة بالنظر لكونها صاحبة الاختصاص، باعتبار الجرائم اصطبغت بصبغة دينية، الوضع الذي جعل الكنيسة تنازع الدولة في مسألة الاختصاص القضائي، والتجريم والعقاب، وهنا انقسم قطاع العدالة إلى قسمين، عدالة كنسية يرعاها رجال الدين، وعدالة دنيوية ترعاها الدولة، ونتج عن ذلك صراع طويل ومرير انتهى في نهاية المطاف إلى تغليب دور المحاكم الدنيوية على حساب المحاكم الكنسية، مما زد من تعسف وتحكم أهواء الحكام، وظلت العقوبات تتصف بالقسوة، ابتلى فيها الناس بعدالة لا ترحم، هدفها وهمها الوحيد ردع الشعوب وتخويفهم وبث الرعب فيهم حفاظا على كيان الدولة، ورغم ذلك بقيت الجرائم والعقوبات تتسم بصبغة دينية، وساد اعتقاد في أوروبا أن أي كارثة أو مشكلة تحل بالمجتمع سببها غضب الآلهة عن الجريمة التي أغضبتها، لذا يجب إنزال أشد العقوبات على من يغضب الآلهة، واعتبرت العقوبة في القانون الكنسي تكفير عن ذنوب الجاني وإرضاء للآلهة. ومما زاد الأوضاع تعقيدا، مبالغة القضاة في إرضاء الحكام، وتكريس الطبقية بين الناس وسيادة اللامساواة، ومما أزم الأوضاع أكثر اعتبار الحكام أنفسهم مفوضون في الأرض للحكم باسم الآلهة، فكانت هذه الفترة في أوروبا في الحقيقة من أسوأ الفترات التي عرفتها العدالة الجنائية وقانون العقوبات على الإطلاق، امتدت لنهاية القرون الوسطى، وبالضبط إلى ما قبل الثورة الفرنسية سنة 1789. غير أن الأمر اختلف في الناحية الثانية من العالم بإطلال فجر الشريعة الإسلامية.

الفرع الثاني
أثر الشريعة الإسلامية في تطوير قانون العقوبات

        على عكس الجانب المظلم للعدالة الجنائية وقانون العقوبات السائد في أوروبا في القرون الوسطى، فإن الجهة الأخرى المقابلة كانت تنعم بتطبيق أكثر النظم القانونية الجنائية إحكاما، حيث كانت تطبق الشريعة الإسلامية، التي نرى أنها على عكس التطورات السابقة، اهتمت بالجريمة قبل اهتمامها بالعقوبة، حيث قسمت الجريمة شرعا إلى ثلاثة أقسام مختلفة لكل منها قواعدها وأحكامها، ولكل نوع منها عقوباتها الخاصة، وأصناف الجرائم في الشريعة الإسلامية هي: جرائم الحدود التي حددت على سبيل الحصر في القرآن الكريم، ويعاقب عليها بعقوبة تسمى الحد المقرر كحق لله عز وجل، وهي جرائم قررت لحفظ النفس والنسل والعرض والمال والعقل والدين، لذا قابلتها جرائم:  السرقة، الزنا، القذف، شرب الخمر، الردة، البغي والحرابة. والنوع الثاني من الجرائم، هي جرائم القصاص والدية وهي جرائم قررت حفاظا على مصالح الأفراد، والنوع الثالث، وهو الجرائم التعزيرية التي تعني تأديب على الذنوب التي لم يأتي فيها حد من الحدود، أو القصاص والدية. كما اهتمت الشريعة الإسلامية بفكرة المسؤولية الجنائية وطرق الإثبات وغيرها من الأفكار التي لم تكن معروفة في القانون العقابي في الشق الآخر من العالم.

وما يمكننا قوله عن دور الشريعة الإسلامية، نبرزه باختصار فيما قاله العلامة أحمد عبد الرزاق السنهوري :"  لو وطئت أكنافها وعبدت سبلها لكان لنا في هذا التراث الجليل ما ينفخ روح الاستقلال في فقهنا وفي قضائنا وفي تشريعاتنا، ثم لأشرفنا نطالع العالم بهذا النور الجديد فنضيء به جانبا من جوانب الثقافة العالية في القانون "،  وهي حقيقة لم يقف عندها فقهاء الشريعة الإسلامية فقط وإنما حتى الفقه الأوروبي المقارن، خاصة في المؤتمر الذي عقدته شعبة الحقوق الشرعية من المجتمع الدولي للحقوق المقارنة في كلية الحقوق جامعة باريس في 2 جويلية 1951 بعنوان: " أسبوع الفقه الإسلامي "، حيث تم التأكيد على أن مبادئ الفقه الإسلامي لها قيمة حقوقية تشريعية لا يمارى فيها، كما أن اختلاف المذاهب الفقهية في هذه المجموعة الحقوقية العظمى ينطوي على ثروة من المفاهيم والمعلومات ومن الأصول الحقوقية التي هي مناط الإعجاب، والتي بها يستطيع الفقه الإسلامي أن يستجيب لجميع مطالب الحياة الحديثة والتوفيق بين حاجاتها وفي أثناء مناقشات هذا المؤتمر أبدى نقيب المحامين في باريس آنذاك دهشته بقولــه : " أنا لا أعرف كيف أوفق بين ما كان يحكى لنا عن جمود الفقه الإسلامي وعدم صلاحيته كأساس تشريعي يفي بحاجات المجتمع الحضري المتطور، وبين ما نسمعه الآن في محاضرات ومناقشات، مما يثبت خلاف ذلك تماما ببراهين النصوص والمبادئ"

        هذا، ويمكننا أن ننبه طلبتنا الأعزاء، أن الاهتمام في هذه المراحل كان منصبا بالأساس على فكرة العقوبة والجزاء، وهو أمر تبينه غالبية الدراسات، في حين أننا نرى الأهم أن يتم التركيز على جانب الجريمة وهو ما أهمل تماما، لكن بدراستنا لمختلف التطورات أمكننا أن نستنتج الملاحظات التالية بخصوص تطور نظرية الجريمة، في مقابل تطور نظرية الجزاء السابقة، فالجرائم في المجتمعات البشرية القيديمة، وبالنظر لبساطة طرق عيشها،لم تكن متعددة بالشكل الحالي، حيث أهم ما عرفته المجتمعات البشرية قديما خاصة في مرحلة الأسرة وبداية تشكل العشائر، هو الجرائم الواقعة على الأشخاص وأهمها جريمة القتل، ثم مع القوة التي بدأت تتخذها المكونات القديمة وتقوية طرق عيشها ووسائل تبادلها، بدأت تظهر الجرائم المالية، وبظهور الدين ظهرت الجرائم التي تشكل اعتداء على الديانات، وبظهور الدولة ونظم الحكم المختلفة ظهر ما يعرف اليوم بالجرائم السياسية.      أما من حيث تكوين البنيان القانوني للجريمة، فلم يكن ينظر في المجتمعات القديمة للجانب النفسي للجريمة أو لمرتكبها، وبمعنى قانوني أدق، لم يكن ينظر للركن المعنوي للجريمة، حيث كانت مجرد فعل مادي يسأل من صدر عنه دون اعتداء بإرادته أو قصده، فالجريمة وفق هذه المجتمعات كانت تتكون من ركن واحد هو ركن مادي.  أما بداية بروز الركن المعنوي للجريمة واتخاذه مكانته كركن أساسي في الجريمة، كان مع ظهور القانون الروماني القديم، لكن دوره كان مقتصرا على تحديد المسؤولية وتقدير العقاب لا كركن بالمعنى القانوني الدقيق، بناء عليه يكتمل البنيان القانوني للجريمة. غير أن هذا الركن اتخذ مكانته الطبيعية إلى جانب الركن المادي، بظهور الديانة المسيحية، حيث تعد الجريمة في نظر الفقه الكنسي أن يكون الجاني أراد الخطيئة واتجهت نيته إليها، لكن مع الشريعة الإسلامية تبلور بطريقة واضحة، ومن بعده المسؤولية الجنائية وموانعها وأسباب الإباحــــة.

        أما النقطة الثانية التي من خلالها يمكننا التطرق لتطور قانون العقوبات، هي فكرة مبدأ الشرعية
أو على الأقل مبدأ التجريم والعقاب، حيث أنه في المجتمعات القديمة لم يكن المبدأ معروفا وبالتالي كان التعسف ومبدأ اللامساواة، وكان الأفراد يفاجئون بجرائم لم يكن أمرها مجرما من قبل وتوقع عليهم عقوبات لم ينذروا بها من قبل وعدم المساواة بن الجناة حيث كانت تتحكم في ذلك وضعهم الاجتماعي والطبقي.

المبحث الثاني
قانون العقوبات وظهور المدارس الفقهية

        بالرغم من أن ظهور الدولة لم يأتي بالكثير من الجديد لتطور القانون العقابي، إلا أن الوضع المظلم والحالك الذي عرفته أوروبا في القرون الوسطى، عرف ظهور العديد من التيارات الفكرية الجنائية المنادية للإصلاح، وهي التيارات التي تولدت عنها العديد من المدارس الفقهية الجنائية التي لازال فكرها يدرس لغاية اليوم، وتركت بصماتها الراسخة على قانون العقوبات، بالرغم من أن كل مدرسة من هذه المدارس قامت على أسس فلسفية تختلف تمام على المدارس الأخرى، ورغم هذا الاختلاف، إلا أنها ساهمت في إصلاح تشوه واعوجاج العدالة الجنائية الأوروبية، وأنقذتها من غرقها في الظلمة والفساد الذي كانت تعرفه، وخلصتها من القوانين العرفية والمنشورات الملكية التي كانت تكرس التعسف والتحكم والحكم وفق أهواء الحكام والملوك، وتقنن اللامساواة والطبقية، وكان ذلك نتيجة لإشعال مشاعر الفلاسفة والمفكرين التي حركت أقلامهم لتشعل كتاباتهم بوادر الثورة على الأوضاع، والمناداة بقانون أكثر إنسانية ينبذ عم المساواة والتفرقة وتحكم القضاة واستبداد الحكام، سيما في ظل تشبع المجتمعات الأوروبية آنذاك بفلسفة العقد  الاجتماعي، للفقيه جون جاك روسو التي أوضح مضامينها  في كتابه العقد الاجتماعي، وفلسفة الفقيه مونتسكيو بظهور كتابه روح القوانين سنة 1748 الذي أول ما أكد فيه هو نسبية قانون العقوبات وضرورة اختلافه باختلاف المجتمعات والعصور، كما هاجم بشدة النتائج المترتبة عن الانتقام الجماعي وبصفة خاصة قسوة العقوبات، الأمر الذي شجع على إيجاد مناخ فكري جنائي نادى بقانون عقوبات يراعي روح العصر ورغبة المجتمعات في التغيير والتجديد والإصلاح، وكثرت التيارات الفكرية في أهم الدول الأوروبية، وأهمها إيطاليا وألمانيا وفرنسا وإنجلترا، التي شكلت العديد من المدارس الفقهية، التي ساهمت بصفة مباشرة في بلورة القانون الجنائي كنظام متكامل، وأهم هذه المدارس، المدرسة التقليدية الأولى ( المدرسة الكلاسيكية)، والمدرسة التقليدية الحديثة، والمدرسة الوضعية، والعديد من المدارس الوسطية أو التوفيقية، وأخيرا ظهور مدرسة الدفاع الاجتماعي، وعموما يمكن تلخيص هذه الاتجاهات في المدارس التقليدية، ونقيضتها المدرسة الوضعية، وبينما المدارس التوفيقية، وهو الأمر الذي نعالجه من خلال المطالب الثلاثة التالية.

.
المطلب الأول
المدارس التقليدية

        المدرسة التقليدية من أهم وأولى المدارس الفقهية التي اهتمت بقانون العقوبات وساهمت في تطويره بشكل كبير، خاصة وأنها شهدت العديد من التطورات في حد ذاتها، وهي التطورات التي أسفرت عن ظهور مدرستين تقليديتين، سميت الأولى بالكلاسيكية أو بالتقليدية الأولى أو القديمة، وسميت الثانية بالمدرسة التقليدية الحديثة، وكانت هناك محاولات لإنشاء مدرسة تقليدية ثالثة، غير أن دراستنا ستتركز على المدرستين الأوليتين، في الفرعين التاليين.

الفرع الأول
المدرسة التقليدية الأولى (المدرسة الكلاسيكية)

        نشأت هذه المدرسة في منتصف القرن الثامن عشر[33]، بعد صدور كتاب " الجرائم والعقوبات" للمفكر الإيطالي بيكاريا سنة 1764، الذي ألفه في مجتمع اتسم بقسوة العقوبات والتجريم على الأهواء وانتفاء المساواة في التطبيق تبعا لاختلاف الطبقات، حيث نادى في كتابه بوجوب المساواة والقضاء على الطبقية، والإقلال من قسوة العقوبات، ونادى بمبدأ قانونية الجرائم والعقوبات، وهي الأفكار التي اتبعها في إيطاليا فيلا تيجري، وفي ألمانيا فويرباخ، وفي إنجلترا بنتام، الذي أدخل فكرة المنفعة كأساس لتقدير العقوبة، وأن تكون العقوبة بقدر من الإيذاء والألم للمجرم بقدر يفوق اللذة التي حصل عليها من ارتكاب جريمته، كما ركز على الأثر الرادع للعقوبة، خاصة الردع العام الذي يعد أساس إحجام الناس على ارتكاب الجرائم، وعموما يمكن تلخيص الأسس الفلسفية التي قام عليها فكر المدرسة التقليدية على المبادئ التالية التي كان لها أثر في قانون العقوبات الفرنسي الصادر سنة 1910:
1- إقرار مبدأ قانونية الجرائم والعقوبات، وإبطال سلطة القاضي في خلق الجرائم، والتقليل من سلطته التقديرية في تحديد العقوبات.
2- أساس المسؤولية الجنائية حرية الاختيار، حيث توجه أوامر ونواهي قانون العقوبات للشخص المميز المدرك لتصرفاته.
3- الحد من قسوة العقوبات، ورأى بيكاريا الذي يعد أول من وضع أسس في فلسفة العقاب ووضع نظرية متكاملة تحدد أساس حق الدولة في العقاب، وانتقد قسوة العقوبات التي رأى أنه لا فائدة منها حيث يعمل الجناة على الإفلات منها، بل فكر في أن العقوبة يجب أن تكون بقدر يفوق ما يحصل عليه الجاني من جريمته، حيث إذا فكر في ارتكاب جريمة وازن بين ما يعود عليه من نفع جراء ارتكابه هذه الجريمة، وما ينزل عليه من عقاب، حيث إن وجد الألم الذي ينزل به جراء العقوبة يفوق النفع الذي يحصل عليه من اقتراف الجريمة امتنع عن ارتكابها، بينما جاك روسو وفي كتابه العقد الاجتماعي، فيرى رد العقوبة إلى أدنى الحدود، حيث أن الشخص لما تنازل عن حريته للجماعة، لم يتنازل إلا عن القدر اللازم لحماية هذه الحرية، وتبنى جيريمي بنتام فكرة المنفعة الاجتماعية أيضا، التي نادى بها بيكاريا، حيث رأى أنه لا فائدة من قسوة العقوبات ما لم تكن تنطوي على مصلحة، وبالتالي نادى هؤلاء، بالمساواة بين الناس في العقاب، والتقليل من قسوة العقوبات والأخذ بفكرة حرية الاختيار كأساس للمسؤولية الجنائية.
الفرع الثاني
المدرسة التقليدية الحديثة
        وهي المدرسة التي قامت على أفكار الفيلسوف الألماني إيمانويل كانت، والتي كان لها أثر كبير على الفكر القانوني الجنائي، حيث نادى بفكرة العدالة المطلقة، وأسس العقوبة على اعتبارات إرضاء الشعور بالعدالة، حيث أن الجاني أنزل شرا بالمجتمع، وإرضاء شعور هذا المجتمع بالعدالة يجب أن يقابله إنزال شر بالجاني، حتى ولم لم تتحقق مصلحة للمجتمع في ذلك، وقد صاغ في ذلك مثالا شهيرا، هو أنه المجتمع الذي يهجر فرد أو يعدمه وبالرغم من أنه افتقد لهذا العضو ولم ينل أية فائدة من ذلك، إلا أن تنفيذ العقوبة تنزل رضاء بالعدالة بهذا المجتمع. وقد تأثر بأفكار هذا المفكر، روسيه وأرتولا وموليه في فرنسا، وكيرار وكرمينيان في إيطاليا، وهوس في بلجيكا، وميترماير في ألمانيا، وتكونت من أفكار الجميع المدرسة التقليدية الحديثة، وجمعوا بين فكرة العدالة التي نادى بها كانت، وفكرة المنعة التي نادى بها بنتام، وأسسوا العقوبة على فكرة العدالة التي تحقق منفعة للمجتمع، حيث لا يعاقب الجاني بعقوبة تتجاوز الحدود التي تتطلبها مصلحة المجتمع، كما انتقد رواد هذه المدرسة فكرة المساواة المطلقة التي لا تأخذ بعين الاعتبار شخصية الجاني وظروفه الشخصية، حيث أدخلوا فكرة الظروف المخففة ونادوا تبعا لذلك بالتوسع بعض الشيء في السلطة التقديرية للقاضي حتى يراعي الظروف الشخصية للجاني[34].
المطلب الثاني
المدرسة الوضعية ( أو الإيطالية)
        المدرسة الوضعية نشأت بإيطاليا مع صدور كتاب " الإنسان المجرم" للطبيب الإيطالي لمبروزو سنة 1876، وتبعه القاضي جارو فالو الذي ألف كتابا عن علم الإجرام، وفيري الذي وضع مبادئ نظريته في رسالة تخرجه من كلية الحقوق، بعنوان " آفاق جديدة في قانون العقوبات"، وكونت آراء الثلاثة المدرسة الوضعية، التي تعد أول محطة حولت الأنظار من الاهتمام بالجريمة كفعل ضار وقع في المجتمع، إلى شخص المجرم باعتباره محدث هذا الفعل الضار، ومصدر الخطورة في العودة مستقبلا للإجرام، وإحداث المزيد من الوقائع الضارة الأخرى بالمجتمع، وبالتالي وجوب أن يهدف رد فعل المجتمع هذه الخطورة الإجرامية، وذلك بتطبيق التدابير الاحترازية للقضاء على الخطورة الكامنة لدى المجرم. خاصة وأنها المدرسة التي نفت بداية " حرية الاختيار" عن الجاني، فهو مدفوعا دائما بعوامل داخلية دفعته لارتكاب الجرائم، سواء كانت هذه العوامل الداخلية، ذات أصل وراثي أو جثماني أو اجتماعي، والتي تدفعه جبرا إلى ارتكاب الجرائم، وبالتالي العقوبة سوف لن يكون لها أثرا رادعا ويجب أن يتجرد مضمونها من فكرة الردع، كون الردع يستلزم التسليم بحرية الإرادة[35]، والجاني ليس حرا بل مدفوعا، بمعنى ليس مخيرا بل مسيرا. وأن الخطورة الإجرامية هذه يجب أن تواجه بتدابير احترازية كفيلة بالقضاء عليها، وإصلاح الجاني
أو إقصائه من المجتمع إن تعذر إصلاحه، لذا تمحورت أفكار هذه المدرسة حول المبادئ التالية:
1- ضرورة قيام قانون العقوبات على أسس شخصية، حيث يجب أن يأخذ بعين الاعتبار شخصية الجاني وليس ماديات الجريمة، فالجريمة ليست عبارة عن مظهر مادي خارجي، وإنما انعكاس لخطورة إجرامية كامنة لدى الجاني.
2- إنكار حرية الاختيار، والقول بأن المجرم مسير وليس مخير، فهو مدفوع لارتكاب الجرائم نتيجة خطورته الإجرامية، لذا فمسؤوليته لا تقوم على أساس حرية الاختيار، وإنما على فكرة الخطورة الإجرامية. حيث يرى أنصار هذه المدرسة أنه هناك خطرون وليس مذنبون، والخطر يجب أن يوضع في مكان لا يمكنه من الاعتداء على غيره، لذا يجب تقرير التدابير الاحترازية عوض العقوبات.
3- تصنيف المجرمين تبعا لعوامل الخطورة الإجرامية لديهم، وتقرير تدابير احترازية خاصة بكل طائفة من هذه الطوائف، فالمجرمين يصنفون إلى مجرم بالطبيعة، ومجرم معتاد، ومجرم بالعاطفة، ومجرم بالمصادفة، فالمجرم بالطبيعة والمجرم بالاعتياد مدفوعين إلى ارتكاب الجرائم بعوامل تكوينية، يستحيل شفائها، يتعين اتخاذ تدابير الإبعاد من المجتمع ضدهم، والمجرم المجنون فهو مدفوع إلى الإجرام نتيجة مرض عقلي، يتعين إيداعه إحدى دور الأمراض العقلية، والمجرم بالعاطفة هو المجرم الذي يندفع إلى ارتكاب الجريمة نتيجة عدم توازن في حالته العاطفية، يتعين أن يعوض أضرار الجريمة زيادة على توقيع تدابير احترازية عليه، والمجرم صدفة، وهو الذي دفعته لارتكاب الجريمة عوامل وظروف اجتماعية طارئة، وبالتالي يمكن إصلاحه بتدبير احترازي يعالج الظروف الاجتماعية التي دفعته لارتكاب الجريمة.
4- رد فعل المجتمع يجب أن يكون عبارة عن تدبير احترازي هدفه إما الإصلاح أو الإقصاء من المجتمع، لا على العقوبة الهادفة إلى الردع والقائمة على اعتبارات العدالة.

        وإن كانت أفكار المدرسة الوضعية لم تطبق بالكامل في القوانين والنظم الجنائية، إلا أن بعض أفكارها كانت أساس للعديد من الأفكار القانونية، مثل منح القاضي السلطة التقديرية في تقدير العقوبة الملائمة لشخصية الجاني، وهو ما يسمى مبدأ تفريد العقاب الذي يعد من أهم المبادئ الجنائية المطبقة في كل التشريعات الجزائية الحديثة، وفكرة غرض العقوبة الإصلاحي والعلاجي التي أصبحت محور لسياسات تنفيذ العقوبات في التشريعات الوضعية.

المطلب الثالث
المدارس التوفيـــقية

        أسفر الجدل الذي حصل بين المدرستين التقليدية والوضعية، إلى ظهور مدارس وسطية أو توفيقية، حاولت التوفيق بين آراء المدرستين، متفادية إسراف المدرسة الوضعية في دراسة المجرم على حساب الجريمة، وإنكار حرية اختياره تماما، وإفراغ العقوبة من معاني الردع تماما وتوجهها نوح الإصلاح والعلاج وحتى الإقصاء، وعلى النقيض من ذلك، مغالاة المدرسة التقليدية في الاهتمام بالجريمة دون المجرم، أي الاهتمام بالفعل دون الفاعل، وحرية إرادته، وإفراغ العقوبة من كل معاني الإصلاح والعلاج والتهذيب، وتوجهها فقط نحو تحقيق العدالة والمساواة والمنفعة الاجتماعية.

        وكانت من أهم المدارس التوفيقية، المدرسة الثالثة التي أنشأها في إيطاليا كارنفالي وأليمينا، والاتحاد الدولي لقانون العقوبات الذي أسسه فان هامل برنس وفون ليست، ونقطة الاشتراك بين هذه المدارس، هي الاعتراف بحرية الإرادة لدى الجاني وإقامة المسؤولية الجنائية على أفكار التمييز والإدراك، وأن أهداف العقوبة متعددة، فهي تهدف إلى تحقيق الردع، كما تسعى إلى إصلاح الجاني وتهذيبه وعلاجه أيضا، لذا يمكن إقرار التدابير الاحترازية إلى جانب العقوبات التقليدية، وبذلك أصبحت الغلبة لأفكار المدارس التوفيقية في التشريعات العقابية الحديثة[36]، بما فيها المشرع الجزائري، الذي أسس المسؤولية الجنائية على حرية الإرادة والتمييز والإدراك، حيث لا تقوم هذه المسؤولية في حالة صغر السن والجنون والإكراه ( المواد من 47 إلى 51 من تقنين العقوبات الجزائري)، ولإقراره للتدابير الأمنية إلى جانب العقوبات ( المواد 19-22 من تقنين العقوبات الجزائري). ومن بين أعهم المدارس التوفيقية، نجد مدرسة الدفاع الاجتماعي، ومدرسة الاتحاد الدولي لقانون العقوبات، الذين سنتناولهما من خلال الفرعين التاليين.

الفرع الأول
مدرسة الدفاع الاجتماعي
الاهتمام بالشخص الجاني عوض الجريمة

        وهي المدرسة التي تأسست على يد الفقيه الإيطالي جراماتيكا بعد الحرب العالمية الثانية، حيث أنشا مركزا للدراسات التي تتمحور حول فكرة أو نظرية " الدفاع الاجتماعي"، وأسس مجلة سميت ب " مجلة مؤتمرات الدفاع الاجتماعي" في إيطاليا سنة 1947، وفي بلجيكا سنة 1949، و1954، ونشرت سنة 1955 برنامجا تضمن الحد الأدنى لسياستها. وهي المدرسة التي تقوم أساسا حول الأفكار التالية:
1- يجب أن يكون هدف قانون العقوبات، حماية المجتمع من مخاطر السلوكات المجرمة، ولا أن تكون وظيفته مجرد القصاص من الجاني وتخويفه وترهيبه بالعقوبات، لذا يجب أن يتم إقرار وسائل أخرى إلى جانب العقوبات التقليدية، وهي تدابير الدفاع الاجتماعي، لتصبح العقوبة تدبيرا للدفاع الاجتماعي، وقانون العقوبات قانونا للدفاع الاجتماعي. وهي بذلك تدافع عن أفراد المجتمع كافة، بما فيهم الجناة ذاتهم، ولا تهتم كثيرا بالبحث في الأساس الفلسفي لمسؤولية الجاني.
2- تتقرر تدابير الدفاع الاجتماعي بدراسة علمية دقيقة تكشف أسباب انحراف الجاني لاختيار التدبير الملائم للتطبيق عليه.
3- إيلاء أهمية كبيرة لمتابعة الجاني ومساعدته بعد إخضاعه لتدابير الدفاع الاجتماعي، وذلك بتقديم الرعاية والمساعدة له للتغلب على الأسباب التي أدت به إلى الانحراف، وبذلك يمكن إعادة الإدماج الاجتماعي للمجرمين كأعضاء صالحين فيه.
4- كما يمكن تطبيق تدابير الدفاع الاجتماعي حتى قبل إقدام الشخص على ارتكاب الجريمة، وذلك من خلال الكشف المبكر عن الأشخاص الذين تتوفر لديهم نفسيا واجتماعيا عناصر يترجح معها ارتكابهم جرائم في المستقبل. بل الأكثر من ذلك، نادى جراماتيكا بالعديد من الوسائل التي يجب أن تبنى عليها السياسة الجنائية، لدرجة أنه انتقدت من زميله مارك آنسل الذي ظل فترة طويلة سكرتيرا عاما للحركة، واعتبر آراء جراماتيكا آراء شخصية متطرفة خاصة وأن الأول نادى بإلغاء قانون العقوبات.

الفرع الثاني
مدرسة الاتحاد الدولي لقانون العقوبات

        وهو الاتحاد الذي تأسس سنة 1880 من قبل مجموعة من الفقهاء أهمهم: أدولف برنز، فون ليست، فان هامل، وأخذوا بأهم الأفكار التوفيقية بين المدارس السابقة، وتركزت فلسفته على دعامتين أساسيتين، هي أن مهمة قانون العقوبات الكفاح ضد الجريمة باعتبارها ظاهرة اجتماعية، وأن يراعي القانون الجنائي النتائج التي تسفر عنها الدراسات الأنثروبولوجية والاجتماعية، وهو ما يدل على الاتجاه العلمي للاتحاد الدولي ورفضهم التام لفكرة التسليم بالحتمية، وطالب هؤلاء الفقهاء رجال القانون بضرورة ألا يغرقوا في الأفكار الفلسفية، بل وجوب التفكير في الشعور الداخلي للفرد بحريته، وهي الأفكار التي أثرت في بعض التشريعات أهمها قانون الدفاع الاجتماعي البلجيكي الصادر سنة 1930، الخاص بالمجرمين الشواذ والعائدين، كما ظهرت حركات فقهية حديثة نتيجة أفكار هذا الاتحاد، أهمها الحركة التي ظهرت في إسبانيا باسم علم الإجرام الحديث.

المبحث الثالث
تطور قانون العقوبات الجزائري

        الجزائر من بين الدول التي عرفت تطورات كبيرة على مستوى قانون العقوبات، خاصة وأنها من الدول الإسلامية التي طبقت أحكام الشريعة الإسلامية في مرحلة معينة من تاريخها، كما عرفت بعض التطورات في الفكر الجنائي نتيجة استعمارها من قبل الاحتلال الفرنسي ولفترة طويلة من الزمن، لتكون أهم المراحل المميزة لتطور قانون العقوبات في الجزائر، ثلاث مراحل، مرحلة تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، مرحلة تطبيق القانون الفرنسي، ومرحلة الاستقلال التي شهدت تطبيق قانون عقوبات وطني، وهو ما نتناوله  في المطلب الثلاثة التالية.
المطلب الأول
مرحلة تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية

        عرفت الجزائر تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في الفترة التي أعقبت الفتوحات الإسلامية لشمال إفريقيا، حيث طبقت الشريعة على كل المجالات بما فيها المجال الجزائي، بما فيها شقي التجريم والعقاب، حيث عرفت تقسيم الجرائم وفقا للتقسيم الشرعي لهان جرائم الحدود، جرائم القصاص، والجرائم التعزيرية، وهو ما نبينه في الفروع الثلاثة التالية.
الفرع الأول
جرائــــم الحدود
        جرائم الحدود جرائم محدودو ومبينة على سبيل الحصر بالكتاب ( القرآن الكريم)، والتي يعاقب عليها بعقوبة تسمى " الحد" الذي يعني لغة المنع، أي منع الجاني من معاودة ارتكاب الجريمة، والحد عقوبة قررها الخالق نتيجة الجريمة التي تشكل اعتداء على حق لله عز وجل، سيما وأنه بالاطلاع على هذا النوع من الحدود يبين أنها تهدف لحفظ النفس والنسل والعرض والمال والعقل وحفظ الدين. والأصل أن الحد مقرر كقاعدة بموجب نص قرآني، واستثناء بموجب السنة النبوية الشريفة مثلما هو الشأن بالنسبة لجريمة شرب الخمر، وجريمة الردة، حيث تكفل النص القرآني بتبيان شق التجريم، بينما تكفلت السنة بتبيان الحد المقرر لها كعقوبة. وعقوبة الحد لا تقبل العفو أو التنازل عنها كونها حق مقرر لله عز وجل، وهي مقررة لجرائم تامة لا لمجرد الشروع فيها أو المحاولة، فإن توقفت عند حد الشروع اعتبرت معصية توجب عقوبة تعزيرية لا تطبيق الحد، وما يميز هذا النوع من العقوبات أنها ذات حد واحد لا حدين، كما هو الحال في التشريعات الوضعية الحديثة، وبالتالي فلا سلطة تقديرية للولي في تطبيقها، وباختصار جرائم الحدود سبعة، هي: حد الزنا[37]، حد السرقة[38]، حد القذف[39]، حد البغي[40]، حد الحرابة[41]، حد الردة[42]، حد شرب الخمر[43]، وبالتالي الحدود في الشريعة الإسلامية هي الجلد والقتل والقطع. الجلد في مائة جلدة في الزنا، وثمانون في القذف، وبين الأربعين والثمانين في شرب الخمر، والقطع في السرقة، والقطع على خلاف والصلب في الحرابة، والقتل في الردة.
الفرع الثاني
جرائم القصاص والدية
        وهي جرائم تقع على نفس الإنسان أو ذاته، وبالتالي هي اعتداءات واقعة على الأفراد ويجوز التنازل أو العفو عنها من المجني عليه أو من ذويه عكس جرائم الحدود التي لا يقبل فيها العفو والتنازل، غير أن العفو عنها لا يمنع ولي الأمر العقاب عليها بعقوبة تعزيرية إذا رأى أنه من شأنها تؤدي إلى إفساد في الأرض[44]، وجرائم القصاص والدية هي : القتل العمد، الجناية شبه العمد، القتل الخطأ، الجناية على ما دون النفس عمدا، الجناية على ما دون النفس خطأ، وعقوبتها القصاص أي عقاب الجانب بنفس فعلته، والدية هي دفع مقابل مالي يمثل بدل النفس أو العضو يدفع من الجاني أو ذويه عوضا عن دمه أو عضوه ( طرفه) وتختلف الدية بختلاف المجني عليه قدرا وجنسا كما هناك ما يشبه اليوم العقوبات التبعية وهي الكفارة والحرمان من الوصية أو الميراث، وعموما يمكن القول أن القصاص عقوبة مقررة للجرائم العمدية أما الدية فهي عقوبة مقررة جرائم الخطأ.
الفرع الثالث
الجرائم التـــعزيرية
        التعزير هو تأديب عن ذنوب لم يشرع فيها حد من الحدود، ولا هي من جرائم القصاص والدية، ولم يرد بخصوصها نص لا في القرآن ولا في السنة يقررها كجريمة قائمة أصلا، غير أنه هناك نصوص في القرآن تبين بعض أنواع الجرائم التعزيرية، مثل الرشوة وخيانة الأمانة والسب والربا ودخول البيوت والمساكن....ولكن بصيغة النهي عن مثل هذه الأفعال كونها إفساد في الأرض أو من شانها ن تؤدي إليه، وهي جرائم عكس النوعين السابقين واردة على سبيل المثال لا الحصر، حتى يمكن ترك أمر التجريم عن التعازير لولي الأمر وفق تطورات الحياة الاجتماعية وما يراه مناسبا لأمنها ونظامها وسكينتها، ووفقا لاختلاف الأزمنة والأمكنة والمصالح، لكن بالخضوع للمبادئ والأحكام العامة للشريعة الإسلامية وعدم الخروج عنها.  وطبقت ألأحكام السابقة في الجزائر منذ الفتوحات الإسلامية للبلاد لغاية دخول المحتل سنة 1830 حيث ساد تطبيق قانون عقوبات المستعمر، وبطريقة تختلف حتى عن القانون المطبق في فرنسا، وهو ما نبنه باختصار في المطلب الثاني.

المطلب الثاني
مرحلة تطبيق القانون الفرنسي

        بدخول الاستعمار الفرنسي للبلاد واحتلالها سنة 1830، شرع في تطبيق تشريعاته ومنها قانون العقوبات الفرنسي، وتكرس ذلك فعليا مع صدور أمر سنة 1841 يقضي بتطبيق قانون العقبات الفرنسي على المسائل الجزائي في الجزائر، غير أن هذا التطبيق لم يكن بالطريقة التي يطبق بها في فرنسا، حيث عمد المحتل على إحداث أحكام تمييزية وبعض الجرائم الخاصة الذي لا يعرفها القانون الفرنسي نفسه، وهي جرائم جاءت بصيغة عامة وهادفة لمحاربة حركات التحرر ومعاداة الاستعمار وعنونت ب:" الأفعال المعادية للوجود الفرنسي في الجزائر" ، وعرف تطبيق فكرة المسؤولية الجماعية المنافية لقواعد قانون العقوبات، حيث كانت تعاقب العروش بأكملها بغرامات جماعية عن كل فعل يمس بالاحتلال أو يعارض وجوده.

        ثم تراجع المستعمر عن هذا التمييز سنة 1944 وألغى القوانين التميزية والاستثنائية وأخضع الجزائريين ( الأهالي) لقانون العقوبات وقانون الإجراءات الجزائية الفرنسيين، غير أنه مع اندلاع الحرب التحريرية، تراجع عن ذلك وظهرت من جديد القوانين الاستثنائية والقواعد التمييزية والعنصرية، وعرفت الجزائر عقوبات الاعتقال الإداري والمراقبة البوليسية والعقوبات الجماعية وإقامة المحاكم الاستثنائية وتوسيع اختصاص المحاكم العسكرية بشكل ليس معمولا به في قانون الإجراءات الجزائية الفرنسي.

المطلب الثالث
مرحـــلة الاستقلال

        باستقلال الجزائر سنة 1962 عملت الجزائر على سن تشريعات مستقلة، غير أن المسألة استغرقت وقتا بالنظر للوضع الخاص الذي تمر به الدول المستقلة حديثا، حث لم يصدر قانون العقوبات الجزائري إلا سنة 1966[45]، لذا استمر العمل بالقانون الفرنسي ما عدا ما تعارض منه مع السيادة الوطنية، بموجب القانون 62-157 المؤرخ في 31-12-1962 ( المادة الأولى منه)،  في الفترة الممتدة من 05-07-1962 لغاية 15 يونيو 1966 تاريخ دخول تقنين العقوبات الجزائري حيز التنفيذ. لكن دون أن يمنعه ذلك من إصدار بعض التشريعات التي واجه بها بعض الأوضاع الخاصة، كإصداره المرسوم 63-85 المؤرخ في 16-03-193 المتضمن قمع الجرائم المرتكبة ضد التشريع المتعلق باقتناء وحيازة وصنع الأسلحة والذخائر والمتفجرات، والكثير من المراسيم الأخرى التي هدف منها المشرع الحفاظ على الأمن في هذه الفترة الحساسة من تاريخ البلاد[46]. ومع سنة 1966 أصدرت الجزائر قانون العقوبات وقانون الإجراءات الجزائية[47]، وإن كان المشرع قد استمد غالبية أحكامهما من القانون الفرنسي، مع تضمينه خصوصيات المجتمع الجزائري ومراعاة اعتبارات إتباع الدين الإسلامي في البلاد، وحتى في بعض القواعد الموضوعية الأخرى مثل مسؤولية الشخص المعوي وقواعد الاشتراك والشروع في الجريمة.... وقد عدل قانون العقوبات الجزائري منذ صدوره لغاية سنة 2006 سبعة عشر (17) مرة[48]. وما زلنا نسمع بأنه في طور المراجعة لغاية اليوم. هذا وبعد تناولنا في الباب التمهيدي السابق تحديد أهم معالم قانون العقوبات، سنشرع في دراسة الباب الأول من هذه الدراسة،والمتعلق بالنظرية العامة للجريمة باعتبارها تمثل شق التكليف في القاعدة الجزائية، على أن نتبعه بباب ثاني نخصصه لنظرية المسؤولية الجنائية. تاركين موضوع النظرية العامة للجزاء الجنائي ليكون موضوع لمطبوعة أخرى مستقلة، شأنه شأن مطبوعة قانون الإجراءات الجزائية.



[1] - حيث يمكننا القول بأن نهي الله عز وجل لآدم وزوجه عن التقرب للشجرة بمثابة سلوك مجرم، وأن عدم الالتزام من قبليهما بهذا النهي ارتكاب لهذه الجريمة، وإنزالهما للأرض عقوبة لهذا الفعل، وأن قتل قابيل لأخيه هابيل جريمة، وعقابه كان أنه لم يدر كيف يواري سوءة أخيه، ونشير بأن هذا وجه للتشبيه فقط مع الوضع الحالي لقانون العقوبات، بعيدا عن الأبعاد
                                                      الدينية لهذه الوقائع.
[2] - المراد قوله، أن الجريمة فعل وأن مقترفها شخص فاعل، وهناك خلاف فقهي بخصوص أي من العنصرين السابقين له الأولوية على الآخر، فهل يجب التركيز على الفعل، أم على الفاعل، وهنا ظهرت نظريتين أساسيتين، النظرية الشخصية المركزة على الشخص الفاعل، والنظرية الموضوعية المركزة على الفعل ( الجريمة)، ولكل منهما بصماته في كل فكرة        من أفكار القانون الجنائي، الذي أصبح يتأرجح بين الشخصية والموضوعية، وأحيانا يرجح الجانب الموضوعي وفي أحيان
                                           أخرى يركز على الجانب الشخصي.
[3] - وهي التسمية المفضلة من قبل الفقه والتشريع الجزائري، سيما في شق القواعد الموضوعية، غير أنها ليست بالتسمية
                          المعتمدة في لشق الإجرائي، المسمى قانون الإجراءات الجزائية.
وأطلق على هذا الفرع من فروع القانون تسميات متعددة، نذكر منها قانون العقوبات droit pénal  والقانون الجنائي droit criminel والقانون الجزائي droit sanctionnaire، وكل من هذه التسميات قد ترتكز على أحد التقسيمات المهمة لقانون العقوبات، أو على أحد الآثار المترتبة عليه وأهمها الجزاء أو العقوبة، وبالتالي كل تسمية قاصرة على الإحاطة بكل محتويات هذا الفرع من فروع القانون، فضلا على أنها تسميات تهمل تماما فكرة الجريمة، وإن لم تهملها مثل تسمية القانون الجنائي
            المستمدة من فكرة " الجناية " فإنها تهمل نوعين آخرين من أنواع الجرائم وهي الجنح والمخالفات
[4] - كما عرف بأنه :" مجموعة من القواعد القانونية تحدد صور السلوك التي تعد جرائم وتبين العقوبات أو التدابير الاحترازية
                                      أو الوقائية المقررة إزاءها".
[5] -وهو تعريف ركز على أن دور قانون العقوبات يضع حلولا للظاهرة الإجرامية، غير أنه وإن كان وسيلة لمكافحة الجريمة غير أنه لم يضع حلولا لها، كون المسألة في العادة من صميم اهتمامات علم الإجرام وعلم العقاب، بينما قانون العقوبات يجازي الخروج عن أوامره ونواهيه، التي حتى وإن كانت تهدف إلى ردع الناس عن ارتكاب الجرائم، غير أنه لا يضع حل للظاهرة
          الإجرامية. خاصة وأن أصحاب التعريف ذاتهم، وفي شرحهم لهذا التعريف، يركزون على شق التجريم والعقاب.
[6] - قانون رقم 05-04 مؤرخ في 06 فبراير سنة 2005، يتضمن قانون تنظيم السجون وإعادة الإدماج الاجتماعي للمحبوسين، الذي ألغى الأمر رقم 72-02 المؤرخ في 10 فبراير سنة 1972 والمتضمن قانون تنظيم السجون وإعادة تربية
                                                       المساجين.
[7] - ويمكننا القول، بان قانون العقوبات من الظواهر القانونية اللصيقة بالمجتمعات البشرية المنظمة، ومن مظاهر التعبير عن إرادتها الجماعية المعبرة عن قيمها، باعتباره يرمي لحماية المصلحة العامة وإقرار النظام في المجتمع، من جهة ومن جهة ثانية، صون حريات الأفراد ومصالحهم الخاصة، وهو من بين أقدر فروع القانون على معالجة كل النواحي الأساسية اللازمة للسير الحسن للحياة في أي مجتمع أيا كانت طبيعته ونظام حكمه، باعتبار باقي القوانين الأخرى تنظم جانب من جوانب الحياة الاجتماعية دون غيرها، خاصة وأنه القانون الذي عن طريقه يفرض المشرع إرادته بخصوص تحديد أنواع السلوك التي يرى تجريمها وعن طريقه يحدد الجزاءات المترتبة عن مخالفة هذه الإرادة، وعلى ذلك نجد قواعد قانون العقوبات كقاعدة عامة، تنطوي على شقين أو عنصرين، أحدهما يحدد النص التجريمي، ليتولى الثاني تعيين الجزاء المترتب عن مخالفة الشق الأول، غير أنه كاستثناء لا يشترط ذلك، فقد تتجزأ القاعدة الجنائية بين أكثر من فرع قانوني واحد، فيما يعرف بالقواعد الجنائية المجزئة أو الموزعة، بموجبها يكتفي المشرع بتحديد شق الجزاء في النص الجزائي ويحيل في شق التكليف
 أو التجريم إلى قانون آخر. ويرى بعض الفقه في شق الجزاء بأنه عبارة عن مجرد قاعدة ثانوية في القاعدة الجنائية،  كون شق العقاب لا يطبق على الأشخاص إلا في حال تم خرق الشق الأول المتعلق بالتجريم وتطبيقه بذلك مشروط بمخالفة الشق الأول الذي يغلب عليه طابع النهي مقارنة مع طابع التكليف بالرغم من أن القوانين القديمة كانت تغلب عليها صفة الأمر " لا تقتلوا" أو " لا تسرقوا "  بينما التشريعات الحديثة أصبحت تميل لاستعمال الصيغ العامة المعبرة عن تحديد الفعل سواء كان سلبا أو إيجابا محددا النموذج المكون للجرم والمحدد لأركانه وعناصره، في حين يرى بعض الفقه بأن قانون العقوبات قانون عقابي، فهو في نظرهم لا يجرم بل يعاقب فقط، مما يجعله من طبيعة جزائية بحتة. والحقيقة أن الشقين مرتبطين، بحيث لا جزاء دون ارتكاب جريمة، فالتجريم يستفاد بالضرورة من النص على العقاب حتى وإن لم يكن مستفاد بصفة صريحة بل ضمنيا المشرع لا يتدخل للعقاب ما لم يكن هناك ارتكاب لجرم، الأمر الذي دفع بالبعض إلى القول بأن عنصر التجريم عنصرا مفترضا في القاعدة التي تنص على العقوبة، غير أن الحقيقة أن الشقين يرتبطان ارتباطا منطقيا وزمنيا، ذلك أن التجريم يستتبع بالضرورة الجزاء والعلاقة الزمنية أساسها أن الجزاء يتبع زمنيا الانتهاك الفعلي لعنصر التجريم كون شق العقاب لا يطبق عمليا ما لم يسبقه عنصر التجريم غير أننا نرى بأنه بالرغم من ارتكاب عنصر التجريم إلا أن شق العقاب قد لا يلقى التطبيق كحالات توافر سبب من أسباب الإباحة أو مانع من موانع العقاب أو مانع من وانع المسؤولية.
   ويمكن تعريف قانون العقوبات، بأنه مجموعة من القواعد القانونية التي تضعها الدولة بواسطة السلطة التشريعية
 أو من تفوضه هذه السلطة في وضعها، لتحدد بها ما يعتبر من سلوك الإنسان جريمة وتعين فيها ما يترتب عن هذا السلوك من
                                                           آثار جنائية.
[8] - وإن كنا سوف نرى لاحقا، أن الجريمة لا تعتبر بالضرورة فعلا إيجابيا أو نشاطا، وإنما يمكن أن تقوم بموجب سلوك سلبي أو امتناع عن أمر أمر به القانون، وتسمى الجريمة التي تقوم على أفعال بالجرائم الإيجابية، ويسمى النوع الثاني القائم على
                     الامتناع بجرائكم الامتناع أو الجرائم السلبية. هو ما سيكون موضوع تفصيل مستقل.
[9] - الذي يعرف بأنه :" مجموعة القواعد القانونية التي تنظم الاختصاص بين الهيئات القضائية، من رفع الدعوى العمومية إلى صدور الأحكام النهائية..."، والتي يرى البعض أنها وحدها كفيلة للردع بالنظر لما تنطوي عليه من وقت ومشقة وتعقيد، تجعل الأفراد يحجمون عن ارتكاب الجرائم، كونها تشكل ثقلا نفسيا على المتهمين، ومن جهة ثانية، تتكفل بحماية حقوق وحريات
                                             هــــؤلاء.
وما يمكننا التنبيه إليه، باعتبار المسألة تشكل فكرة جوهرية في نظرنا، أنه من بين أكثر القوانين تأثرا بسياسة الدولة ونظام حكمها، نجد القانون الجنائي – وإن كان غالبية الفقه يحاول دوما القول بأنه إن دخلت السياسة من الباب فيجب أن= =يخرج القانون من النافذة- بالنظر لمساس قواعده بسلوك الإنسان عامة، وبحرياته بصفة خاصة، مما يجعل بالضرورة السياسة الجنائية المتعلقة بالتجريم والعقاب تتأثر بطريقة أو بأخرى بالنظام السياسي السائد في الدولة، خاصة فيما بين نظم الحكم الديمقراطية= =ونظم الحكم الاستبدادية – وفي مقابلها: نظم الحم الليبرالية ونظم الحكم الاشتراكية- وهو ما برهن عليه في الكثير من الأحيان، الساسة والمثقفين والفلاسفة، واعتبروا القانون الجنائي من بين كل فروع القانون الأخرى، تجسيدا للإيديولوجية السياسية السائدة في الدولة، وهو مركز النقاش الفقهي القانوني دوما، وحتى القضائي، خاصة في ظل حقيقة التبادل المعرفي بين الفقه والقضاء منذ القدم وعلى طول مراحل التاريخ. وهنا نجد الفقه يسمي قانون العقوبات، بقانون اللصوص، حيث يرى المشرع دوما أنه يخاطب خارجي الطريق القويم ومصادر الخطر في المجتمع، وعناصر الإشكال لنظم الحكم، وفي مقابل ذلك، نجد قانون الإجراءات الجزائية، يسمى  بقانون الحريات العامة، أو قانون الشرفاء،  باعتباره المظهر الذي تتجسد من خلاله الحماية الدستورية لحقوق وحريات الأفراد والجماعات، وتطبيقا للمبادئ الدستورية المنظمة لمختلف مراحل الدعوى العمومية ووصولها لهدفها النهائي المتمثل في ممارسة الدولة لحقها في العقاب، وحق الفرد في الدفاع عن نفسه.
[10] - في تقنين العقوبات الجزائري، القسم العام تنظمه المواد من 1 إلى 60 مكرر1، والمشكلة للجزء الأول من قانون العقوبات، المعنون ب:" المبادئ العامة"، الذي تضمن الأحكام التمهيدية ضمن ثلاث مواد متعلقة بمبدأ الشرعية الجنائية ( المادة 1) ونطاق سريان القانون الجنائي من حيث الزمان والمكان ( المادتان 2و3)، ثم كتاب أول خصص للعقوبات وتدابير الأمن في المواد من 4 إلى 18، ثم باب أول مكرر جديد يتعلق بالعقوبات المطبقة على الأشخاص المعنوية في المواد من 18 مكرر إلى 18 مكرر 3، ثم الباب الثاني المخصص لتدابير الأمن في المواد من 19 إلى 22، والكتاب الثاني خصص الأفعال والأشخاص الخاضعون للعقوبة، والذي قسم على بابين، خصص الأول للجريمة من المادة 27 40، والثاني خصص لمرتكبي الجريمة في المواد من 41 حتى 60 مكرر1 .
[11] - وهو القسم المشكل لباقي مواد تقنين العقوبات، من المادة 61 حتى 467 مكرر1. وهو القسم الذي في العادة ما يكون عرضة للتعديل،حيث شهد سبعة عشر تعديل منذ صدور تقنين العقوبات الجزائري سنة 1966، من بينها ستة تعديلا فقط مست القسم العام، لذا ففي العادة ما يتميز القسم العام لقانون العقوبات بالثبات والاستقرار مقارنة بالقسم الخاص منه، وحتى مقارنة
                                                   بقانون الإجراءات الجزائية.
[12] - الصادر بموجب الأمر رقم 66-155 المؤرخ في 08 يونيو 1966 المتضمن قانون الإجراءات الجزائية المعدل والمتمم.
         ويطلق بعض الفقه على كل من قانون العقوبات وقانون الإجراءات الجنائية مصطلح القانون الجنائي، وفي حقيقة الأمر القانونان متكاملان، وأن وجود أي منهما شرط لتطبيق الآخر، بل ولا سبيل لتطبيق قانون العقوبات إلا من خلال قانون الإجراءات الجنائية، فقانون العقوبات يحدد الجرائم والعقوبات، وقانون الإجراءات الجنائية هو الذي يبين وسائل التحقق من وقوع الجريمة ومحاكمة مرتكبيها وتوقيع العقوبات عليهم، فقانون العقوبات يصبح مشلولا في غياب قانون الإجراءات الجنائية، وهذا الأخير يفتقر في وجوده لقانون العقوبات. ونجد في العادة الفقه يطلق اسم القواعد الموضوعية على قواعد قانون العقوبات في مقابل قواعد قانون الإجراءات الشكلية أو الإجرائية، غير أن موضوع القاعدة لا يبين دوما طبيعتها، فقانون الإجراءات يحتوي على بعض القواعد الموضوعية، والعكس صحيح، لذا فطبيعة القاعدة القانونية تتحدد بوظيفتها فإن كانت تتعلق بالتجريم والعقاب، فهي قواعد موضوعية، وإن كانت تتعلق بالإجراءات فهي قواعد إجرائية. وهناك مبدأ يقضي أنه :" لا جزاء بغير دعوى" وبالتالي تظهر العلاقة بين القانونين إلى الحد الذي يمكن من القول أنه كل منهما يكمل الآخر، ويستحيل وجوده بدونه،
                                 غير أن قانون الإجراءات هو المحرك لقانون العقوبات.

[13] - السياسة الجنائية فرع من فروع العلوم القانونية الحديثة، وهو العلم الذي يعبر عما هو كائن وما يجب أن تكون عليه سياسة التشريع في أي دولة، والسياسة الجنائية هي المرآة الصادقة للأوضاع السائدة في أي مجتمع عبر مراحله المختلفة، وقد عرفت بأنها:" مجموع الوسائل التي من شأنها – إذا استخدمت على نحو معين- تنظيم مكافحة الظاهرة الإجرامية في المجتمع." ، كما عرفت بأنها :" العلم الذي يهتم بتحديد الأفعال التي تقضي المصلحة الاجتماعية العقاب عليها، أو تخرجها من
  دائرة العقاب."، ولكل سياسة جنائية محاور أربعة: تشريع، تجريم، عقاب، والتنفيذ العقابي.
كما يقصد بعلم السياسة الجنائية، العلم الذي يبحث في أفضل الأساليب العلمية والعملية التي تنتهجها الدولة لمكافحة ظاهرة الجريمة، وقانون العقوبات بذلك يعد أداة من أدوات هذه السياسة، فهو الذي يجرم الأفعال على ضوء نظرة الدولة للجريمة وعلى ضوء المصالح الاجتماعية الجديرة
                         بالحماية، كما يحقق أهداف السياسة الجنائية من الناحية العقابية
[14] - حيث هناك العديد من الدراسات والنظريات والمدارس، التي اهتمت بتفسير السلوكات الإجرامية، وأثر مختلف العوامل فيها، سواء كانت عوامل داخلية، مثل العوامل الوراثية والعنصر والجنس والسن ومستوى الذكاء، أو كانت عوامل خارجية، من بيئة ومجتمع، وثقافة واقتصاد.
         كما عرف علم الإجرام، بأنه : العلم الذي يدرس الجريمة باعتبارها ظاهرة اجتماعية، ومعرفة العوامل المؤدية إليها، سواء كانت عوامل فردية ترجع إلى الجاني، أو عوامل اجتماعية ترجع إلى المجتمع والبيئة، لذا فعلم الإجرام لا يدرس الجريمة باعتبارها ظاهرة قانونية، بل ظاهرة إجرامية لها مكوناتها وأسبابها، والمجرم أساس المشكلة الإجرامية، يقتضي دراسة خلقه الإجرامي الكامن فيه، لذا فهو يستعين بالعديد من الفروع التي تتكامل ويتشكل منها، أهمها علم البيولوجيا الجنائية، علم النفس
                                           الجنائي، علم الاجتماع الجنائي...
[15] - خاصة وان البعض يرى أنه هناك نوع من سوء التفاهم بين رجال القانون الجنائي وعلماء الإجرام، كون كل فريق يود أن تكون معاييره هي الأصلح، فعلماء الإجرام يحلمون أن تسود العدالة الجنائية دون قانون ولا قاض، ويرون أن الحكم هو العالم القادر وحده على تشخيص المجرم وعلاجه، وحاولوا وضع إمبريالية علمية أقلقت نوعا ما رجال القانون، باسم  المحافظة على الحريات العامة والكرامة الإنسانية، وحاولوا حفظ حق " إعادة النظر" على عمل علماء الإجرام، ومنعهم من التدخل في الشؤون الجنائية، غير أن كلا الاتجاهين متطرفين، حيث يجب على رجل القانون الاستعانة بأعمال عالم الإجرام العلمية وترجمتها بقواعد قانونية، بناء على ما قدمه رجل القانون لعالم الإجرام من معطيات ومادة أولية بشرية، وبالتالي
                                           فالعلاقة بينهم علاقة تعاون متبادل.
 وعلم الإجرام، أو علم الجريمة، هو علم متعدد النظم العلمية أو متعدد المصادر والأبعاد العلمية، فهو يستمد موضوعاته من الكثير من العلوم الأخرى، كعلم النفس والطب وعلم الاجتماع، والأنثروبولوجيا، ويدرس علم الإجرام الجريمة دراسة علمية تجريبية وكل الموضوعات المتصلة بها، حيث يجمع المعلومات والمعطيات لفهم الجريمة وتحليلها، ويستهدف تكوين معرفة ثابتة وموثوق بها وصادقة حول الجريمة باعتبارها معرفة مستمدة من التجارب العلمية. لذا فهو يتصل بوضع القانون الجنائي
                                                         اتصالا وثيقا.
[16] - يرى البعض أن الطب الشرعي والبوليس الفني، علمان يساعدان كثيرا على كشف الجناة ونسبة الجرائم إليهم، كونهما علمان يستعينان بالأساليب العلمية في الكشف، من بصمات وتشريح للجثث والتصوير وتحليل المواد المختلفة، وهما العلمان اللذان حققا تقدما كبيرا بالنظر لاستعانتهما واستفادتهما من التطورات العلمية الحديثة والتكنولوجيا الحديثة، التي كان لها الفضل
                  الكبير في كشف بعض أنواع الجرائم التي كان يستحيل الكشف عنها من قبل لولا تقدم هذه العلوم.
[17] - وإن تركز هذا العلم في البداية على دراسة بصمات الأصابع، فهو اليوم يعرف العديد من أنواع البصمات الأخرى، حيث كشف العلم عن البصمة الوراثية، والبصمة الصوتية، وقزحية العين وما إلى غير ذلك من البصمات الإلكترونية والرقمية التي
         سهلت كثيرا في الكشف عن الجرائم بمختلف أنواعها، وطرق ارتكابها، وأيا كان مستوى نرتكبها ووسيلته في ذلك.
[18] - في حقيقة الأمر كل المصالح الجوهرية والأساسية للأفراد والمجتمع تأخذ هذه المكانة باعتراف الدستور بها، لذا فالحق في الحياة والسلامة الجسدية والحفاظ على الحياة الخاصة وأسرارها، والحق في الملكية والسكن والعمل... وإن كانت كلها حقوق معترف بها في القانون الدستوري، فغن الاعتداء عليها نجده مجرما بنصوص عقابية مشكلة للجزء الغالب لهذا القانون،
             وهو القسم الخاص منه. وهو الأمر ذاته بالنسبة للحريات، سواء تعلق الأمر بحرية التعبير أو حرية الانتخاب...
[19] - راجع المواد من 61 إلى 64 من قانون العقوبات الجزائري المعنونة بجرائم الخيانة والتجسس.
[20] - المواد من 65 إلى 76 المعنونة ب:" جرائم التعدي الأخرى على الدفاع الوطني أو الاقتصاد الوطني"
[21] - راجع المواد من 71 إلى 83 والمعنونة ب:" الاعتداءات والمؤامرات والجرائم الأخرى ضد سلطة الدولة وسلامة أرض الوطن"، كما عاقبت المواد من 84 حتى 87 على جنايات التقتيل والتخريب المخلة بالدولة، والمادة 87 مكرر وما بعدها التي تعاقب على الأفعال الموصوفة بأفعال إرهابية أو تخريبية، والمادة 88 وما بعدها التي تعاقب على جنايات المساهمة في حركات
               التمرد، وهي كلها أفعال تمس بالدولة ككيان وبالسلطة ونظام الحكم، بطريق مباشر أو غير مباشر.
[22] - وأهم المراجع في هذا المجال: د/ أحمد فتحي سرور:" القانون الجنائي الدستوري"، دار الشروق، القاهرة، مصر،
                                                            2002.
[23] - الاختلاس والغر كانت تجرمه وتعاقب عليه المادة 119 من تقنين العقوبات، والمادة 126 تجرم وتعاقب على جريمة الرشوة، اللتان ألغيتا والكثير من المواد الأخرى ذات العلاقة سنة 2006 بصدور القانون رقم 06-01 المؤرخ في: 20-02-
                                   2006 المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته.
[24] - القانون الدولي الجنائي: ينظم الجرائم الدولية التي تعد انتهاكات للمصالح الدولية ككل، وهي جرائم تتجاوز حدود الدول وتتضمن دوما عنصرا خارجيا (أجنبيا) إما بسبب جنسية مرتكب الجريمة أو جنسية المجني عليه أو بمس مكان ارتكابها، وهو القانون الذي يعبر عهنه البعض بقانون العقوبات عبر الوطني، بدلا من عبارة القانون الجنائي الدولي. وهو ينظم الجرائم ذات البعد الدولي أو ذات الطبيعة الدولية، ومنها الجرائم المنظمة العابرة للحدود الوطنية. وهي طائفة من الجرائم ترتكب في ظروف أكثر تعقيدا من الجرائم العادية التي يحددها القانون الجنائي الوطني، وهو ليس من القوانين الدولية بل من القوانين الداخلية التي تهتم بدراسة مسألة الإجرام الدولي.
بينما القانون الدولي الجنائي يهتم بمكافحة الجرائم التي سميت من قبل البعض بالجرائم العالمية التي اتفقت غالبية التشريعات على العقاب عليها ومكافحتها بشكل تعاوني جماعي، وذلك من خلال اللجوء إلى إبرام الاتفاقيات الدولية واستحداث آليات للتعاون الدولي وعموما تبني سياسة تجريمية موحدة لمواجهتها. وعموما يمكن القول بأن القانون الجنائي الدولي هو القانون الذي يهدف إلى تحقيق المصالح الهامة للمجتمع الدولي بتجريم الانتهاكات التي تمس مصالحه الجديرة بالحماية الجنائية، أهمها حفظ الأمن والسلم الدوليين وحماية حقوق الإنسان. وهو يستمد مصدره من أحكام القانون الدولي العام، أو يستمد وجوده من الاتفاقيات الدولية أو العرف الدولي أو غيره من المصادر، التي تستهدف حماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية والتصدي لما يواجه الأسرة الدولية من مشكلات تهدد السلام والأمن العالميين. وخاصة الاتفاقيات التي تعد حسب البعض بأنه ما هي إلا عبارة عن اتفاقيات كاشفة عن قواعد قانونية موجودة، والاتفاقيات أصبح ذات أهمية كبرى في مجال مكافحة الجريمة ومعاملة المجرمين، هذا ما جعل الدمج يسود الفقه فترة طويلة من الزمن بين القانون الدولي الجنائي والقانون الجنائي الدولي سيما في اتحادهما في المصدر.ويرى البعض بان الذاتية والاستقلالية للقانون الدولي الجنائي تجسدت بصفة جلية وواضحة بموجب أحكام محكمة نورمبرغ العسكرية ومحكمة طوكيو، حيث أن الأحداث الدولية التي أسفرت عن تلك المحاكمات شكلت نقطة تحول في القانون الدولي العام الذي شهد ظهور فرع قانوني جديد وهو القانون الدولي الجنائي. وعرف القانون الدولي الجنائي العديد من التعريفات، من بينها أنه :" مجموعة القواعد القانونية التي تتعلق بالعقاب على الجرائم الدولية التي تشكل انتهاكا للقانون الدولي، وتحدد قواعده بموجب اتفاقيات بين الدول، لا داخل مواد التشريع الداخلي لكل دولة." وعموما هو فرع قانوني يهدف إلى حماية المبادئ والأحكام المقررة في القانون الدولي العام، والتي تتابع وتحكم في الجرائم وتحيلها على المحكمة الجنائية الدولية، بالرغم من أنه لا تزال الكثير من الجرائم ذات الطابع الدولي محل نقاش فقهي ما إن كانت تخضع للمحكمة الجنائية الدولية أم لا، مثل جرائم الاتجار بالمخدرات، والجرائم الإرهابية.
            بينما يرى البعض أنه لا تفرقة بين القانون الجنائي الدولي والقانون الدولي الجنائي، وإنما هناك قانون جنائي عالمي وهو قانون اتفاقي نابع عن رغبة الدول في التضامن فيمتا بينها والتعاون لمكافحة الإجرام الداخلي، وبموجبه في الجرائم التي ينظمها يحق لكل الدولة القبض والمحاكمة على الشخص المرتكب لمثل هذه الجرائم. أو هو " مجموعة القواعد التي تحكم تنازع
                                         القوانين الجنائية من حيث الأشخاص والمكان".
[25] - في حقيقة الأمر الفقه عالج المسألة بشكل اسع وبطريقة مختلفة عن التي تناولناها، وبذلك ظهرت العديد من النظريات التي يكفي المقام لتفصيلها، بل الإشارة لها فقط، فظهرت نظرية التبعية، وهي نظرية الاتجاه التقليدي التي ترى أن طبيعة قانون العقوبات جزائية محضة وظيفته تكمن فقط في التدخل لمد الحماية لفروع القانون الأخرى، وفي ذلك عبر بنتام " إن القانون المدني هو الذي يقرر الحق... والقانون الجنائي هو الذي يأمر بعقاب من ينتهك هذا الحق"، وهناك نظرية الاستقلالية، ومؤداها أن قانون العقوبات مستقل بمبادئه وأفكاره ونظرياته، وكلما تدخل لمد فرع قانوني آخر بالحماية، فإن مفهوم هذه المصلحة ينسلخ من هذا الفرع القانوني ويعطى لها مفهوم جنائي مغاير، وهناك النظرية التوفيقية، التي يرى أنصارها أن قانون العقوبات يضم خليطا من القواعد القانونية، البعض منها يقرر جزاءات على مخالفة القواعد القانونية المنصوص عليها في فروع القانون= =الأخرى، والبعض الآخر يقرر جزاءات خاصة به يحمي بها بعض الالتزامات التي يتضمنها، وهو بذلك تبعيا في بعض
                                              جوانبه ومستقلا في بعض الجوانب الأخرى.
[26] - يرى البعض أن جميع القوانين في البداية كانت قوانين جنائية، ومع التطور تم الاستغناء على القوانين الجزائية بقوانين مدنية، ومن هنا جاء مصطلح " المدنية" La civilisation  حيث أن كلما حلت القوانين المدنية محل القوانين الجزائية، فإن ذلك يعني أن المجتمع يتطور نحو الأفضل، مما يجعل من القانون الجنائي قانونا يتضمن قواعد قانونية تتضمن شق الجزاء دون الشق الآخر، المتضمن المصلحة المراد حمايتها، وهي مصلحة منصوص عليها في القوانين الأخرى، والتي يجب أن تفسر في القانون الجنائي وفقا للمفهوم المعطى لها في هذه القوانين، وفقا لذلك، يمكن تقسيم القانون الجنائي عدة تقسيمات، تبعا للمصالح والحقوق التي يحميها، فيمكن تسميته بالقانون الجنائي المدني في الحالات التي يمد فيها القانون المدني بالحماية، كحالات الاعتداء على الملكية أو العقد بالتزوير مثلا، والقانون الجنائي التجاري، في الحالات التي يحمي فيها المصالح التجارية، والقانون الجنائي الإداري والمالي والجبائي.
         وإن كنا لا نوافق هذا الرأي، إلا أن الواقع يشهد فعلا تفرع القانون الجنائي إلى العديد من الفروع الأخرى، حيث بدأنا نشهد في الآونة الأخيرة ظهور العديد من المؤلفات الفقهية لفقهاء قانون كبار، مثل القانون الجنائي الدستوري، والقانون الجنائي
                                      الدولي، والقانون الجنائي الإداري....
[27] - في حين نجد بعض الفقه يحصرها في ثلاثة وظائف رئيسية، إذ يرى أن قانون العقوبات يؤدي وظيفة جزائية، وأخرى أدبية، وثالثة حماية المجتمع وحقوق المواطنين، فالوظيفة الجزائية تتمثل في كون قانون العقوبات المتميز عن غيره من القوانين بفرضه لجزاءات الهادفة لتحقيق بعض الأغراض الأخلاقية والنفعية، أخلاقيا بمقابلة الجريمة بجزاء لإرضاء الشعور العام بالعدالة، ونفعيا بتحقيق الردع العام والردع الخاص، أما الوظيفة الأدبية فقانون العقوبات يعد تعبير عن القيم والمصلح
                                       الاجتماعية، وكذا حماية حقوق المجتمع والمواطنين
[28] - حتى وإن كان لمفهوم الردع في قانون العقوبات معنى مغاير، إلا أنه يمكننا القول بأن الوظيفة الأساسية لقانون العقوبات هي تبيان المحظورات والممنوعات، وأوامر ونواهي قانون العقوبات في حقيقتها تنطوي على شيء من الإكراه النفسي والمعنوي، والضغط على الإرادة الإنسانية وتصدها وتمنعها من بروز المعطيات الإجرامية لديها، لذا قانون العقوبات في حقيقته يقوم بالتخويف والردع، كما يقوم أيضا بنوع من التربية الاجتماعية، حيث أن التعرف على المحظورات تعني تعرف الفرد على القيم المحترمة في المجتمع، كون القواعد الجنائية في حقيقتها تجريم لبعض الأفعال المخالفة في جانب من الجوانب لهذه القيم، سواء تعلق الأمر بالأمن العام لهذا المجتمع، أو نظامه وآدابه العامة، أو أمنه أو سكينته أو صحته... وما تدخل المشرع لتجريم فعل أو امتناع إلا لأنه عبر عن إرادة المجتمع في عدم تقبله ذلك، الأمر الذي يجعل الفرد يدرك ممنوعات وحرمات المجتمع الذي يعيش به، لذا فوظيفة مثل التربية الاجتماعية والردع والتخويف لا تتحقق إلا بالنصوص الجنائية المكتوبة الصادرة عن الجهة المختصة بإصدارها حسب دستور الدولة ونظام حكمها.
وإن كانت حقيقة أن الإنسان اجتماعي بطبعه، وعليه الامتثال لقيم هذا المجتمع، غير انه لا ينبغي لهذا المجتمع أن يتعسف كثيرا في حرمان الأفراد من حرياتهم واستقلاليتهم، لذا يجب العمل على إقامة نوع من التوازن بين مصلحة المجتمع وبين حقوق وحريات الأفراد، وهما النقيضين – في الحقيقة- الذين يعملان في المجتمع في آن واحد، لذا يجب أن يكون هناك= =حكما يضع الحدود الفاصلة بين هذين المتعارضين، وهو المشرع المعبر عن إرادة الجماعة من جهة، وحامي حريات الأفراد
                                     وحقوقهم من جهة ثانية، لكن في إطار الشرعية الجنائية
[29] - حيث كان الانتقام الوسيلة الأولى للعقوبة في العصور البدائية، وكان أسلوبا مسيطرا على تصرفات الإنسان، ومن بعده التأديب الذي كان ينزله رب الأسرة بالجاني، ويمكن تلخيص هذه المرحلة في الأفكار التالية: العدوان أو الجريمة كان نوعان، خارجي وداخلي، والجزاء تمثل في الانتقام الفردي والجماعي أو الثأر، بخصوص الجريمة: سلطة التقرير لرب الأسرة وهي نوعان الاعتداءات الداخلية والاعتداءات الخارجية، وبخصوص الجزاء، توقيع الجزاء في حال الاعتداءات الداخلية من سلطات رب الأسرة، وفي الاعتداءات الخارجية ساد نظام الثأر الجماعي بين الأسر، بالنظر لقيام العلاقات الأسرية على أساس " رابطة
                          الدم" التي تعد اليوم من أهم أسس للجنسية في القوانين المعاصرة.
[30] - في مرحلة لاحقة من مراحل تطور البشرية تكونت العشائر من مجموعة أسر تعتقد في انتمائها لأصل واحد سواء كان نباتا أو حيوانا كان يطلق عليه مصطلح : التوتم" الذي كان بمثابة إله العشيرة الذي تقدم له القرابين، ومن مجموعة عشائر تكونت القبائل إما على أساس ديني مثلما هو الشأن بالنسبة لتكون العشائر، وإما بسبب الحروب التي كانت تفرز غالب ومغلوب يسيطر فيه الأول على الثاني، ومن مجموعة القبائل تكونت بعدها المدن القديمة كمدينة روما وأثينا واسبرطة التي تحولت في مرحلة لاحقة إلى دول حديثة، وكل على رئس كل عشيرة أو قبيلة أو مدينة رئيس أو حاكم أو أمير يتولى تصريف شؤونها.
[31] - ويمكن تلخيص مبادئ هذه الفترة في: تطوير النظم الأسرية وتحول سلطات توقيع العقاب، الاهتمام بشق الجزاء دون الجريمة، تطور فطرة الانتقام الجماعي، ظهور فكرة القصاص. في الاعتداءات الداخلية، وفكرة الحروب في الاعتداءات
                                           الخارجية. قلل منها بفكرة الدية والصلح.
[32] - القول بالدين لا يعني بالضرورة أننا بصدد الكلام عن المسيحية أو الشريعة الإسلامية، بل عن كل الأديان والمعتقدات التي سادت البشرية حتى قبل ظهور هاتين الديانتين، ويمكن القول أن أهم ما لعب دورا هاما في تطوير قانون العقوبات، كان الدين، فعن طريقه تمت تقوية سلطات الحكام وادعائهم أنهم يستمدون مثل هذه السلطات من قبل الإله مباشرة كون الحاكم ممثلا للإله على الأرض، وكانوا يصورون الجريمة على أنها أرواح شريرة تتقمص شخص الجاني وتؤدي إلى إغضاب الآلهة، ومن الضروري لإرضاء الآلهة أن يقوم الجاني بالتكفير عن جريمته وذلك بإنزال العقوبة عليه حتى ترضى الآلهة، واتخذت بذلك العقوبة فكرة الانتقام الديني الذي تحت غطائه ظلت العقوبات تتسم بطابع القسوة والشدة كأسلوب لردع الجناة وإرضاء الآلهة وامتصاص غضبها، ورغم ظهور ديانات سماوية بعد الاعتقادات الدينية القديمة ونزول اليهودية والمسيحية إلا أن الحكام استمروا عن مبادئ مثل هذه الديانات للتنكيل بخصومهم وردع الخراجين هن حكمهم، لتستمر بذلك العقوبات متسمة بالقسوة
                                                            والشدة.
[33] - يعتبر القرن الثامن عشر، حسب البعض، المرحلة الانتقالية ما بين المجتمعات التقليدية والعصر الحديث، وهو القرن الذي شهد العديد من الثورات الاجتماعية في أوروبا، كما شهد في المجال الجنائي ما سماه هذا الفقه بالثورة الأولى التي تمثلت في
                                                    المدرسة الكلاسيكية.
[34] - ويمكن تلخيص أفكار هذه المدرسة في أنه جع أنصارها ما بين فكرتي العدالة والمنفعة الاجتماعية، فالعقوبة لا تكون مشروعة إلا في الحدود التي تجتمع فيها العدالة والمصلحة، ولم يسلموا بين فكرة المساواة المطلقة في فكرة المسؤولية، بل يجب مراعاة ظروف الجناة كل على حدا لتقرير المسؤولية الجنائية، وتأثرت العديد من التشريعات بآراء هذه المدرسة آنذاك، مثل القانون الفرنسي لسنة 1832 التي ألغت العقوبات القاسية وقرر نظم التخفيف وفرق بين الجرائم السياسية والجرائم العادية، كما أخذ بأفكار هذه المدرسة أيضا قانون العقوبات القانون الجنائي الألماني الصادر سنة 1870، وقانون العقوبات الإيطالي
                                                          لسنة 1889
[35] - حيث رأت هذه المدرسة أن الجريمة ظاهرة تعود أسبابها إما لظروف عضوية ونفسية، أو بيئية أو اجتماعية، والقول بحرية الاختيار هروب من التعمق في دراسة أسباب الجريمة وذلك بإلقاء اللوم على الجاني، وأن ذلك يؤدي إلى الجمود وعدم مواجهة الجريمة باعتبارها نتيجة حتمية لا مناص من وقوعها.لكن فكرة الحتمية التي نادت بها هذه النظرية هي عبارة عن وهم
                                            أثبت الواقع عدم صحته
[36] - وهي كلها مبادئ قانونية راسخة اليوم في التشريعات الجنائية المعاصرة، بما فيها التشريع الجزائري.
[37] - الزنا هو وطأ الرجل للمرأة في حرام من دون أن تكون تحل له، فكل وطأ محرم يشكل في الشريعة الإسلامية جريمة الزنا، دون أن تفرق الشريعة بين المتزوج وغير المتزوج عكس القانون الجزائري الوضعي، حيث لا تقوم هذه الجريمة إلا إذا كان أحدهما متزوجا ( المادة 339 تقنين العقوبات الجزائري)، وحد جريمة الزنا في الشريعة الإسلامية هو الجلد مائة جلدة لغير المحصن، والرجم للمحصن، وذلك لقوله عز وجل في الآية الثانية من سورة النور:" الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين"
[38] - السرقة من جرائم الحدود في الشريعة الإسلامية، وبينت حدها الآية 38 من سورة المائدة، وهو قطع اليد، :" والسارق
                  والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكلا من الله والله عزيز حكيم
".
[39] - القذف في لشريعة الإسلامية هو رمي المسلم المحصن بالزنا أو نفي النسب، على عكس القانون الوضعي الذي يمثل الادعاء علنا بواقعة ( المادة 296 قانون العقوبات الجزائري)، وبينت حد هذه الجريمة الآية 4 من سورة النور :" والذين
        يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون
".
[40] - البغي عموما – وبالرغم من اختلاف الفقه الإسلامي حول تعريفه- فهو الخروج عن طاعة أولي الأمر ظلما وتعديا،
أو هو الامتناع عن طاعة السلطان فيغير معصية، وبينت حده الآية 9 من سورة الحجرات:" وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله إلى أمر الله فإن فآءت فأصلحوا
                                     بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يجب المقسطين
"
[41] - الحرابة مشتقة من لفظ الحرب، بمعنى القتل أو أخذ المال قهرا أو على سبيل المغالبة، ويسمى فاعلها المحارب أو قاطع الطريق، وهي من جرائم الحدود لقوه تعالى في الآيتان 33 و34 من سورة المائدة :" إنما جزؤا الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلف أو ينفوا من ا{ض ذلك لهم خزي في
         الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم (33) إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم (34)"
[42] - الردة هي إنكار لما علم من الدين، كأن يكفر المسلم صراحة أو بفعل يدل على خروجه من الدين الإسلامي، وهي عموما الرجوع عن الإسلام، وبين الشرع عقوبتها في سورة آل عمران الآية 82 وفي الآية 217 من سورة البقرة، حيث قال عز وجل في الأولى:" ومن يتبع غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين"، وفي الثانية:" ومن يرتد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعملهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحب النار هم فيها خالدون" وقوله صلى الله عليه وسلم :"
                                 من بدل دينه فاقتلوه..." وبالتالي الحد هو القتل.
[43] - جريمة الخمر حرمه الشرع قطعا، غير أنه لم يبين عقوبتها أو الحد المقرر لها، لذا قرر النبي صلى الله عليه وسلم الجلد كحد لها، بقوله :" من شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد فاجلدوه" وثبت أن شارب الخمر جلد أربعون جلدة في عهد أبا بكر، كما
                                 ثبت الجلد ثمانون جلدة في عهد عمر رضي اله عنهما.
[44] - يقول عز وجل في الآية 179 من سورة البقرة :" ولكم في القصاص حيواة يأولي الألبـب لعلكم تتقون" وقوله أيضا في الآية 178 من سورة البقرة :" يأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان"، وقوله تعالى في الآية 45 من سورة المائدة:" وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم با أنزل الله فأولئك هم الظلمون"، قله عز وجل في الآية 92 من سورة النساء:" ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان
                                                        الله عليما حكيما
".
[45] - الأمر رقم 66-156 المؤرخ في 08 يونيو 1966 المعدل والمتمم.
[46] - مثل المرسوم 63-399 المؤرخ في 07-10-1963 المتضمن تصنيف العتاد الحربي والأسلحة والذخائر غير المعتبرة كعتاد حربي، والمرسوم رقم 63-441 المؤرخ في: 08-11-1963 المتضمن تنظيم شروط اقتناء وحيازة أسلحة الصيد وذخائرها والتنازل عنها، المرسوم الصادر بتاريخ 18-03-1963 المتعلق بتجريم الأفعال الماسة بالأملاك الشاغرة، قانون
                                       القضاء العسكري الصادر بالأمر 71-28...
[47] - الأمر رقم 66-155 المؤرخ في 08 يونيو 1966 المعدل والمتمم.
[48] - أول تعديل كان سنة 69 بموجب الأمر 69-74 المؤرخ في: 16-09-1969، ثم سنة 1973 بموجب الأمر 73-48 المؤرخ في 25-11-1973، ثم ألأمر رقم 75-47 المؤرخ في: 17 يونيو 1975، القانون 78-03 المؤرخ في 11-02-1978، القانون 82-04 المؤرخ في 13-02-1982، القانون 88-26 المؤرخ في 12 يوليو 1988، القانون 89-05 المؤرخ في 25-04-1989، القانون 90-02 المؤرخ في 06-02-1990، القانون 90-15 المؤرخ في 14 يوليو 1990، الأمر التشريعي رقم 95-11 المؤرخ في 25-02-1995، الأمر 96-22 المؤرخ في 09 يوليو 1996، الأمر 97-10 المؤرخ في 06-03-1997، القانون 01-09 المؤرخ في: 26 يونيو 2001، القانون 04-15 المؤرخ في: 10-11-2004، القانون رقم 05-06 المؤرخ في 23-08-2005، القانون 06-01 المؤرخ في 20-02-2006 المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته،
                                       القانون 06-23 المؤرخ في 20-12-2006.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire