mardi 2 novembre 2010

محاضرات في القانون الجنائي العام جزء 07


المبحث الثالث
المساهمــــة الجنائية
الاشتراك الجنائي أو الإسهام الجرمي

        لئن كانت الجريمة في صورتها العادية تقع من شخص واحد، إلا أنها قد تمثل أحيانا مشروعا إجراميا يسهر ويقوم على تنفيذه أكثر من شخص واحد، فتتحول الجريمة إلى مشروع جماعي بعدما كانت مشروعا فرديا، وهو ما يمثل فكرة المساهمة الجنائية التي تعني ارتكاب الجريمة الواحدة من طرف شخصين أو أكثر، وهي الفكرة التي نظمها المشرع الجزائري في المواد من 41 إلى 46 من تقنين العقوبات الجزائري، وذلك تحت عنوان: "المساهمون في الجريمة".

ماهية المساهمة الجنائية

        تقتضي النظرية العامة للجريمة، أن المشرع لا يتدخل بالعقاب عليها إلا إذا اكتملت أركانها بغض النظر عن الشخص الذي ارتكبها، إلا أنه هناك حالات يقوم فيها العديد من الأشخاص الذي يتقاسمون الأدوار التي تختلف وتتفاوت في طبيعتها ودرجتها في تنفيذ هذه الجريمة، وهو المقصود من المساهمة الجنائية.
        وتختلف المساهمة الجنائية التي نحن بصدد دراستها، عن فكرة المساهمة الضرورية التي يقصد بها تلك المساهمة القانونية التي تتطلبها بعض أنواع الجرائم التي لا تقبل بطبيعتها أن يرتكبها شخصا واحدا، مثل جريمة الرشوة التي تتطلب الراشي والموظف المرتشي، وجريمة الزنا التي تطلب شخصين احدهما يكون متزوجا، وجريمة التآمر التي تتطلب العديد من الأشخاص الذين يتآمرون ضد الوطن... والعديد من الجرائم الأخرى التي لا تقوم بطبيعتها ووفقا للقانون بفعل شخص واحد.
        في حين أن فكرة المساهمة الجنائية التي نحن بصدد دراستها، تعني أن الجريمة من الجرائم القابلة بطبيعتها أن يرتكبها شخصا واحدا، إلا أننا نجد العديد من الأشخاص الذين يساهمون في تنفيذها، سواء تامة أو عند مرحلة الشروع، وبالتالي هي فكرة تتطلب جريمة واحدة – فالجرائم المتعددة تبعدنا عن فكرة المساهمة الجنائية-، كما تتطلب تعدد الجناة- إذ الجاني المنفرد يبعدنا أيضا عن فكرة المساهمة الجنائية-. لذا فالمساهمة الجنائية، تتطلب وحدة الجريمة وتعدد الجناة. وهما الشرطين الضروريين لجعلنا أمام هذه الفكرة الجنائية.

أولا: وحـــدة الجريمة

        تقتضي فكرة المساهمة الجنائية أن يرتكب العديد من الجناة جريمة واحدة تقبل طبيعتها أن يرتكبها شخصا واحدا، لذا يجب أن تتضافر جهود هؤلاء في تنفيذ الجريمة،- وذلك بأن تجمع بينهما الوحدة المادية- وحدة الركن المادي- والوحدة المعنوية – وحدة الركن المعنوي-.

1- الوحدة المادية:
        فكرة المساهمة الجنائية تقتضي قيام العديد من الجناة الذين تختلف وتتفاوت أدوارهم في ارتكاب جريمة واحدة، ووحدة الجريمة أول ما تتجسد فإنها تتجسد في وحدة الركن المادي لها، وهذا الأخير يتطلب وحدة السلوك ووحدة النتيجة، لكن إن كانت نتيجة الجريمة واحدة، فوحدة السلوك وإن كانت تعني سلوك واحد أدى لحدوث النتيجة السابقة، غير انه سلوك مشكل من تعدد الأفعال المشكلة لسلوك إجرامي واحد، وأن يساهم كل فعل من هذه الأفعال في تحقيق النتيجة وأن يرتبط بها برابطة سببية، بحيث لو استبعدنا فعل من هذه الأفعال وبالرغم من ذلك حدثت النتيجة، فالقائم بهذا الفعل لا يعد مساهما في الجريمة. وبالتالي يمكن القول بأن فكرة الوحدة المادية تعني وحدة الركن المادي، والتي تتأكد من خلال وحدة النتيجة وارتباطها برابطة سببية مع كل الأفعال التي أتاها الجناة، أي أن يتوفر لدى كل جاني عناصر الركن المادي الأساسية والمتمثلة في سلوك ونتيجة علاقة سببية تربط بين هذا السلوك والنتيجة الواحدة التي تحققت.

2-الوحدة المعنوية:
        ويقصد بها أن تكون هناك وحدة ذهنية ورابطة معنوية تجمع بين جميع المساهمين في ارتكاب الجريمة، وذلك من علم وإرادة تهدف إلى ارتكاب نفس النتيجة سواء كان بينهم اتفاق سابق أو مجرد تفاهم، والتفاهم هو مجرد توفر نية الاشتراك معاصرة لارتكاب الجريمة، عكس الاتفاق الذي يكون سابقا لارتكاب الجريمة فإن التفاهم يكون معاصرا لها، أي لحظة ارتكابها، كأن يرى أحدهم يجري وراء الآخر لأجل قتله، فيمسك به بغرض تمكين الجاني منه بالرغم من أنه لم يكن هناك اتفقا سابق بينهما، وقد لا يكون يعرفه أصلا. وفقدان مثل هذه الرابطة المعنوية، يحول الجريمة من جريمة مساهم فيها إلى مجموعة جرائم.
ثانيا: تعدد الجـــــناة
        سبق القول بأن المساهمة الجنائية تفترض وحدة الجريمة بركنيها المادي – وإن كانت النتيجة واحدة فالأفعال متعددة- والمعنوي، وأن يساهم العديد من الأشخاص في ارتكاب هذه الجريمة، أي وجود أكثر من جاني واحد يساهم في هذه الجريمة التي تصبح تشكل لهم مشروعا إجراميا واحدا، وبالتالي وجود العديد من الأشخاص الذين يرتبكون العديد من الجرائم لا يجعلنا أمام المساهمة الجنائية، ولا وجود شخص واحد يرتكب العديد من الجرائم، إذ هذا الوضع يجعلنا أمام فكرة تعدد جرائم الشخص الواحد.

        هذا وبعد أن تناولنا مفهوم المساهمة الجنائية، وشروطها، سنحاول من خلال ثلاثة مطالب أن نتناول المشاكل التي تثيرها المسؤولية الجنائية، لنخصص المطلبين الآخرين لنوعيها، المساهمة الأصلية والمساهمة التبيعة.
المطلب الأول
المشاكل التي تثيرها المساهمة الجنائية

        إن ارتكاب جريمة واحدة بركن مادي واحد تتعدد فيها الأفعال والنتيجة واحدة، وكل فعل من هذه الأفعال يساهم في إحداثها ويرتبط بها برابطة سببية، يجعلنا نتساءل عن دور كل فعل من هذه الأفعال في تحقيق هذه النتيجة الواحدة، حيث أنه من المؤكد أن دور هذه الأفعال ليس متساويا، ومن ثم فمن الضروري ألا تكون مسؤولية كل المساهمين على نفس القدر من الأهمية، وهنا كان من الواجب تحديد دور كل منهم لتحديد مسؤوليته، وهو ما يثير فكرة تحديد دور كل مساهم في إحداث النتيجة المحظورة قانونا.

الفرع الأول
تقييم الأدوار لتحديد المسؤوليات

        لأجل تحديد دور كل مساهم من المساهمين، ودور الفعل الذي قام به في إحداث النتيجة المحظورة قانونا، وبالتالي تحديد قدر مسؤوليته عن الجريمة التي ارتكبت كثمرة لنشاطات الجميع، ظهر اتجاهين أساسيين، أولهما لا يفصل بين المساهمين ولا يولي أهمية لأية تفرقة بينهم، والثاني يقيم تفرقة بينهم ويجعل منهم مساهمين وشركاء، وسمي الأول بمذهب التوحيد بين المساهمين، وسمي الثاني بمذهب استقلال المساهمين، وهو ما نوضحه في النقطتين التاليتين.

أولا: مذهب التوحيد بين المساهمين

        وهو مذهب يعتمد على نظرية تعادل الأسباب التي سبق وأن بيناها في دراسة علاقة السببية، حيث يرى أنصار هذا المذهب أن منطق الأمور لا يتفق والتمييز بين أعمال الجناة القائمين على تنفيذ جريمة واحدة، فالجريمة حسنهم هي نتاج تضافر جميع جهود المساهمين فيها، وكل مساهم فيها أيا كان الفعل الذي أتاه ودور هذا الفعل في إحداث النتيجة، فهو مسؤول عن هذه الجريمة مسؤولية كاملة، باعتباره فاعلا لها لا باعتبار فعله ساهم في إحداث النتيجة. وعليه فجميع أعمال المساهمين متساوية في إحداث النتيجة، وهي بذلك متساوية في الأهمية، كما هي متساوية أيضا في المسؤولية الجنائية، وبذلك يستبعد أنصار هذا المذهب كل تفرقة بين الفاعل والشريك، بل الكل يعد فاعل أصلي للجريمة.

        غير أن هذا المذهب وجهت له العديد من الانتقادات، أهمها أن الجريمة الواحدة يستحيل أن يرتكبها العديد من الفاعلين الأصليين فقط، لأن ذلك يؤدي إلى تعدد الجرائم وهو أمر غير منطقي في مجال فكرة المساهمة الجنائية، إذ هذه الفكرة تقتضي أن نكون بصدد جريمة واحدة يسهر على تنفيذها العديد من الجناة، كما أن المساواة بين كل الفاعلين أمر يجافي العدالة، ويتنافى ومبدأ التفريد العقابي الذي يقوم على فكرة إنزال العقوبات تبعا لخطورة كل مجرم على حدة، لذا نجد غالبية الرأي الفقهي والموقف التشريعي والقضائي يرفض هذا الرأي.

ثانيا: مذهب استقلال المساهمين

        وهو مذهب يقيم تفرقة بين الفاعلين الأصليين والشركاء، وهو الرأي الراجح فقها وقضاء، واتبعته غالبية التشريعات، وهو مذهب بنادي أنصاره بوجوب التمييز بين المساهمين في الجريمة بحسب الدور الذي قام به كل منهم، وعلى ذلك تقسم أدوار الجريمة إلى نوعين، أدوار رئيسية يقوم بها المساهمين الأصليين، وأدوار ثانوية يقوم بها الشركاء أو الفاعلين التبعيين. غير أن أنصار هذا الاتجاه انقسموا بخصوص المعيار الذي يمكن من التمييز بين الأفعال الرئيسية والأفعال الثانوية أو التبعية، وبالتالي المعيار الذي يبين الفاعلين الأصليين والفاعلين التبعيين أو الشركاء، وكالعادة تنازع المسألة المذهبان المادي والشخصي. الأول ويركز كالعادة على الركن المادي للجريمة، والثاني على الركن المعنوي لها أو نية الفاعل.

1- المذهب الشخصي :
        وهو المذهب الذي ركز على الركن المعنوي أو النفسي للجريمة، ورأى أنصاره بأن الركن المادي للجريمة لا يمكننا من التمييز بين الأعمال الرئيسية والأعمال الثانوية، لذا يجب إعمال الركن المعنوي، وذلك بالاستناد إلى نية وإرادة المساهم وما إن كان يريد أن يكون فاعلا أصليا أو مجرد شريك، فالفاعل الأصلي تتجه إرادته إلى تحقيق النتيجة على أساس أنها تحقق مصلحته وهو سيدها، بينما الشريك هو من توفرت لديه فقط نية الاشتراك، وأن تتجه إرادته لأن يكون فعله مجرد فعل يساعد ويدعم به أفعال الفاعل الأصلي، فالجريمة ليست مشروعه الإجرامي ولا يريد تنفيذها ما لم ينفذها غيره. غير أن هذا المذهب غامض وصعب للإثبات، إذ كيف يمكننا الغوص في أغوار النفس واستخلاص نية الشخص وتبينها والحكم عليها ما إن كانت تريد الجريمة كمشروع أو اشتراك فقط. لذا هجر هذا المعيار من غالبية الفقه وأحكام القضاء.



2- المذهب الموضوعي أو المادي:
        وهو المذهب الذي يركز أنصاره على الركن المادي للجريمة للتمييز بين الأفعال الرئيسية التي يعد صاحبها فاعلا أصليا للجريمة، وبين الأفعال الثانوية التي يعد فاعلها مجرد شريك، وذلك بالاستناد لنوع العمل ومدى خطورته المادية، فمتى كانت الأعمال خطيرة فالمساهمة تكون أصلية، ومتى كانت الأعمال ثانوية وأقل جسامة وخطورة كانت المساهمة تبعية وفاعلها مجرد شريك.
        وللتمييز بين الأعمال الخطيرة وتلك الأقل خطورة، يرى أنصار هذا الاتجاه الاستناد للركن المادي للجريمة ذاته، فالأعمال الخطيرة هي كل فعل يدخل في الأعمال التنفيذية المشكلة للركن المادي للجريمة، سواء كله أ جزء منه، أما الأعمال الثانوية غير الخطيرة، فهي تلك الأفعال التي لا ترقى لمرتبة الأفعال التنفيذية المكونة للركن المادي للجريمة، بل مجرد أعمال مسهلة أو محضرة للأعمال التنفيذية السابقة، ويعمل في ذلك بمعيار البدء في التنفيذ الذي سبق وان بينته هذه النظرية في جريمة الشروع. وبالتالي استقر الفكر القانوني على ضرورة التمييز بين الفاعل الأصلي والشريك، لكن ثارت مسألة البحث عن طبيعة العلاقة بينهما، وهو ما نتناوله في النقطة الموالية.

الفرع الثاني
طبيعة العلاقة بين الفاعل الأصلي والشريك

        في الحقيقة إن أعمال الشريك هي مجرد أعمال تحضيرية غير معاقب عليها في ذاتها، لولا فعل الفاعل الأصلي الذي يجذبها لدائرة التجريم ويكسبها قيمة قانونية، وبمعنى آخر أعمال الشريك تجرم فقط لتبعيتها لفعل مطابق للنموذج التشريعي للجريمة، وبالتالي هناك علاقة فعلية وقانونية بين أعمال الشريك وأعمال الفاعل الأصلي، وهي العلاقة التي لا يمكن إنكارها بأي حال من الأحوال، لكن السؤال يتعلق بالبحث في طبيعة هذه العلاقة، وهي الفكرة التي حاول الفقه بحثها، لكنه اختلف حول تكييفها، ويمكن رد هذا الخلاف إلى نظريتين أساسيتين، نظرية تقليدية وهي نظرية الاستعارة، ونظرية حديثة وسميت بنظرية التبعية، وهو ما نبينه في النقطتين التاليتين.

أولا: نظرية الاستعارة

        وهي نظرية يرى أنصارها بأن الشريك يستعير إجرامه من فعل الفاعل الأصلي، إذ هناك علاقة استعارة بين الفاعل الأصلي والشريك، حيث يضفي فعل الأول الصفة الإجرامية على الفعل الثاني، أو أن الشريك يستعير الصفة الإجرامية لأفعاله غير المجرمة أصلا من فعل الفاعل الأصلي، لكن داخل هذا الاتجاه ذاته ثار التساؤل حول مدى هذه الاستعارة، وهنا انقسم هذا الاتجاه ذاته إلى اتجاهين، أحدهما يرى أنها استعارة مطلقة والآخر يراها مجرد استعارة نسبية.

1- نظرية الاستعارة المطلقة:
        ويرى أنصارها أن الفاعل الأصلي يلقي بظله كاملا على الشريك، بمعنى أن هذا الأخير يستعير كل الظروف العينية والشخصية اللصيقة بالجريمة وبالفاعل الأصلي، مما يجعلهما متساوين في المسؤولية الجنائية والتي تعني أيضا تطبيق نفس الجزاء الجنائي عليهما.

2- نظرية الاستعارة النسبية:
        وهي النظرية التي يرى أنصارها عكس رؤية أنصار النظرية الأولى، ويرون بأن الشريك يستعير من الفاعل الأصلي التجريم دون العقاب، حيث يستعير منه الظروف العينية الموضوعية اللصيقة بالجريمة، دون الظروف الشخصية اللصيق بالفاعل، مما يجعلهم غير متساوين في المسؤولية ولا في الجزاء.

ثانيا: نظرية التبعية

        وهي نظرية في الحقيقة تستند لفكرة مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعيه المعروفة في القانون المدني، ويرى أنصارها أن فعل الشريك هو فعل مستقل في ذاته عن فعل الفاعل الأصلي، غير أنه غير مستقل استقلالا تاما، إذ وقوع فعل الفاعل الأصلي المتمثل في اقتراف الركن المادي للجريمة، يجعل من فعل الشريك يتبعه وتصبغ عليه الصفة الإجرامية، وإلا فلا مجال للقول باشتراكه في الجريمة، غير أن كل منهما مستقل بظروفه الشخصية، وبالتالي يستقل كل واحد بخصوص الجزاء بحسب الخطورة الإجرامية، كما يستقلان في المسؤولية المدنية، ولا يسأل الشريك عن الجرائم المحتملة التي يقترفها الفاعل الأصلي.

المطلب الثاني
المساهـــمة الأصــلية
الفاعــل الأصلــــــــي
المادتان 41 و45 من قانون العقوبات الجزائري

        يمكن القول اختصارا أنه لا جريمة دون فعل ولا جريمة دون فاعل، وهو الفاعل الذي قد يكون وحيدا أو متعددا، أو وحيدا وله شريك أو عدة شركاء، أو عدة فاعلين لهم شريك واحد أو عدة شركاء، وبالتالي لا جريمة بشركاء فقط، وفاعل الجريمة قد يرتكبها بصورة مباشرة مثل الفاعل المادي أو الفاعل المباشر، وقد يرتكبها بطريقة غير مباشرة مثل المحرض أو الفاعل المعنوي. لكنهما يبقيان صاحبا الجريمة.
        والفاعل الأصلي وفقا لتقنين العقوبات الجزائري نصت عليه المادتان 41 و45، حيث بينت الأولى الفاعل المادي أو الفاعل المباشر، وذلك في الفقرة الأولى منها، في حين بينت الفقرة الثانية المحرض، في حين  تناولت المادة 45 فكرة الفاعل المعنوي.

المطلب الأول
الفــــاعل المـــــباشر
( الفاعل المادي أو الفاعل المنفرد )

        يعرف الفقيه الفرنسية رو Roux الفاعل المادي المنفرد أو الفاعل المباشر، بأنه:" الشخص الذي ساهم نشاطه أو امتناعه في ارتكاب الجريمة."، وبالتالي الفاعل هو من يرتكب الواقعة المجرمة بنص القانون، أو هو الشخص الذي يتولى لوحده تنفيذ كافة الأفعال المكونة للجريمة، بحيث لا يكون من أحد على مسرح الجريمة غيره، وهو ما يقتضي بحث فكرة الركن المادي والركن المعنوي لديه.

الفرع الأول
الركن المادي لجريمة الفاعل المباشر

        نصت المادة 41 من تقنين العقوبات الجزائري، وفي توضيحها لمعنى الفاعل المباشر بأنه:" ... من ساهم مساهمة مباشرة في تنفيذ الجريمة"، وبالتالي الفاعل المباشر هو الفاعل الذي تكون مساهمته مباشرة في ارتكاب الجريمة، فما معنى المساهمة المباشرة المنصوص عليها في الفقرة الأولى من المادة 41 من تقنين العقوبات الجزائري ؟
        المساهمة المباشرة في تنفيذ الجريمة، هي إتيان الأفعال الأعمال التنفيذية المكونة للركن المادي للجريمة، سواء كان شخصا منفردا أو عدة فاعلين أصليين، ومعيار البدء في التنفيذ هو المعيار المحدد للأعمال التنفيذية للركن المادي على النحو المبين سابقا، بالإضافة إلى إعمال معيار آخر مكمل، وهو المتمثل في ظهور الجاني على مسرح الجريمة وأن يكون لصيق الصلة بالتنفيذ ومعاصر له.
        غير أنه هناك حالات يظهر فيها الشخص وكأنه بعيد عن مسرح الجريمة، غير أنه يعد فاعلا مباشرا للجريمة، مثل خادم المنزل الذي يترك باب سيده مفتوحا لتمكين اللصوص من سرقته، وكذا مراقب الطريق، والشخص الذي يمسك بالشخص الهارب من غريمه ليمكن هذا الأخير من قتله – في هذه الحالة الشخص في الحقيقة موجود على مسرح الجريمة-... مما يعني أن معيار الظهور على مسرح الجريمة ليس معيارا حاسما في كل الحالات.
.

الفرع الثاني
الركن المعنوي لجريمة الفاعل المباشر

        يجب أن يتوفر لدى الفاعل المباشر أو الفاعل المادي مع غيره من الفاعلين أو الشركاء – كوننا بصدد نظرية المساهمة الجنائية- رابطة ذهنية واحدة، وذلك بأن يكون كل المساهمين في الجريمة على علم بكل الأفعال التي تتضافر لتحقيق الركن المادي للجريمة، ويريدون النتيجة التي تسفر عن جميع الأفعال المتضافرة السابقة، والعلم يجب أن ينصرف لما هو من عمل الشخص وكذا عمل غيره من باقي المساهمين، وأن يريد كل مهم النتيجة أو النتائج المتمخضة عن هذه الأفعال.

        وأن انتفاء الرابطة المعنوية والذهنية لدى الجناة، يخرجنا من مجال المساهمة الجنائية ويجعلنا نسأل كل فاعل عن جريمة مستقلة بقدر السلوك الذي أتاه، لذا فإن إطلاق الرصاص على مجني عليه واحد من قبل العديد من الفاعلين وفي لحظة واحدة يجعلهم مساهمين في جريمة القتل متى توفرت لديهم وحدة الرابطة الذهنية، غير أنه إذا انتفت هذه الأخيرة، سأل الشخص الذي أصابت رصاصته المجني عليه عن جريمة قتل عمدن وسأل الباقين كل منهم مستقلا عن محاولة القتل إن لم تصب رصاصاتهم الشخص المجني عليه.

المطلب الثاني
المحرض كفاعل أصلي

        التحريض هو خلق فكرة الجريمة لدى الشخص الفاعل وجعله يصمم على ارتكابها، ولم يكن المحرض فاعلا أصليا في القانون الجزائري إلا بتعديل قانون 82-04 المؤرخ في 13-02-1982، ويعد ذلك خروجا عن الاتجاه التقليدي الذي أخذت به معظم التشريعات، وكذا خروجا عن توصيات المؤتمر الدولي السابع لقانون العقوبات المنعقد بأثينا سنة 1957 الذي أوصى بجعل التحريض " جريمة مستقلة" عن المساهمة، وخروجها عن المساهمة الأصلية لأن التحريض يتقصه التنفيذ، ولا بالمساهمة التبعية كون المحرض هو صاحب خلق فكرة الجريمة وهو من جعل الفاعل يصمم على ارتكابها.

        والتحريض هو خلق فكرة الجريمة لدى شخص آخر ذهنه كان خاليا منها، أو هو جعل الفاعل يصمم عليها، وذلك بالتأثير على نفسية هذا الشخص ودفعه لغاية تنفيذ ركنها المادي، بمعنى التحريض يعني خلق فكرة الجريمة في ذهن كان خاليا منها أو على الأقل زينها له ودفع به على تنفيذها[1]. أو هو خلق التصميم لدى الفاعل بارتكاب الجريمة، ودفعه نحو ارتكابها، وهو التعريف الذي تبناه المؤتمر الدولي السابع لقانون العقوبات سنة 1957، والتحريض يؤدي إلى نتيجتين الأولى نفسية تتمثل في القرار الذي يتخذه الفاعل الذي وجه له التحريض، والنتيجة الثانية مادية تتمثل في الجريمة التي ارتكبها بناء على القرار النفسي السابق، ويستوي أن يكون المحرض هو صاحب الفكرة الإجرامية أم اقتصر دوره على تزيين الفكرة التي كانت من خلق من حرض شخصيا. وسنحاول تبين أركان التحريض كجريمة في الفرع الموالي.

الفرع الأول
أركان جريمة التحريض

        التحريض جريمة من جرائم المساهمة الجنائية، وبالتالي فهو كأي جريمة يشترط الأركان العامة الثلاثة لقيامها. وهي الركن الشرعي، والركن المادي والركن المعنوي.

1- الركن الشرعي للتحريض
        الركن الشرعي لجريمة التحريض تضمنته المادة 41/2 من قانون العقوبات الجزائري، بنصها:" ...يعد فاعلا...كل من حرض على ارتكاب الفعل بالهبة أو الوعد أو التهديد أو إساءة استعمال السلطة
أو الولاية أو التحايل أو التدليس الإجرامي.". ومن متطلبات الركن الشرعي لجريمة التحريض، أن  ينصب التحريض على ارتكاب جريمة أو مجموعة جرائم من المنصوص والمعاقب عليها قانونا، لذا فإن خلق العداوة والبغضاء والكراهية لدى شخص آخر لا يرقى لمرتبة التحريض، لذا فالموضوع المحدد لعملية التحريض هو ارتكاب جريمة بعينها[2]، وأن يكون مباشر وبفعل إيجابي.

2- الركن المادي للتحريض
        قوام السلوك في جريمة التحريض هو خلق فكرة الجريمة لدى الفاعل و/أو إيجاد التصميم لديه على ارتكابها، وتقتضي فكرة خلق الجريمة أن ذهن الفاعل كان في الأصل خاليا منها، لولا تحريضه من قبل الشخص المحرض وجعله يصمم عليها، كما قد تكون الفكرة من الفاعل ابتداء لكن المحرض جعله يصمم على تنفيذها، بعدما كان الفاعل مترددا بخصوص ذلك، وكل النشاطات السابقة عبارة عن أفعال إيجابية لا سلبية، وبالتالي يمكن القول بأنه لا تحريض عن طريق الامتناع أو بعمل سلبي، أيا كانت دلالته الإجرامية، فسكوت الشخص أمام فاعل يروي له تفاصيل الجريمة التي سيرتكبها لا يجعله مرتكبا لجريمة التحريض كون موقفه كان سلبيا في حين التحريض جريمة إيجابيا.
        والسلوك الإيجابي في جريمة التحريض غير مقيد باستعمال طريقة محددة – وإن كان مقيد بالوسيلة المادية-، فقد يكون التحريض عن طريق القول أو الكتابة، وقد يكون باللفظ العادي أو بوسائل الاتصال أيا كان نوعها، طالما كانت الوسيلة معبرة عن إرادة المحرض وقصده في خلق فكرة الجريمة لدى الغير وجعله يصمم على ارتكابها. والأصل في التحريض أن يكون شخصيا، موجه لشخص أو أشخاص محددين ويمكن تعيينهم، دون اشتراط توفر العلم بين الأطراف، كون التعارف بينهما ليس من شروط قيام جريمة التحريض، غير أن توجيه التحريض لأشخاص غير محددين يعد جريمة مستقلة بحد ذاتها، وهي الجريمة المنصوص والمعاقب عليها في القانون الجزائري بموجب المادة 100 منه[3]. كما يجب أن يكون التحريض منصبا على ارتكاب جريمة من جرائم قانون العقوبات دون اشتراط نوعها أو ذكر وصفها القانوني للفاعل، وإنما يكفي التحريض على ارتكاب الواقعة المكونة لركنها المادي،    وبالإضافة إلى كل ما سبق، حددت المادة 41/2 الوسائل التي بموجبها يتم التحريض، وهي الوسائل أو الأفعال التي بينت على سبيل الحصر لا على سبيل المثال، وبالتالي المسألة قانونية لا يجوز تفسيرها تفسير واسعا، كما لا يجوز القياس عليها، وهذه الوسائل في قانون العقوبات الجزائري من الوسائل المادية التي يشترط إتيانها قبل ارتكاب الجريمة، ويمكن الاستعانة فيها بوسيلة واحدة أو أكثركما يجوز جمعها كلها وهــــي:

1- الهبـــــة:
        والهبة قد تكون مبلغا من المال، كما قد تكون أي عقار أو منقول أو سلعة من السلع، أو عبارة عن تقديم خدمة، ويمكن أن تقدم بطريقة مباشرة أو مجرد الوعد بتقديمها، غير أن كل ما يشترط فيها أن يكون تقديمها أو الوعد بتقديمها سابقا على ارتكاب الجريمة.

2- الوعـــــد:
        الوعد هو أن يقطع الجاني على نفسه وعدا بأداء خدمة أو أداء عمل أو تقديم هبة للفاعل في حال ما إن ارتكب الجريمة المحرض على ارتكابها، بشرط أن يقطع مثل هذا الوعد قبل تنفيذ هذه الجريمة.

3- التهديــــد[4]:
        التهديد هو أن يقوم الشخص المحرض بالضغط على إرادته بتهديده بارتكاب أفعال أو القيام ببعض التصرفات التي من شأنها أن ترهب المهدد وتدفعه لارتاب الجريمة[5]، ويشترط أن يكون التهديد أيضا سابقا على ارتكاب الجريمة.

4-إساءة استعمال السلطة أو الولاية:
        وفي هذه الحالة، يشترط أن يكون للشخص المحرض سلطة على المنفذ، وهي السلطة التي قد تكون قانونية كسلطة الرئيس على المرؤوس[6]، وقد تكون فعلية كسلطة رب العمل على العامل، أو كأن تكون ولاية كولاية الأب على أبناءه، فيستغل مثل هؤلاء مثل هذه السلطة لتحريض تابعيهم لتنفيذ الجريمة.

5- التحايل والتدليس الإجرامي:
        التدليس الإجرامي هو تعزز الكذب بأفعال مادية ومظاهر خارجية تساهم في إقناع الغير بالانصياع لرغبة المحرض، وذلك باتخاذه لأفعال مادية كاذبة تشجع وتدفع الغير لارتكاب الجريمة.

        وبالتالي جريمة التحريض يجب وأن تتم بإحدى هذه الوسائل أو أكثر، وهي الوسائل التي نذكر بأنها وردت على سبيل الحصر لا المثال، وهي كلها من الوسائل المادية التي يشترط إتيانه قبل إقدام المنفذ على ارتكاب الجريمة التي حرض عليها، وبشرط أن يكون التحريض موجه لشخص أو أشخاص محددين لا لعامة الناس، كون التحريض العام سبق القول أيضا أنه جريمة مستقلة قائمة بذاتها ( المادة 100 ق ع ج).

ثالثا: الركن المعنوي لجريمة التحريض

        جريمة التحريض جريمة عمدية، يجب أن يتوفر لدى الشخص المحرض القصد الجنائي بعنصريه العلم والإرادة، وهو العلم بأن سلوكه يؤدي إلى خلق فكرة الجريمة لدى المنفذ أو على الأقل جعله يصمم عليها إن كانت الفكرة أصلا من المنفذ، وأن يريد هذه الجريمة والنتائج التي تتمخض عنها، لكنه لا يسأل عما زاد من نتائج محتملة لم يكن يعلمها ولا يريدها.

الفرع الثاني
الشروع والاشتراك في التحريض

        باعتبار التحريض جريمة قائمة بذلتها وفقا للقانون الجزائري، حيث أنها جريمة تنتهي بإقناع الشخص الذي حرض بارتكاب الجريمة، وبتقديم إحدى الوسائل المادية المذكورة حصرا في المادة 41/2 ق ع ج، فيكون بذلك المحرض مقترفا لجريمة التحريض بغض النظر عن ارتكابها من قبل الشخص الذي حرض من عدمه، ففي حال ما لم ينفذها سأل فقط المحرض عن جريمة التحريض، وفي حال ارتكبها الفاعل سأل عنها كفاعل مادي مباشر وسأل الآخر كمحرض، لذا نتساءل عما إن كانت جريمة التحريض تقبل الشروع والاشتراك، وه ما نتناوله في النقطتين التاليتين.

أولا: الشروع في جريمة التحريض

        جريمة التحريض تبدأ بتقديم إحدى الوسائل المذكورة أعلاه، وتنتهي بخلق فكرة الجريمة أو تزيينها لدى الجاني وخلق التصميم لديه على ارتكابها، وبالتالي هي جريمة يمكن القول بنوع من التجاوز أنها مستقلة – نقول بنوع من التجاوز، لأن الحقيقة القانونية أن المشرع جعلها جريمة مساهمة لا مستقلة- وتنتهي عند هذا الحد، فالمحرض في حقيقة الأمر فاعل أصلي لجريمة التحريض، وليس له أي دور في الجريمة الأصلية التي يرتكبها المنفذ، لذا فإن عدم إتمام المنفذ للجريمة التي حرض عليها، أمر خارج في حقيقته عن إرادة المحرض، لكن ذلك لا ينفي عنه أنه قام بجريمة التحريض التي توقفت عند حد الشروع، وهو تفسير البعض للمادة 46 من تقنين العقوبات الجزائري[7]، غير أننا لا نوافق هذا الرأي، كون جريمة التحريض نتيجتها خلق فكرة الجريمة لدى الجاني وجعله يصمم على ارتكابها، وبالتالي في الحالة السابقة الجريمة كانت تامة وليست مجرد جريمة انتهت في طور الشروع. لكن يمكن تصور العدول عن جريمة التحريض، في الحالة التي يخلق فيها الجريمة في ذهن الفاعل وجعله يصمم على ارتكابها ويقدم وسيلة من الوسائل المحددة بالمادة 41/2، ولكن قبل إقدام الفاعل على التنفيذ يسارع ويسحب وسيلته المادية، وهنا إن كان العدول اضطراريا أمكن القول بقيام لشروع في التحريض، وفقا للقواعد العامة، وإن كان اختياريا لا عقاب على الفعل، إعمالا للقواعد العامة في جريمة الشروع دوما.



.
ثانيا: الاشتراك في التحريض

        إذا كان هناك محرضا واحد وفاعلا واحدا للجريمة، عد كل منهما فاعلا أصليا لها، الأول بصفته محرض والثاني بصفته فاعل أصلي لها، ما لم تتوفر شروط الإكراه في حالة استعمال التهديد، غير أنه يثار التساؤل عما إن كان يمكن تصور تعدد المحرضين. إن طبيعة وسائل التحريض التي تعد كلها من الوسائل المادية، تسمح بقبول فكرة الاشتراك في التحريض، كأن يشتري أحدهما هدية ويقدمها للثاني الذي يقدمها بدوره للمنفذ ويخلق فكرة الجريمة في ذهنه ويجعله يصمم على ارتكابها، وبذلك يكون مقدم الهدية شريك في التحريض، بشرط أن يتوفر لديه قصد الاشتراك في التحريض وتتجه إرادته لذلك، كون جريمة التحريض جريمة عمدية، التي تشرط العلم والإرادة بالسلوك وبالنتائج، لذا فهو لا يسال عن النتائج المتجاوزة لقصده. ولا يشترط أن يكون عالما بالمنفذ، بل كل ما يشترط أن يكون عالما بوجود جريمة التحريض على جريمة.


المطلب الثالث
الفاعل المعنوي كمساهم أصلي

        الفاعل المعنوي كصورة من صور المساهمة الجنائية نصت عليه المادة 45 من تقنين العقوبات الجزائري، ويقصد بالفاعل المعنوي الشخص الذي يستخدم شخص آخر كأداة لارتكاب الجريمة، وأن يكون هذا الشخص غير مسؤول جنائيا بسبب وضعه أو صفته الشخصية، وذلك باستعمال أية وسيلة من الوسائل، سواء كانت تلك المبينة في التحريض أو غيرها، وقد عرف المؤتمر الدولي السابع لقانون العقوبات المنعقد في أثينا سنة 1957 الفاعل المعنوي، أنه :" من يدفع نحو ارتكاب الجريمة منفذا لا يمكن مسائلته جنائيا". لذا فهناك وجه شبه كبير بين المحرض والفاعل المعنوي، وهو ما نبينه في فرع، لنتناول في الثاني أركان جريمة الفاعل المعنوي.

الفرع الأول
الفرق بين المحرض والفاعل المعنوي

        وبالتالي، الفاعل المعنوي يقترب كثيرا من المحرض، غير أن الأخير يحرض شخص مسؤول جنائيا مستعملا في ذلك وسيلة مادية من الوسائل المحددة حصرا بنص المادة 41/2، في حين الأول، يستعمل شخص غير مسؤول جنائيا أو شخص حسن النية وكأنه أداة مادية، حيث قد يكون شخص غير مسؤول جنائيا، مثل الصغير غير بالغ سن الرشد والمجنون[8]، أو بسبب وضعه كأن يكون حسن النية[9]، ولا يشترط في ذلك استعمال وسيلة محددة.     وقد نص المشرع الجزائري على الفاعل المعنوي بموجب المادة 45 التي قضت على انه:" من يحمل شخصا لا يخضع للعقوبة بسبب وضعه أو صفته الشخصية على ارتكاب جريمة يعاقب بالعقوبات المقررة لها."[10].

        لذا فوجه التشابه بين المحرض والفاعل المعنوي، أن الأول يستعمل شخص مسؤول جنائيا، في حين الثاني يستعمل شخص كأداة مادية، وعليه فإن المنفذ في التحريض يعاقب باعتباره الفاعل الأصلي للجريمة المحرض عليها، في حين لا فاعل أصلي للجريمة في حالة فاعل معنوي لأنه شخص منذ البداية غير معاقب عليه ، وفي كلا الجريمتين لا ينفذان الجريمة بنفسيهما بل بغيرهما. لكننا نرى بأن المنفذ في حالة الفاعل المعنوي قد يخضع لتدبير من تدابير الأمن، بينما حسن النية فلا يعاقب لانتفاء القصد لديه والخطأ فالجريمة إن كانت تقوم بالخطأ سأل عنها كأن يكون ملزم بواجب التحري. والحيطة والحذر .

الفرع الثاني
أركان جريمة الفاعل المعنوي

        جريمة الفاعل المعنوي جريمة شأنها شأن سائر الجرائم الأخرى، تحتاج لقيامها الأركان الثلاثة العامة، وإن كان الركن الشرعي لا يطرح أي إشكال وهو نص المادة 45 من تقنين العقوبات الجزائري. فإننا سنركز على الركنين المادي والمعنوي.

أولا: الركـن المادي لجريمة الفاعل المعنوي

        على عكس جريمة التحريض، فإن المشرع الجزائري لم يحدد الوسائل التي يلجأ إليها الفاعل المعنوي لأجل الدفع بالشخص المستعمل كأداة لارتكاب الجريمة، وعلى ذلك فكل الوسائل يمكن أن تصلح لقيام جريمة الفاعل المعنوي، بل وتقوم حتى في ظل انعدم مثل هذه الوسائل. بشرط أن يحرض الشخص حسن النية
أو غير المسؤول جنائيا، على الركن المادي لجريمة من الجرائم المعاقب عليها قانونا، دون شرط تبين وصفها أو تكييفها، كما لا يشترط التعارف بين الشخصين، حيث كل ما يلزم أن يعلم الشخص أنه يحرض شخص غير مسؤول أو غير معاقب بسبب وضعه أو صفته. وبالتالي هي جريمة تقوم بنشاط إيجابي ينصب على خلق فكرة الجريمة لدى الشخص ودفعه لارتكابها شأنه شأن التحريض.

ثانيا: الركن المعنوي لجريمة الفاعل المعنوي

        المنفذ في جريمة الفاعل المعنوي مجرد أداة مادية استخدمت في تنفيذ الجريمة، وبالتالي فلا مسؤولية ولا عقاب عليه، فهو لا بالفاعل الأصلي ولا بالشريك، بل المسؤول الوحيد هو الفاعل المعنوي وهو مسؤول عن النتائج التي أرادها وتلك التي لم يردها أو لم يتوقعها أصلا، لأنه كان عليه أن يتوقع بأن يتعامل مع شخص غير مميز وغير مدرك وعليه أن يضع في حسبانه أن هذا الشخص قد يتجاوز ما طلب منه.

المبحث الثاني
المســـاهمة التبـــعية ( الاشتراك )

        يقصد بالمساهمة التبعية أو ما يسمى بالاشتراك، تعدد الجناة في المرحلة السابقة على البدء في تنفيذ الجريمة، سيما في مرحلة التحضير والإعداد للجريمة، فهي لا تعني قيام الجاني بدور أصلي أو رئيسي في تنفيذ الركن المادي للجريمة، وإنما القيام فقط بالأدوار الثانوية أو التبعية السابقة عن هذا التنفيذ، غير أنها أفعال ترتبط بالنتيجة النهائية المترتبة عن الجريمة برابطة سببية، دون أن تعتبر هذه الأفعال أو الأعمال في ذاتها بدءا في تنفيذ الجريمة، وبعبارة أخرى أكثر اختصارا، الشريك هو الشخص الذي يقوم بنشاط تبعي غير رئيسي يرتبط بجريمة ارتكبها فاعل أو فاعلين أصليين برابطة سببية[11]. وبالتالي الشريك في حقيقة الأمر لا يرتكب فعلا مجرما قانونا في حد ذاته، وإنما يكتسب صفته الإجرامية من الفعل التنفيذي الذي يرتكبه الفاعل الأصلي للجريمة، وبالتالي ما دام أن الشريك لم يرتكب أي نشاط أو سلوك أو فعل يدخل في التكوين القانوني ( النموذجي ) للركن المادي للجريمة، وبالتالي في حقيقة الأمر لا يوجد نص قانوني يطبق على هذا الفعل، ما دام النص الذي يعاقب على الجريمة التي ارتكبها الفاعل الأصلي لا يطبق على فعل الشريك، وهنا في حقيقة الأمر أين ظهرت نظريتي الاستعارة والتبعية، والخلاف الفقهي الذي ساد الفقه حول البحث في طبيعة العلاقة بين الفاعل الأصلي والشريك. وقد بين المشرع الجزائري معنى الشريك في نص المادة 42 من تقنين العقوبات، بينما بين نص المادة 43 من يعد في حكم الشريك، وبعبارة أخرى النص الأول بين الشريك الفعلي، بينما بينت المادة 43 الشريك حكما – إن صح القول-. حيث باستقراء المادتين تتبين أركان الاشتراك. وسنبين في مطلب أركان الاشتراك، لنتناول في الثاني بعض الأوضاع المتعلقة بالاشتراك.
.

المطلب الأول
أركـــان الاشتراك

        لكي تقوم جريمة الشريك ويعاقب بهذا الوصف، لا بد من توفر الأركان الثلاثة العامة المشترطة لقيام أي جريمة، غير انه يمكننا القول بأن الشرط المفترض الأول هو وقوع الجريمة الأصلية التي يرتكبها الفاعل الأصلي، وأن تكون الأعمال الثانوية التي ارتكبها الشريك مرتبطة بهذه الجريمة برابطة سببية، وهي أفعال الاشتراك التي بينتها نصوص القانون، ويشترط أخيرا أن يكون الشريك متعمدا هذه المساهمة.

الفرع الأول
الركن الشرعي للاشتراك

        نصت المادة 42 من تقنين العقوبات الجزائري على أنه:" يعد شريكا في الجريمة من لم يشترك اشتراكا مباشرا[12]، لكنه ساعد بكل الطرق أو عاون الفاعل أو الفاعلين على ارتكاب الأعمال التحضيرية
 أو المسهلة أو المنفذة لها مع عله بذلك.". بينما بينت المادة 43 من هم في حكم الشريك، وهي المادة التي نصت على أنه:" يأخذ حكم الشريك من اعتاد أن يقدم سكنا أو ملجأ أو مكان للاجتماع لواحد أو أكثر[13]، من الأشرار الذين يمارسون اللصوصية أو العنف ضد أمن الدولة أو الأمن العام أو ضد الأشخاص أو الأموال مع العلم بسلوكهم الإجرامي[14]."،  وباستقراء المادتين، يمكن القول أن الاشتراك هو كل من عاون الفاعل
 أو الفاعلين الأصليين في ارتكاب جناية أو جنحة، سواء تمت أو توقفت عند حد الشروع، وأن تنصب هذه المساعدة أو المعاونة على المرحلة التحضيرية للجريمة، أو لتسهيل ارتكابها ماديا، أو تسهيل تنفيذها، وبالتالي النظرة المجردة لنوع هذه الأعمال غير معاقب عليها قانونا وفقا لما تناولناه في نظرية الشروع، غير أنها تنجذب لدائرة التجريم لكونها ترتبط بجريمة الفاعل الأصلي وكانت سببا معينا أو مسهلا لتنفيذها، وهو في الحقيقة تجسيد فعلي لنظرية الاستعارة على الأقل في جانبها التجريمي الموضوعي دون الشخصي – سنبين مسألة استثناء الاستعارة الشخصية لاحقا-، لذا وما دامت أفعال الشريك غير معاقب عليها في حد ذاتها بل لارتباطها بالجريمة الأصلية، لذا فهذه الأخيرة يجب أن تتوفر فيها بعض الشروط، أهمها:
1- أن يشكل الفعل الذي يقوم به الجاني جريمة من الجرائم المعاقب عليها قانونا. لكن بوصف الجناية
أو الجنحة، إذ لا مساهمة ولا اشتراك في المخالفات.
2- ألا يكون فاعل الجريمة الأصلية توفر لديه سبب من أسباب الإباحة، لأنه سبق القول أن مثل هذه الأسباب يستفيد منها كل من ساهم في ارتكاب الجريمة، سواء كان فاعلا أصليا أو مجرد شريك.

        كما تجب الإشارة إلى بعض العناصر المتمثلة في أن إفلات الفاعل الأصلي من العقاب لا يمنع من قيام الاشتراك وعقاب الشريك في حال امتناع مسؤولية الفاعل الأصلي أو قيام مانع من موانع العقاب لديه. لأنها أسباب شخصية يستفيد بها المتوفرة لديه دون غيره. كما أن عدم عقاب الفاعل الأصلي بسبب قيام عذر لديه لا يحول دون عقاب الشريك، كون العذر أيضا من السباب الشخصية.

الفرع الثاني
الركن المادي للاشتراك

        لعقاب الشريك عن الأفعال التي ساعد بها الفاعل الأصلي، يجب وأن يرتكب أو يأتي إحدى أفعال الاشتراك المنصوص عليها في المادتين 42 و 43 من تقنين العقوبات الجزائري، وهي أفعال وردت على سبيل الحصر، كوننا بصدد نص تجريمي يجب إعمال مبدأ الشرعية بخصوصه، وهي بالتالي أفعال أو أعمال لا يجوز تفسيرها تفسيرا واسعا لا القياس عليها، وهذه الأعمال هي:

أولا: أعمال المساعدة أو المعاونة

        أعمال المساعدة أو المعاونة، هي كل فعل أو عمل من شأنه أن يعين أو يساعد أو يدعم به الشريك الفاعل الأصلي، بشرط أن تبقى هذه الأفعال في حدود مرحلة ما قبل البدء في تنفيذ الجريمة، أو بعد ذلك دون أن يظهر الشريك على مسرح الجريمة، لأن الظهور على مسرح الجريمة (مكان ارتكاب الجريمة) يجعل من الشخص فاعلا أصليا لا مجرد شريك، لذا فالشريك يجب أن يساعد الفاعل الأصلي في المرحلة التحضيرية لارتكاب الجريمة، كشراء سلاح وتقديمه للفاعل مع علمه بهدف هذا الأخير. أو أن تكون هذه الأعمال معاصرة لارتكاب الجريمة لكن بعيد عن مكان تنفيذها. أما أعمال المساعدة اللاحقة لارتكاب الجريمة، فليست وسيلة من وسائل الاشتراك، وإنما يمكن أن تشكل جريمة مستقلة بذاتها، غير أن بعض الفقه يرى أنه يمكن الاشتراك بأعمال لاحقة على ارتكاب الجريمة، بشرط أن يكون هناك اتفاق سابق بين الشريك والفاعل الأصلي على القيام بها، وهنا يكون الشخص شريكا بالاتفاق لا بالمساعدة، مثل تدبير الشخص الوسائل اللازمة لتمكين الجناة من الفرار، أو إخفاء معالم الجريمة بعد ارتكابها، وإن لم يكن هناك اتفاق، فهذه الأعمال تعد جريمة مستقلة، مثل إخفاء أشياء متحصلة من جناية أو جنحة، أو التستر على الفارين، أو أي جريمة يعاقب عليها المشرع بصفة مستقلة، ويعد الشخص فاعلا أصليا فيها. لا شريك في الجريمة الأخرى التي أخفى فيها المعالم أو الآثار.

ثانيا: إيواء الأشرار أو إخفائهم

        إيواء أو إخفاء الأشرار في حقيقته يعد عملا من الأعمال اللاحقة لارتكاب الجريمة الأصلية، التي من المفروض أن تخضع لما ورد سابقا، غير أنه وتطبيقا للمادة 43 اعتبرت من يقوم بمثل هذه الأفعال في حكم الشريك، لكن بتوفر الشروط الواردة بهذه المادة، وهذه الشروط المحددة حصرا هي : الاعتياد أو تكرار تقديم مسكن أو ملجأ لأشرار يقومون بأعمال اللصوصية أو العنف ضد أمن الدولة أو الأمن العام أو الأشخاص
أو الأموال، والاعتياد يعني قيام الشخص بمثل هذه الأعمال لأكثر من مرة واحدة، بمعنى من ارتكب الفعل لأول مرة لا يعد كذلك.
وقد أضاف المشرع الجزائري في المادة 91 من قانون العقوبات صورة أخرى من صور الاشتراك، وهي المتمثلة في أعمال المساعدة اللاحقة أيضا، حيث نصت هذه المادة على أنه: المادة 91  ( المادة 60 من القانون 06-23 المؤرخ في: 20-12-2006):" مع عدم الإخلال بالواجبات التي يفرضها سر المهنة، يعاقب بالسجن المؤقت لمدة لا تقل عن عشر سنوات ولا تتجاوز عشرين سنة في وقت الحرب، وبالحبس من سنة إلى خمس سنوات وبغرامة من 20.000 إلى 100.000 دج في وقت السلم، كل شخص علم بوجود خطط أو أفعال لارتكاب جرائم الخيانة أو التجسس أو غيرها من النشاطات التي يكون من طبيعتها الإضرار بالدفاع الوطني ولم يبلغ عنها السلطات العسكرية أو الإدارية أو القضائية فور علمه بها. علاوة على الأشخاص المبينين في المادة 42 يعاقب باعتباره شريكا من يرتكب دون أن يكون فاعلا أو شريكا أحد الأفعال الآتية:
1- تزويد مرتكبي الجنايات والجنح ضد أمن الدولة بالمؤن أو وسائل المعيشة وتهيئة مساكن لهم أو أماكن لاختفائهم أو لتجمعهم وذلك دون أن يكون قد وقع عليه إكراه ومع علمهم بنواياهم،
2- حمل مراسلات مرتكبي هذه الجنايات وتلك الجنح وتسهيل الوصول إلى موضوع الجناية أو الجنحة
 أو إخفائه أو نقله أو توصيله وذلك بأي طريقة كانت مع علمه بذلك.
        وعلاوة على الأشخاص المعنيين في المادة 387 ق ع ج[15]، يعاقب باعتباره مخفيا من يرتكب من غير الفاعلين أو الشركاء الأفعال الآتية:
1- إخفاء الأشياء أو الأدوات التي استعملت أو كانت ستستعمل في ارتكاب الجناية أو الجنحة والأشياء
 أو المواد أو الوثائق المتحصلة من الجنايات أو الجنح مع علمه بذلك،
2- إتلاف أو اختلاس أو تزييف وثيقة عمومية أو خصوصية من شأنها تسهيل البحث عن الجناية أو الجنحة أو اكتشاف الدليل عليها مع علمه بذلك.
        ويجوز للمحكمة في الحالات المنصوص عليها في هذه المادة أن تعفي أقارب أو أصهار الفاعل لغاية الدرجة الثالثة من العقوبة المقررة."
الفرع الثالث
الركن المعنوي لدى الشريك

        جرائم الاشتراك من الجرائم العمدية، لذلك يشترط لدى الشريك توفر القصد الجنائي لديه بعنصريه العلم والإرادة، العلم بكل الأفعال التي تؤدي إلى تحقيق النتيجة، سواء كانت من أفعاله أو أفعال غيره، وأن يريد النتائج المترتبة عنها، ولا يسأل عما زاد عن ذلك من نتائج متجاوزة قصده، فهو يسأل فقط في حدود قصده.

المطلب الثاني
الأوضاع الخاصة للاشتراك والعقاب عليه

        باعتبار الاشتراك جريمة معاقب علها قانونا، فهي تحتاج على دراسة مدى جواز قيام الشروع فيها، وكذا جواز القول بالاشتراك في الاشتراك، وتحديد العقوبة المقررة للشريك.

الفرع الأول
الشروع والاشتراك في الاشتراك

بالنظر لخصوصية جريمة الاشتراك التي تعد في الأصل جريمة غير معاقب عليها لولا قيام الفاعل الأصلي بجريمته، فيمكن القول بأن الاشتراك جائز في الجنايات والجنح التامة، منا يجوز  الاشتراك في الجرائم الناقصة ( جرائم الشروع)، جرائم معاقب عليها أيضا، فيجوز الاشتراك في الشروع في جناية
أو الشروع في جنحة، بشرط أن تكون الجنحة مما يعاقب على الشروع فيها، غير أن ما يحتاج الدراسة هو الشروع في الاشتراك، والاشتراك في الاشتراك، الذين نتناولهما في النقطتين التاليتين.

أولا: الشروع في الاشتراك:
       
        يرى البعض أنه لا يمكن الحديث عن الشروع في الاشتراك، سيما في الفروض التي تنتفي فيها رابطة سببية بين السلوك والجريمة المتحققة، كون الشروع يفترض أن الفعل المرتكب لم يمتلك القدرة الفعلية على تحقيق النتيجة، وبما أن الاشتراك ليس جريمة قائمة بذاتها ومستقلة عن الجريمة الأصلية، وبالتالي لا يمكن الشروع في الاشتراك لأن الشروع يستلزم البدء في تنفيذ جريمة وفقا للنص التجريمي الأصلي. وبالتالي من يباشر عمل من أعمال الاشتراك، دون أن تتفاعل سببيا مع الجريمة الأصلية المرتكبة، لا يمكن اعتباره شريكا في الجريمة لأنه شرع في الاشتراك فيه، ومثال ذلك إعارة شخص مسدس لشخص آخر لأجل قتل أحد الأشخاص، فيقوم الجاني بقتله عن طريق الخنق لا باستعمال المسدس، فلا يد شريكا كونه انتفت العلاقة السببية بين فعله والنتيجة التي تحققت. وهي نقطة تقود لدراسة أثر عدول الشريك على قيام الجريمة.

ثانيا: عدول الشريك

 عدول الشريك قبل بدء الفاعل الأصلي في تنفيذ جريمته مقبول قانونا، أما ذلك غير جائز بعد البدء في تنفيذ الجريمة من قبل الفاعل الأصلي. غير أن التساؤل يثار حول مسألة عدول الفاعل الأصلي عن ارتكاب جريمته، وهنا يمكن القول بأن الاشتراك غير معاقب عليه في حد ذاته ما لم تقع الجريمة الأصلية من قبل الفاعل الأصلي، وبالتالي الشرط الأولي لعقاب الشريك هو ارتكاب جريمة معاقب عليها قانونا من قبل الفاعل الأصلي، غير أنه في حالة عدول هذا الأخير لا نكون بصدد جريمة، وبالتالي لا اشتراك جنائي في فعل لا يعد جريمة[16].

ثالثا: الاشتراك في الاشتراك

الاشتراك في الاشتراك أمر جائز، مثل الصيدلي الذي يقدم مادة سامة لشخص آخر مع علمه أن هذا الأخير سيسمم بها شخص آخر، ورغم ذلك يريد مساعدته على ارتكاب هذه الجريمة بمثل هذه المادة، فيعد كلاهما شريك في جريمة القتل بالتسميم. وذهب بعض الفقه إلى القول أن الاشتراك في الاشتراك لا عقاب عليه، كونه مساهمة في فعل لا عقاب عليه في حد ذاته، لأنه سبق القول بأن أفعال الاشتراك لا عقاب عليها ما لم يرتكب الفاعل الأصلي الجريمة الأصلية ما لم تكن هناك علاقة اتصال مباشر بين الشريك والفاعل الأصلي، غير أن هذا الرأي لا أساس قانوني له، كون القانون يعاقب على الاشتراك متى وجدت علاقة بين الفعل الأصلي وأفعال الاشتراك، وأن توفرت رابطة ذهنية بين الفاعلين، وبالتالي شريك الشريك يعاقب عن الجريمة التي ارتكبها الفاعل الأصلي بوصفه شريكا فيها لا بوصفه شريك الشريك.

الفرع الثاني
عقوبة الاشتراك وأثر الظروف على عقوبة الشريك

        نصت المادة 44 من تقنين العقوبات الجزائري على أنه: يعاقب الشريك في جناية أو جنحة بالعقوبة المقررة للجناية أو الجنحة. ولا تؤثر الظروف الشخصية التي ينتج عنها تشديد أو تخفيف العقوبة أو الإعفاء منها إلا بالنسبة للفاعل أو الشريك الذي تتصل به هذه الظروف.  والظروف الموضوعية اللصيقة بالجريمة التي تؤدي إلى تشديد أو تخفيف العقوبة التي توقع على من ساهم فيها يترتب عليها تشديدها أو تخفيفها، بحسب ما إذا كان يعلم أو لا يعلم بهذه الظروف.ولا يعاقب على الاشتراك في المخالفة على الإطلاق.".
        وبالتالي يتضح أن كل مساهم مستقل بظروفه الشخصية سواء كانت مشددة أو مخففة أو معفية من العقاب أو من المسؤولية، أما بالنسبة للظروف الموضوعية اللصيقة بالجريمة فتسري على كل من ساهم في الجريمة سواء بوصفه فاعلا أصليا أو مجرد شريك، بشرط توفر العلم بها، أي أن يعلم بها الشريك[17].

الفصل الرابع
الركن المعنوي للجريمة

        إن مجرد ارتكاب ماديات الجريمة المتمثلة في عناصر ركنها المادي، لا تكفي لقيام الجريمة قانونا ومسائلة فاعلها جنائيا، بل يجب أن يتوفر لدى مرتكبها قدر من الخطأ أو الإثم، وهو ما اصطلح على تسميته بالركن المعنوي للجريمة[18]، المتمثل في توفر صلة نفسية بين الفاعل وماديات الجريمة[19]، وبالتالي يمكن القول أنه لا جريمة بدون خطا مهما كانت النتائج التي تمخضت عنها، وهو ما يعني أيضا توفر صلة نفسية بين الفاعل والنتيجة التي تحققت، بحيث يمكن وصف هذا السلوك بأنه سلوك خاطئ أو مؤثم[20]. فالجريمة إذن يجب وأن تقوم على ركنين أساسيين، بالإضافة إلى الركن الشرعي، هما الركن المادي المتمثل في ماديات الجريمة التي تعد المظهر الذي تبرز به في العالم الخارجي، وركن معنوي يتحقق بموقف الإرادة من الفعل المادي، وهو الموقف الذي قد يتخذ صورة القصد، كما قد يتخذ صورة الخطأ، وكلاهما يفترض القدرة على توجيه الإرادة نحو ماديات الجريمة، غير أنه في حالة القصد تتجه الإرادة نحو الفعل والنتيجة معا، وفي حالة الخطأ تتجه الإرادة نحو الفعل دون النتيجة، التي تتحقق بصورة غير مقصودة.

        والمشرع لا يشير إلى هذه العلاقة النفسية بين الفاعل والفعل، إلا بكلمة واحدة في العادة، كاستعماله عبارة " من يرتكب عمدا"[21]، " عن قصد أو بقصد"[22]، أو بغرض[23]، " مع العلم"،" أو "بإهمال"[24]، أو " بنية"[25]... كون معظم القوانين لم تتصد لتعريف الركن المعنوي للجريمة، لذا فالفضل يعود لفكر الفقه الجنائي الحديث في تحديد نطاق الركن المعنوي للجريمة واستجلاء غموضه، وجعل القانون يعاقب الأشخاص ليس لأنهم " فعلوا" وإنما لأنهم " أخطئوا"، وعليه فقد أصبح من المبادئ الراسخة في الوجدان القانوني الجنائي المعاصر، وهو المبدأ القاضي بأنه :" لا عقوبة دون خطأ"، وما يزال تحتفظ به القوانين من جرائم غير عمدية، هو مجرد استثناء على المبدأ في حدود لا تنال من فعاليته وأهميته[26]. وبذلك يعد الركن المعنوي من الأركان التي لا تصور لقيام الجريمة بدونه، كقاعدة عامة باعتباره العنصر النفسي لها، فلكي تقوم المسؤولية الجنائية لمقترف الفعل المجرم لا تكفي مجرد النسبية المادية للفعل له، وإنما يلزم أن تتوافر رابطة نفسية بينهما تصلح أن تكون أساسا للحكم بتوافر العنصر المعنوي أو الأدبي للجريمة.

أهمية الركن المعنوي

        يعد الركن المعنوي من أهم مكونات البناء القانوني للجريمة، الذي لا يكتمل – هذا البناء القانوني- إلا بهذا الركن، الذي إن لم يتوفر فلا نكون أمام جريمة عمدية، وإن كان يمكن أن يجعلنا أمام جريمة غير عمدية إن كان الفعل يقبل مثل هذا الوصف، وبتوفر هذا الركن تكتمل الجريمة قانونا ويحق مسائلة فاعلها من جهة، ومن جهة ثانية، تظهر أهمية الركن المعنوي، في أنه الركن الذي يلعب دورا كبيرا في تحديد وتقدير الجزاء المقرر لمرتكب الجريمة، إذ يتدرج الجزاء الجنائي في جسامته ومقداره، بقدر درجة الإثم أو الخطأ التي يكشف عنها الركن المعنوي للجريمة، عكس العصور الماضية التي كانت فيه درجة الجزاء ترتبط فحسب بدرجة وجسامة العدوان المادي الذي وقع وما أسفر عنه من نتائج دونما أي اعتداد بما توافر لدى الجاني من خطأ. كما تكمن أهمية هذا الركن، في كونه ضمانة لتحقيق العدالة، كون توقيع عقوبة على شخص لم تربطه صلة نفسية بجريمة ارتكب مادياتها، يعد مجافاة للعدالة، كون هذه الأخيرة تقتضي أن يوقع الجزاء الجنائي فقط على المخطئ في أفعاله، والخطأ لا يمكن تصوره إلا لدى شخص توفرت لديه رابطة نفسية بينه وبين الفعل الذي اقترفه، وهي الرابطة التي تبين اتجاه إرادته لمخالفة أحكام القانون الجنائي بارتكابه لهذا الفعل، وبذلك فقط تكون إرادته مخطئة أو آثمة أو منحرفة.

علاقة الركن المعنوي بفكرة المسؤولية الجنائية

        دون استعراض مختلف التطورات التاريخية، يمكننا القول بأن ظهور الركن المعنوي للجريمة، كان نتيجة التطورات التي عرفتها فكرة المسؤولية الجنائية، بالرغم من استقلال كل منهما عن الآخر، كون الركن المعنوي ركن من الأركان العامة للجريمة، في حين المسؤولية الجنائية، هي حصيلة أركان الجريمة مجتمعة، والتي تؤدي عند قيامها أو ثبوتها إلى خضوع الجاني للعقاب. وبذلك المسؤولية الجنائية، وعلى عكس الركن المعنوي، نتيجة قانونية لقيام الجريمة أو أثر من آثارها لا ركن من أركانها[27].

        وكخلاصة للتمهيد لدراسة الركن المعنوي للجريمة، يمكن القول أن قانون العقوبات أو القانون الجنائي، يخاطب بأوامره ونواهيه الإنسان الواعي المدرك صاحب الإرادة الحرة والسليمة فقط، لذا فالشخص يسأل عن الأفعال التي يأتيها وهو مدرك لما يقوم به من أفعال ومقدر لمدى خطورتها قانونا، وهذه الإرادة وهذا الإدراك هما اللذان يتشكل منهما الركن المعنوي للجريمة، وهو القول الذي ينطبق على كل الجرائم سواء كانت عمدية أو غير عمدية[28]. الأمر الذي جعل الفقه يرى بأن الركن المعنوي بصفة عامة، يتطلب مجموعة من العناصر تكاد تكون مشتركة بين في كل صور هذا الركن، وهذه العناصر هي: إرادة النشاط المكون للركن المادي للجريمة، العلم بكافة العناصر الواقعية الجوهرية اللازمة قانونا لقيام الجريمة، العلم بصلاحية النشاط لإحداث النتيجة، توافر موقف نفسي للفاعل إزاء النتيجة، فقد يريدها وقد يتوقعها فقط ويعتقد بقدرته على تجنبها.

صور الركن المعنوي للجريمة:

        للركن المعنوي للجريمة صورتين، صورة القصد الجنائي ونكون بصدده متى كانت إرادة الفاعل واعية وتقصد وتريد إحداث النتيجة المجرمة قانونا، وصورة الخطأ الجنائي ونكون بصددها متى كانت إرادة الفاعل مهملة في ارتكاب النشاط المادي وغير قاصدة تحقيق النتيجة المجرمة قانونا، والتي يرتبط توقيع الجزاء الجنائي بحصولها، لذا سنحاول تقسيم دراسة الركن المعنوي للجريمة إلى مبحثين، نتناول في الأول القصد الجنائي أو الجرائم العمدية أو القصدية،  لنتناول في الثاني صورة الخطأ الجنائي أو الجرائم غير العمدية.
.


المبحث الأول
القصد الجنائي أو القصد الجرمي ( العمـــــــد)

        بالرغم من أن القصد مشترط في كل الجرائم العمدية، غر أن المشرع لم يعرفه، وترك المهمة للفقه الذي تصدى بغزارة لوضع تعريف لهذا العنصر القانوني المهم،  لذا سنحاول أن نتناول محاولات الفقه الزاخرة في هذا الشأن في إطار مطلب أول نتناول من خلاله مفهوم القصد الجنائي لنتناول في الثاني عناصر القصد الجنائي، وفي الثالث أنواع وصور القصد الجنائي.

المطلب الأول
مفهوم القصد الجنائي

        يقتضي موضوع القصد الجنائي وتحديد ماهيته، أن نتناول التعريف به وتبيان عناصره والخلاف الفقه الذي ثار بشأن ذلك. من خلال الفروع التالية.

الفرع الأول
التعريف بالقصد الجنائي وتحديد أبعاده

أولا: تعريف القصد الجنائي

        يعني القصد الجنائي لغة، توجيه الإرادة نحو تحقيق هدف ما، أما اصطلاحا في لغة القانون الجنائي، فيعني توجيه الإرادة نحو ارتكاب الفعل المحظور قانونا، وهناك من القوانين التي عرفت القصد الجنائي، منها القانون الجنائي اللبناني في المادة 188 منه التي عرفت القصد بأنه:" إرادة ارتكاب الجريمة على نحو ما عرفها القانون". أما فقهيا، فالفقهاء اختلفوا منذ عدة قرون حول ما إن كان القصد عنصرا نفسيا بسيكولوجيا، أو مجرد حركة أو امتناع أدى إلى تحقيق النتيجة المجرمة قانونا، وتمخض عن هذا الخلاف ظهور نظريتين رئيسيتين تنازعتا في تعريف القصد الجنائي، النظرية التقليدية للقصد والنظرية الوضعية.

1- النظرية التقليدية ( الكلاسيكية) للقصد:

        ومن أهم زعماء هذه النظرية الفقيه الفرنسي ( إميل غارسون)، وحسبه فإن القصد يعني:" إرادة الشخص ووعيه وعلمه بأنه يرتكب فعلا أو امتناعا مجرم قانونا"، وبالتالي حتى يكون الإنسان متعمدا
 أو مرتكبا لجريمة عن قصد، يكفي أن يكون مدركا لخطورة سلوكه، وعالما بأن هذا السلوك محظور قانونا، وما دام هذا العلم مفترضا تطبيقا لقاعدة " لا عذر بجهل القانون" فيكفي عمليا حسب أنصار هذا الاتجاه، أن يكون السلوك المكون لركن المادي للجريمة صادرا عن إرادة حرة غير مكرهة، وعن وعي وإدراك سليم، أي ألا يكون الشخص منعدم الأهلية أو مجنونا أو مكرها[29]، وبعد ذلك لا يهم أن يكون الفاعل صاحب إرادة آثمة أو صاحب خطورة إجرامية على المجتمع، أم أن فعله ناتج عن مجرد عدم استقامة أو سوء تقدر أو عدم توقع لنتائج فعله، وبالتالي هي نظرية لا تفرق أصلا بين العمد ومجرد الخطأ، ونفهم بأنه يرون بأنه للركن المعنوي صورة واحدة هي صورة العمد. وهو وضع النظرية الشخصية دوما التي تركز على الإرادة دون الفعل.

2- النظرية الوضعية أو الواقعية:

        وهي النظرية التي نجد على رأس أنصارها الفقيه الإيطالي ( أنريكو فيري) وهو رائد المدرسة الوضعية الحديثة في علم الإجرام، وبحسبه القصد لا يعني فقط إرادة مجردة، بل القصد يعني الباعث الشرير الذي دفع بالشخص إلى ارتكاب الجريمة، فالفعل لا يعاقب عليه القانون إلا إذا نتج عن رغبة حقيقية في المساس بالمجتمع، وكلما انعدمت الإرادة الآثمة وكان الباعث نبيلا انتفى القصد وانعدمت المسؤولية الجنائية للفاعل، وهنا نلاحظ أننا لا زلنا بصدد النظرية الشخصية، المركزة على الإرادة الآثمة، والخلط بين الركن المعنوي والمسؤولية الجنائية، وهي نظرية لا تستقيم مع ما هو معمول به قانونا، سيما وأن القوانين الحديثة لا تحفل بالبواعث.

ثانيا: تحديد القصد الجنائي

        باستقراء الاجتهاد القضائي المطبق في الدول الغربية، خاصة في فرنسا، نجد بأن آراء المدرسة التقليدية هي المطبقة، كما يبدو ذلك من معظم النصوص القانونية الجزائية، ولعل ذلك راجع لواقعية وبساطة هذه النظرية وسهولة تطبيقها في تحديد القصد الذي يعتمد تحديده على:
- الإدراك: وهو أن الإنسان ما دام مدركا وغير مجنون وغير مكره أو غير مميز جنائيا فإن إدراكه مفترضا.
- الإرادة: لا يكفي العنصر الذهني السابق، بل لا بد أن يصدر الفعل عن إرادة حرة غير مكرهة.
- العلم: وهو العنصر المفترض في غالب الأحيان، والذي يعني علم الشخص بأنه يرتكب سلوكا محظور قانونا.
        والعناصر الثلاثة السابقة من العناصر السهلة الاستخلاص والاستنتاج، كونها عناصر ملموسة تمكن القاضي من استخلاص القصد بكل سهولة، دون الاعتماد على الجوانب النفسية والبسيكولوجية الصعبة الإثبات. وتبعا لما سبق، يمكن تعريف القصد بأنه:" إرادة النشاط والعلم بالعناصر الواقعية الجوهرية اللازمة لقيام الجريمة، وبصلاحية النشاط لإحداث النتيجة المحظورة قانونا مع توفر قصد تحقيق ذلك"، وبالتالي يمكن القول بأن عناصر العمد أو القصد الجنائي هي ذاتها عناصر الركن المعنوي، والمتمثلة عموما في: إرادة النشاط المكون للركن المادي للجريمة سواء تمثل في فعل إيجابي وهو الغالب دوما، أو مجرد امتناع أحيانا. العلم بالعناصر الواقعية الجوهرية اللازمة لقيام الجريمة. العلم بصلاحية النشاط أو الامتناع لإحداث النتيجة[30]. توافر الصلة النفسية بين الفاعل والنتيجة متمثلا هذا العنصر في قصد تحقيق هذه النتيجة، وينبغي أن يكون هذا القصد واضحا لا لبس فيه على نحو يأخذ فيه صورة العزم واليقين.

الفرع الثاني
عناصر القصد الجنائي

        كل التعاريف التي قيلت في تعريف القصد الجنائي، تدور حول محورين أو نقطتين أساسيتين، الأولى وهي " الإرادة"، والثانية وهي : العلم"، فبخصوص الإرادة تتجه غالبية التعريفات إلى ضرورة اتجاه إرادة الجاني إلى ارتكاب الجريمة، وبخصوص العلم فيشترط أن يعلم الجاني بجميع أركان هذه الجريمة، وبتحقق هذين العنصرين مجتمعين يقوم القصد الجنائي وبانتفائهما أو انتفاء أحدهما ينتفي هذا القصد.

أولا: عــنصر العــلم

        يعد العلم كعنصر مكون للقصد الجنائي، حالة نفسية تجعل من مرتكب الجريمة عالما بجميع أركانها وعناصرها وفقا لما حدده ورسمه المشرع في النص الجنائي أو في النموذج القانوني للجريمة، وينتفي العلم بالجهل بهذه العناصر والأركان[31]، وبانتفاء العلم ينتفي القصد، مثلما ينفيه أيضا الغلط[32]. غير أنه العلم بعناصر الجريمة يقتضي تبيان العناصر التي يقتضي العلم بها، وتلك العناصر التي لا تؤثر في قيام عنصر العلم، التي حتى وغن لم يعلم بها الجاني، قام قصده الجنائي، وهو ما نتناوله في النقطتين التاليتين.

1- العناصر التي يتعين العلم بها:

        يقوم عنصر العلم كأحد أهم أركان القصد الجنائي، على العلم بالعناصر والوقائع التي تعطي الوصف المتميز لجريمة ما مقارنة بسائر الجرائم الأخرى، وذلك وفقا لما رسمه المشرع في إطار النموذج التشريعي لها، وعلى العموم يعني العلم الإحاطة بكل واقعة ذات أهمية قانونية في تكوين الجريمة، سواء كانت عناصر أساسية أو مفترضة. وأهم هذه العناصر والوقائع:

أ – محل الجريمة أو الحق المعتدى عليه:
        العلم بموضوع الجريمة، أو الحق أو المصلحة المعتدى عليها من أهم العناصر الواجبة لقيام الجريمة وبالتالي يجب أن يعلم بها الجاني، مثل ملكية الغير للمال المسروق في جريمة السرقة، وكون الإنسان حي في جريمة القتل... وأن كل جهل بهذا العنصر يجعل من العلم منتفيا وينتفي بذلك القصد الجنائي.
ب- العلم بأن الفعل الذي يأتيه الجاني محظور قانونا، أي أنه يشكل جريمة من جرائم قانون العقوبات، وإن كانت مسألة العلم بالقانون قد أثارت العديد من الجدل الفقيه.
ج- العلم بزمان ومكان ارتكاب الجريمة، لكن متى كان هذين العنصرين من العناصر المكونة للجريمة، كجريمة التجمهر في مكان عام أو جريمة السكر العلني والقذف في مكان عام والمزايدة في زمن الحرب والكوارث الطبيعية...
د- العلم بالظروف المتطلبة قانونا في الجاني أو المجني عليه، كالعلم بحمل المرأة أو افتراض حملها في جريمة الإجهاض، والعلم بأن الشخص جزائري في جريمة الخيانة، والعلم بصفة الموظف في جريمة الرشوة، والعلم بالمرأة المتزوجة في جريمة الزنا...
ه- توقع النتيجة كون مجرد الغلط في النتيجة ينفي القصد الجنائي، ويسأل الشخص عن جريمة غير عمدية إن كان يمكن قيامها بهذا الوصف.

2- الوقائع التي لا يتعين العلم بها

        من أهم العناصر أو الوقائع التي لا يشترط العلم بها لقيام هذا العنصر الهام من عناصر القصد الجنائي، هي كل المسائل والعناصر التي تخرج عن نطاق تكوين أركان الجريمة، مثل نص قانون العقوبات والظروف المشددة للعقوبة والأهلية الجنائية وتوافر شروط العقاب.

أ- نص قانون العقوبات:
        لا يشترط لتوفر القصد الجنائي أن يعلم الجاني علما حقيقيا بنص قانون العقوبات أو القوانين المكملة له، بحيث أن كل جهل أو خطا في فهم وتفسير هذه النصوص لا يؤثر على توفر القصد الجنائي تطبيقا للمبدأ الدستوري " لا يعذر أحد بجهل القانون"، والتي نصت عليه بعض القوانين صراحة ضمن نصوص قانون العقوبات، كالقانون اللبناني في نص المادة 223 منه التي قضت انه:" لا يمكن لأحد أن يحتج بجهله الشريعة الجزائية أو تأويله إياها تأويلا مغلوطا فيه." حيث هناك قاعدة افتراض علم الكافة بأحكام قانون العقوبات.

ب- الظروف المشددة للعقوبة:
        لا يشترط أيضا لقيام القصد الجنائي لدى الجاني، أن يعلم الأخير بالظروف المشددة للعقاب، كونها ليست من العناصر التي تدخل في التكوين القانوني للجريمة، بل هي مجرد ظروف تتعلق بمسائل أخرى، في حين أن القصد الجنائي يتعلق بأركان الجريمة دون غيرها، لذا فالشخص الذي نسي أنه مسبوق فلا يؤثر على قيام ظرف العود لديه.

ج- عناصر الأهلية أو المسؤولية الجنائية:
        مثلما سبق القول، فإن كل المسائل غير المتعلقة بأركان الجريمة ليس لها علاقة بالقصد الجنائي، لذا فعناصر الأهلية الجنائية أو عناصر المسؤولية الجنائية لا يؤثر العلم أو الجهل بهما في شيء على عنصر العلم المتطلب في قيام القصد الجنائي، فمن كان يعتقد بإصابته بمرض عقلي عند ارتكابه الجريمة ثم تبين انه سليم، فإن ذلك لا يؤثر على قصده الجنائي.

د- شروط العقاب:
        ما قيل بخصوص الظروف المشددة للعقوبة وعناصر الأهلية والمسؤولية الجنائية يمكن قوله بخصوص شروط العقاب. التي لا يؤثر الخطأ أو الجهل بها بشيء في قيام القصد الجنائي.

ثانيا: عنصـر الإرادة

        الإرادة قوة داخلية نفسية تتحكم في سلوك الإنسان وتوجهه، وهي بذلك نشاط يصدر عن وعي وإدراك بهدف بلوغ هدف معين، والإرادة في القانون الجنائي، هي القوة المسيطرة والموجهة للسلوك المادي نحو تحقيق نتيجة محظورة قانونا، أو مجرد قيادة هذا السلوك في الجرائم الشكلية. وقد ثار خلاف فقهي بخصوص علاقة الإرادة بالنتيجة، ما دامت الإرادة تسيطر فقط على السلوك وان النتيجة اثر له، ومعنى ذلك أنه لا أثر للإرادة على النتيجة، فهي كل ما تتحكم به هو السلوك، غير أن مناقشة هذه المسألة تنازعته نظريتان أيضا، نظرية العلم ونظرية الإرادة. نظرية العلم، ويرى أنصارها بأن الرابطة بين النتيجة والإرادة هي رابطة ضعيفة، فمجرد وجود علاقة ولو بسيطة ( مجرد تصور أو توقع للنتيجة) يكفي للقول بإرادة النتيجة، كون هذه الأخيرة مجرد نتيجة طبيعية للسلوك لا يمكن السيطرة عليها، كونها حصلت كنتيجة لاحقة لهذا السلوك ولا يمكن للإرادة أن تسيطر على الأفعال اللاحقة للسلوك. أما أنصار نظرية الإرادة، فيرون ضرورة أن تكون الرابطة بين الإرادة والنتيجة رابطة قوية بحيث تتجه إرادة الفاعل إليها وترغب في تحقيقها، بحيث تسيطر الإرادة على النتيجة مثلما تسيطر على السلوك.

الفرع الثالث
لحظة توفر القصد الجنائي وكيفية إثباته
أولا: لحظة توافر القصد الجنائي

        إذا كان القصد الجنائي هو إرادة تحقيق الركن المادي للجريمة مع العلم بعناصره، فيجب لقيامه أن يتعاصر مع الركن المادي دون تفرقة بين ما يعد سلوكا وما يعد نتيجة، وإن لم تكن هناك صعوبة مثلا في جريمة القتل الفورية أين يطلق الشخص النار على آخر فيرديه قتيلا، فهنا يعد القصد قد تحقق في اللحظتين معا، لحظة إتيان السلوك، ولحظة تحقق النتيجة الفورية، غير أنه قد يحدث أن يتوفر القصد في إحدى اللحظتين دون الأخرى، وذلك لا يمنع من القول بتوفره أيضا، كالشخص الذي يندم بعد وضعه السم في طعام شخص آخر، غير أن الوفاة تحدث، فهنا يكون القصد متوفرا في حقه بالرغم من قيامه فعلا لحظة إتيان السلوك وتخلفه لحظة تحقق النتيجة، أو في الحالة العكسية – أين يتحقق القصد لحظة النتيجة دون أن يكون متوفرا لحظة السلوك-، مثل الصيدلي الذي يخطئ في تركيب دواء طلبه منه شخص معين، فيضع في هذا الدواء مادة سامة ويسلمه للمريض ثم بعد أن يغادر الأخير يكتشف خطأه لكن يمتنع عن تنبيهه مع قدرته على ذلك، رغبة منه في تحقق نتيجة الوفاة، ففي هذه الحالة أيضا يعد القصد متوفرا بالرغم من معاصرته فقط للنتيجة وتخلفه لحظة إتيان السلوك. وبهذا يمكن القول باختصار، أنه يكفي قيام القصد بعنصريه العلم والإرادة في أية مرحلة من مراحل تنفيذ الركن المادي، كون هذا الأخير حتى وإن أمكننا نظريا تحليله لعناصر، غير أن ذلك لا ينال من حقيقته كوحدة مادية واحدة يكفي توفر القصد فيها في أية لحظة من لحظاتها.

ثانيا: إثبات القصد الجنائي

        القصد يعد ركن من أركان الجريمة التي لا قيام لها بدونه، لذا يجب إثباته وإقامة الدليل على توفره، وتلك مسألة قانونية تخضع لرقابة محكمة النقض، غير أن إثبات المسائل النفسية لا يكون بطريق مباشر وإنما بطرق غير مباشرة بالاستدلال والاستنتاج من ظروف وملابسات كل قضية على حدة، خاضعا في ذلك للسلطة التقديرية لقضاة الموضوع دون رقابة عليهم من محكمة النقض، لأنها مسألة استنتاج ليس هناك مظهر بذاته يقطع بتوفره على سبيل الحتم والجزم واليقين. ويجب أن يظهر في الحكم وإلا كان معيبا ومعرضا للنقض والإبطال.



المطلب الثاني
صور القصد الجنائي

        يقسم فقهاء القانون الجنائي القصد الجنائي ( العمد ) عدة تقسيمات، فيقسم إلى قصد عام وقصد خاص، وقصد محدد وقصد غير محدد، وقصد مباشر وقصد غير مباشر.. وفي الغالب المشرع لا يرتب أية نتيجة قانونية على هذه الأنواع، ما عدا بخصوص التقسيم الأول- القصد العام والقصد الخاص- لكن باقي التقسيمات الأخرى يرى الفقه أن أثرها ينحصر في تقدير العقوبة الموقعة على الجاني، دون أن يكون لها أثر على الجريمة وقيامها.

الفرع الأول
القصد الجنائي العام والقصد الجنائي الخاص

أولا: القصد الجنائي العام
        القصد الجنائي العام هو القصد المطلوب في كل الجرائم العمدية، وينحصر في إطار النموذج التشريعي المنصوص عليه في النص، ولا يمتد للغرض الذي يسعى إلى تحقيقه الجاني، وبغض النظر عن غاية وباعث الجاني من وراء اقترافه الجريمة، بل ينحصر فقط في الهدف الضروري والمباشر للسلوك الإجرامي، وهو بذلك لا يختلف من جاني لآخر في الجريمة الواحدة.

ثانيا: القصد الجنائي الخاص
        القصد الجنائي الخاص، هو ذلك القصد الذي نكون بصدده عندما يتطلب القانون بالإضافة إلى القصد الجنائي العام، تحقق غاية معينة يبتغيها الجاني، وتكون هي التي دفعته لارتكاب الجريمة، وهي التي يستدل عليها بطرح سؤال بسبب ارتكاب الجاني لجريمته، لذا فالغاية التي يتضمنها القصد الخاص في حقيقتها مسألة خارجة أصلا عن وقائع الجريمة المتطلبة في تكوين نموذجها التشريعي، تؤدي في حال اشتراطها إلى اكتمال الركن المعنوي للجريمة. ولا يختلف القصد الجنائي العام على القصد الجنائي الخاص من حيث العناصر المكونة لكل منهما، كون القصد الجنائي الخاص يتطلب بدوره عنصري العلم والإرادة في حدود معينة تدور في الغاية التي يتطلبها المشرع، ونجد المشرع عندما يتطلب قصدا خاصا يستعمل عبارات مثل " بقصد" أو " بقصد الإضرار" أو " بغرض"....

الفرع الثاني
القصد الجنائي المحدود والقصد الجنائي غير المحدود

أولا: القصد الجنائي المحدود
        نكون بصدد القصد الجنائي المحدود، لما يحدد الجاني بدقة موضوع جريمته ويحدد ويحصر النتائج المراد تحقيقها من خلالها، أما ارتكاب الجريمة دون تحديد موضوعها ولا النتائج المراد تحقيقها، يجعلنا بصدد قصد غير محدد، وكلا النوعين يشترطان العلم والإرادة دون أن يفرق القانون ما يترتب عنهما بخصوص العقوبات، فكلاهما معاقب عليه لكن كثيرا ما يعد القصد المحدد ظرفا مشددا بالنظر لجسامة النتائج المترتبة عنه.

الفرع الثالث
القصد الجنائي المباشر والقصد الجنائي غير المباشر ( الاحتمالي)

        بالرغم من تشابه هذا التقسيم مع السابق، إلا أنه يختلف عنه في أساس التقسيم، حيث يعتمد في هذا التقسيم مدى اتجاه الإرادة إلى النتيجة والرغبة فيها أو قبولها، لذا يكون القصد مباشرا عندما تتجه إرادة الجاني لارتكاب الجريمة التي أرادها بكل عناصرها إلى تحقيق نتيجة معينة كأثر أكيد لسلوكه مع رغبة في حدوثها، مثل إطلاق النار على شخص محدد رغبة في قتله.
        أما إذا كان الجاني يتوقع إمكانية حدوث النتيجة ما بارتكابه سلوكه المجرم دون أن يكون متأكدا من حدوث هذه النتيجة، باعتبارها ممكنة الوقوع، ورغم ذلك غامر بارتكاب هذا السلوك، فهنا نكون أمام قصد احتمالي غير مباشر باعتباره قد قبل النتيجة التي تحققت، بمعنى أننا نكون بصدد قصد احتمالي في جميع الحالات التي يتوقع فيها الجاني النتيجة كأثر ممكن من سلوكه ومع ذلك يتصرف كأنه قابل بحدوثها بدليل عدم تراجعه عن سلوكه.


[1] - لأن المحرض قد يكون هو صاحب الفكرة الإجرامية منذ الوهلة الأولى، وقد يكون دوره مقتصرا فقط على إيجاد التصميم لدى الفاعل لارتكابها، كأن يقترح الفاعل ذاته فكرة الجريمة، ويقوم المحرض بتزيينها له ويولد لديه التصميم على
                                            القيام بها، إذ لولاه لما أقدم الفاعل على ارتكابها.
[2] - لذا نرى شخصيا وفي ظل غياب نص دقيق موضح للمسألة، أنه يجوز التحريض على فعل يعد جريمة لكن مصحوبا بسبب من أسباب الإباحة، مثل تحريض الأب على تأديب ابنه أو الزوج على تأديب زوجته، لأننا بتوفر سبب من أسباب الإباحة لا نكون أمام جريمة. ولا إشكال أيضا في حالة التحريض على فعل يعد جريمة لكن مرتكبه توفر لديه مانع من موانع المسؤولية، وهنا الشخص لا يعاقب بصفته محرضا وإنما بصفته فاعلا معنويا، الفكرة التي ستكون موضوع دراستنا لاحقا.
         لكن الإشكال الذي يطرح، هو حالة التحريض على فعل يشكل جريمة فعلا، لكن الشخص الفاعل يكون قد توفر لديه مانع من موانع العقاب، إذ مثل هذه الموانع لا تبيح الفعل وإنما تمنع توقيع الجزاء، مثل تحريض الزوج على سرقة زوجته
                   أو العكس، فهنا نرى أنه محرض كون موانع العقاب لا تمحي عن الفعل صفته الإجرامية.
[3] - نصت هذه المادة التي عدلت بموجب المادة 60 من القانون 06-23 المؤرخ في: 20-12-2006):" كل تحريض مباشر على التجمهر غير المسلح سواء بخطب تلقى علنا أو بكتابات أو مطبوعات تعلق أو توزع يعاقب عليه بالحبس من شهرين إلى سنة إذا نتج عنه حدوث أثره، وتكون العقوبة الحبس من شهر واحد إلى ستة أشهر وبغرامة من 20.000 إلى 100.000 دج أو بإحدى هاتين العقوبتين في الحالة العكسية.
            كل تحريض مباشر بنفس الوسائل على التجمهر المسلح يعاقب عليه بالحبس من سنة إلى خمس سنوات إذا نتج عنه حدوث أثره. وتكون العقوبة الحبس من ثلاثة أشهر إلى سنة وبغرامة من 20.000 إلى 100.000 دج أو بإحدى هاتين العقوبتين في الحالة العكسية."
[4]  - التهديد في قانون العقوبات الجزائري جريمة مستقلة بذاتها، وهو التهديد الذي قد يكون كتابة كما قد يكون شفاهة، وقد تضمنت المواد من  284 إلى 287 النص والعقاب عليه.
         وهو الأمر الذي يجعل الشخص المحرض على ارتكاب الجريمة عن طريق التهديد بصدد تعدد مادي للجرائم، فارتكب جريمة التحريض، وجريمة التهديد ويخضع لتوقيع العقوبة الشد.
[5] - نرى أن الفاعل في هذه الحالة لا يسأل جنائيا عن الجريمة التي حرض عليها وارتكبها، كونه توفر له مانع من موانع المسؤولية وهو الإكراه الذي سندرسه عند تناول مسألة المسؤولية الجنائية وموانعها. وذلك إذا توفرت شروط الإكراه، فقد يكون بوسع لمحرض مراجعة السلطات قبل التنفيذ.
[6] - وهنا يمكن التذكير بموضوع تم تناوله في إطار دراسة أسباب الإباحة، وبالضبط في مجال مدى جواز تنفيذ المرؤوس لأوامر رؤساءه غير المشروعة، ففي مثل هذه الحالة إذا ما نفذ المرؤوس أوامر رؤساءه بحسن نية وكان التنفيذ ينطوي على
                                    جريمة متعمدة سأل عنها الرئيس بصفته محرضا.
[7] - التي نصت على أنه:" إذا لم ترتكب الجريمة المزمع ارتكابها لمجرد امتناع من كان ينوي ارتكابها بإرادته وحدها فإن
                        المحرض عليها يعاقب رغم ذلك بالعقوبات المقررة لهذه الجريمة.".

[8] - استعمل المشرع الجزائري عبارة – بسبب وضعه أو صفته الشخصية- وهي عبارة نرى أنها تعوزها الدقة كثيرا، فالوضع والصفة لا يعنيان بالضرورة امتناع المسؤولية الجنائية لدى الشخص، بل هما أوسع نطاقا من ذلك، فمن توفر لديه مانع من موانع العقاب يعد صاحب وضع، كما أن فكرة الصفة الشخصية مسألة بعيدة كل البعد عن الأفكار القانونية.. لذا نرى أنه كان على المشرع الجزائري استعمال الشخص غير مسؤول جنائيا بصراحة ويضيف لها حسن النية، لأنه في رأينا بموجب
                       هذا النص يدخل حتى السكر والتخدير والزوج والزوجة في الجرائم المقيدة بقيد.....
[9] - يضرب الفقه بعض الأمثلة عن حسن النية، كأن يطلب أحدهم من عامل المطعم أن يناوله معطف ليس ملكا له موهما إياه أنه مالكه ويعتقد عامل المطعم بصحة ذلك، أو كان يشير أحد الأشخاص لحملة الحقائب بالمطار بأن يسوق له حقائب الغير
                                                   ويعتقد العامل أنه صاحبها.
[10] - بالإضافة للملاحظة السابقة، نلاحظ أن المشرع استعمل من لا يخضع للعقوبة بمعنى أصحاب موانع العقاب ولا حتى
                                      موانع المسؤولية ودقة المصطلحات تقتضي هذه الملاحظة.
[11] - وبعبارة أخرى قانونية، يمكن القول عن الشريك، أنه الشخص الذي يساعد الفاعل الأصلي على ارتكاب الجريمة ولكن
    بعمل لا يصل إلى ما يشكل الركن المادي للجريمة، أو لا تدخل في السلوك التنفيذي للجريمة على النحو الموصوف قانونا.
[12] - نرى أن المشرع الجزائري ما كان ليخسر شيء لو أضاف عبارة " فيها" التي تعود على الجريمة الأصلية، لتكون الفقرة
                 على النحو التالي: يعد شريكا في الجريمة من لم يشترك اشتراكا مباشرا فيها أو في تنفيذها..."
[13] - إن كان فاعل واحد فإننا لا نظن أن المسكن أو الملجأ يقدم له للاجتماع بل للجوء " ملجأ" لأن فكرة الاجتماع تتطلب تعدد
                                      الجناة والشخص لا يجتمع بنفسه بل يختلي بها.
[14] - نرى أن المشرع الجزائري هنا لم يترك نوع من أنواع الجرائم وإلا شمله النص، لذا لا ندري ما الذي كان يمنعه من النص صراحة بالعقاب على " كل من ارتكب جريمة من الجرائم المنصوص عليها قانونا" خاصة الجنايات والجنح. وفي تفسيري الخاص أن كل من ارتكب جنحة أو جناية أو شرع في ذلك – في الجنح إذا كان معاقب على الشروع فيها- وقدم له
                                                    هذا المسكن أو الملجأ .
[15] - المادة 387 (المادة 60 من القانون رقم 06-23 المؤرخ في: 20-12-2006):" كل من أخفى عمدا أشياء مختلسة
أو مبددة أو متحصلة من جناية أو جنحة في مجموعها أو في جزء منها يعاقب بالحبس من سنة على الأقل إلى خمس سنوات على الأكثر وبغرامة من 20.000 إلى 100.000 دج. ويجوز أن تجاوز الغرامة 100.000 دج حتى تصل إلى ضعف قيمة الأشياء المخفاة. ويجوز علاوة على ذلك أن يحكم على الجاني بالحرمان من حق أو أكثر من الحقوق الواردة في المادة 14 من هذا القانون لمدة سنة على الأقل إلى خمس نوات على الأكثر. وكل ذلك مع عدم الإخلال بأية عقوبة أشد إذا اقتضى الأمر في
                                حالة الاشتراك في الجناية طبقا للمواد 42 و43 و44. ".
[16] - ونشير هنا أن أنصار هذا الاتجاه هم أنصار المذهب الموضوعي في البدء في التنفيذ، بينما أنصار المذهب الشخصي الذين يعتبرون العدول من الأسباب الشخصية، فهم يرون عقاب الشريك عند عدول الفاعل الأصلي، كون العدول الاختيار للفاعل الأصلي يشكل ظرفا شخصيا يستقل به وحده، وأن المشرع ينص على استقلال كل فاعل بظروفه الشخصية، غير أن العدول في نظرنا يرتبط بماديات الجريمة كونه حال دون تحققها ماديا، وبالتي هو من الظروف الموضوعية التي يستفيد منها الجميع. وإن كان المشرع الجزائري يعتد بالعلم بها، فإننا نرى أيضا أنه في حال جهل الشريك بعدول الفاعل فإنه يستفيد بهذا
         العدول أيضا، لأننا لسنا بصدد جريمة، والاشتراك أفعال غير معاقب عليها ما لم ترتكب لجريمة الأصلية.
[17] - من الظروف الشخصية موانع المسؤولية وموانع العقاب والأعذار القانونية، فهنا كل شخص توفرت لديه يكون وحده المستفيد منها، فلا يمكن إن توفرت لدى الشريك أن ينتفع منها الفاعل والعكس صحيح، بينما الظروف العينة اللصيقة بالجريمة تسري على الكل بشرط أن يكون الكل على علم بها، ولا نقصد هنا أسباب الإباحة إذ هذه الأخيرة يستفيد منها الجميع بغض النظر عن العلم أو الجهل بها، بل المقصود الظروف العينية المتعلقة بالتشديد والتخفيف في العقاب مثل ظرف الليل في جريمة السرقة، فالشخص إذا كانت نيته الاشتراك في جنحة سرقة بالنهار وارتكبها الفاعل الأصلي مقترنة بظروف التشديد هنا يبحث
               عما إن كان الشريك يعلم بها أم لا فيشدد عليه إن كان عالما بها، ولا تشديد إن كان يجهل الأمر.
[18] - الملاحظ أن المسميات الفقهية للتعبير عن الركن المعنوي متعددة، سيما في ظل غياب تعريف تشريعي له، فسمي بركن الخطأ أو الإثم أو الذنب أو الإذناب أو الخطيئة، والركن الأدبي، لكن مهما تعددت هذه المسميات، فإن ذلك لا يؤثر على حقيقة
                          الركن المعنوي للجريمة، ولا ينقص من محتوى عناصره.
[19] - كون القانون لا يهتم بالفعل المادي الذي يرتكبه الفاعل بوصفه هذا، كون الحيوان أو الجماد يمكنه أيضا أن يحدث أضرارا مادية بالأفراد والممتلكات، وأن الوقت الذي كانت فيه الخرافات تدفع بالمجتمع إلى معاقبة غير البشر، وقت قد مر، وقد سجل تاريخ القضاء في أوروبا خلال القرون الوسطى العديد من المحاكمات العجيبة، التي أن فيها المتهم من الحيوانات، مثل الذئاب والخنازير والدببة والخيول والجرذان والحشرات والكلاب والقطط، كما كانت تستدعى الحيوانات أيضا للشهادة أمام المحاكم، فتعتبر شهود إثبات أو نفي بحسب ما يصدر عنها من حركة أو سكوت، بحيث كان سكوتها دليل على البراءة وحركتها
                                            دليل على الإدانة.
         وفي العصور الوسطى دوما، أصدر الملك الفرنسي فرنسوا الأول ( 1494-1574) قرار يجيز حضور المحامين مع الحيوانات الجانية للدفاع عنها، كما أصدر الحاكم "جون مارتوا" أمر بتدمير جرس " كنيسة بيرون" بسبب خيانة هذا الجرس، إذ
                                          بواسطته حرض المواطنون على التمرد.
[20] - في العصور السابقة الغابرة الضاربة في جذور التاريخ وحتى القرون الوسطى، لم يكن الأمر كذلك، فالمسؤولية كانت مادية أو موضوعية تعتمد على الركن المادي للجريمة فقط دون ركنها المعنوي، حيث كانت تقوم مسؤولية الشخص بمجرد
                       اقترافه السلوك المادي دون حاجة للبحث عن مدى توفر الخطأ أو الذنب أو الإثم لديه.
[21] - ومن صور استعمال المشرع لهذه العبارة، المادة 264 " كل من أحدث عمدا جروحا للغير..."، والمادة 273 :" كل من ساعد عمدا شخصا على الأفعال التي تساعده على الانتحار...."، والمادة 321 " كل من نقل عمدا طفلا أو أخفاه..."، والمادة 329 :" كل من تعمد إخفاء قاصر..."، وأيضا المواد 87 مكرر 5، 90، 160 مكرر4، 160مكرر 5، 160مكرر6، 160                      
                                                  مكرر 7....
[22] - ومن أمثلة ذلك في قانون العقوبات الجزائري، المادة 61/2 :"... القيام بالتخابر مع دولة أجنبية بقصد حملها على..."
                            والمادة 86 :" يعاقب بالإعدام ....بقصد الإخلال..."
[23] - ومن أمثلة ذلك في تقنين العقوبات الجزائري، المادة 65 :" ... بغرض تسليمها لدولة أجنبية"، المادة 77 :" المؤامرة التي
      يكون الغرض منها.." والمادة 84 :ط كل من يرتكب اعتداء يكون الغرض منه.." وأيضا المادة 85، 88، 114، 176...
[24] - ومن أمثلة ذلك في تقنين العقوبات الجزائري، المادة 119 مكرر:" ... تسبب بإهماله..." ، المادة 162 " ... بسبب
                                           الإهمال..." 288، 289
[25] - مثل نص المادة 120ق ع ج.
[26] - حيث أن القانون بموجب مبدأ لا جريمة بدون خطأ، أصبح يأخذ بعين الاعتبار الصلة النفسية بين الفاعل والفعل الذي كان فيما مضى مجردا منظورا له بطريقة مادية موضوعية وبصفة عامة ومجردة، ومنطق الأمور يبرر ذلك، فالأصل في الأشياء الإباحة، وأن الاستثناء هو التجريم الذي يكون بنصوص تشريعية واضحة ودقيقة ومبينة الأركان والعناصر لكل ما هو محظور على الأفراد إتيانه، وما عدا ذلك فهو مباح ما لم يكن يتعارض مع التزامات قانونية منصوص عليها في فروع القانون الأخرى، أو في العرف وقواعد العدالة وأحكام القانون الطبيعي. وأن المشرع بوضعه النصوص التجريمية والنص عليها في قانون العقوبات، يضع في اعتباره لأنها ستحقق أهدافها بموجب ما تتضمنه من وعد ووعيد وترهيب بإنزال الجزاء المرفق بها، كونه جزاء يتضمن معنى الردع العام وتحقيق المساواة والعدالة. ولعل ذلك ما يظهر منه أن المشرع يركز على الفعل على عكس الفاعل، وأن كل ما قام به هو تبيان الركن الشرعي للجريمة ومن خلاله الركن المادي. الأخير الذي لا يزال لغاية اللحظة يتصف بالعمومية والتجريد. غير أن الركن المعنوي يشكل نقطة تحول المشرع واتجاه نظره نحو الفاعل لا الفعل، وبه يبدأ التركيز على الجوانب العقلية والنفسية، وظروفه وأحواله من جنس وسن وما إلى غير ذلك. وبنوع من التجاوز حتى نواياه وخواطره وما إن كانت تنطوي على خطورة إجرامية، وبذلك يكون الركن المعنوي تجسيدا للاهتمام بشخص الفاعل والتمهيد لإقرار مسؤوليته الجنائية وصلاحيته لتوقيع الجزاء الجنائي عليه. أو الحد من كل ذلك أو منعه – من المسؤولية والعقاب- تبعا لانعكاسات مقوماتها على ظروف الجاني الشخصية والنفسية.
         ولغاية هذا الركن، تكون الجريمة محكومة بالعديد من المبادئ إذ: لا جريمة بدون نص، ولا جريمة بدون فعل، ولا جريمة بدون خطأ أو إثم، بمعنى أن الجاني بالوصول لهذا الركن وكأنه يعبر عن علمه بتجريم الفعل، وبالرغم من ذلك ارتكبه
                                  ومستعد لتوقيع الجزاء المقرر له.
[27] - لذلك فلا مجال لمسايرة الآراء الفقهية المنادية بجعل الركن المعنوي نفسه المسؤولية الجنائية، كما لا ينبغي أيضا أن نخلط في دراستنا بين الموضوعين، وذلك بالنظر لاستقلال كل منهما عن الآخر، وبذلك لا يمكن أن تعالج نظرية المسؤولية الجنائية في إطار دراسة الركن المعنوي للجريمة، كونها أثر من آثار ارتكاب الجريمة، فيجب دراستها بعد استكمال دراسة كل أركان الجريمة كمحصلة عن قيام الأخيرة قانونا.
[28] - بالرغم من أن المشرع يخرج عن هذه القاعدة أحيانا، سيما في مجال المخالفات، الأمر الذي أدى بالفقه والقضاء خاصة بفرنسا وإنجلترا إلى القول بأن المخالفات مجرد جرائم مادية يكفي لقيامها وقوع الفعل المادي دون اشتراط الركن المعنوي، وذلك لكونها مجرد خرق للتنظيمات واللوائح، ولا تشترط أي إثم أو عدوان وهما العنصرين المشكلين للركن المعنوي للجريمة، وأن ارتكابها لا يعني أي خرق لقيم المجتمع بل هي خرق لتنظيم أو أمر إداري مبتدع، ولعل أكبر دليل في التشريع الجنائي الحديث، ما ورد بنص المادة 121/3 من تقنين العقوبات الفرنسي الجديد لسنة 1992 والذي دخل حيز النفاذ سنة 1994 التي قضت على أنه:" لا جناية ولا جنحة دون نية ارتكابهما"، فهو نص لم يذكر المخالفات، ويضيف الفقه دعما لموقفه السابق، بان العقوبات المقررة للمخالفات هي في الغالب عقوبات مالية تعبر عن تقدير المشرع لعدم خطورة فاعلها، على عكس المعمول به
                                                    في الجنايات والجنح.
[29] - بمعنى ألا يكون ممتنع المسؤولية الجنائية، وبالتالي الاتجاه الكلاسيكي هذا هو الذي يخلط أو يدمج بين فكرة الركن
                                          المعنوي للجريمة وفكرة المسؤولية الجنائية.
[30] - قد يرقى هذا العلم لحد اليقين إذ تصبح النتيجة متوقعة كأمر لازم، فيتوفر العمد أو القصد الجنائي في صورته المباشرة، وقد يبلغ درجة الاحتمال إذ يصبح الأصل في علم الجاني هو حدوث النتيجة ما لم يطرأ ما يحول دون ذلك، وبهذا الاحتمال
                               أو التوقع يتوفر القصد الجنائي في صورته غير المباشرة أو المحتملة.
[31] - الجهل يعني عدم العلم إطلاقا بأمر معين، أما الخطأ فهو علم أو تصور خاطئ.
[32] - والمقصود هو الغلط المادي، ومثاله الصياد الذي يتصور أنه يرى طائر في الغابة، فيطلق عليه النار، ويتبين لاحقا أنه قتل إنسانا متواري في هذه الغابة، فمثل هذا الشخص لا يقوم في حقه القصد الجنائي لجريمة القتل، كونه وقع في غلط مادي ينصب حول حقيقة الفعل الذي وقع بالفعل، وقد نص المشرع اللبناني على هذا النوع من الغلط صراحة في نص المادة 224 التي قضت بأنه:" لا يعاقب... في جريمة مقصودة من أقدم على الفعل بعامل غلط مادي واقع على أحد العناصر المكونة للجريمة"، لذا يشترط في مثل هذا الغلط المادي أن يكون جوهريا متعلقا بواقعة لها أهمية قانونية في قيام الجريمة، لا أن يكون غلطا غير جوهريان ومن أمثلة الغلط غير الجوهري هو الغلط في الشخصية، كأن يعتقد الشخص أنه يطلق النار على ( أ) في حين هو أطقها فعليا على (ب)، كما لا يعد الغلط في التصويب غلطا ماديا، كإطلاق النار على ( أ) فيصاب (ب)، وهو ما نص عليه أيضا المشرع اللبناني صراحة في نص المادة 226 من تقنين عقوباته، التي قضت ب:" إذا وقعت الجريمة على غير
              الشخص المقصود بها، عوقب الفاعل كما لو اقترف الفعل بحق من كان يقصده." .

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire