mardi 2 novembre 2010

محاضرات في القانون الجنائي العام جزء 08


المبحث الثاني
الخطأ الجــــنائي
الركن المعنوي للجريمة غير العمدية

        الجرائم إما أن تكون عمدية تقوم بتوفر القصد الجنائي هو الأصل، وإما غير عمدية تقوم بمجرد توفر الخطأ الجنائي[1]، فالجريمة العمدية إن كانت تقوم على قصد إتيان السلوك وترتيب النتائج الضارة المترتبة عليه، فالجريمة غير العمدية أو الجريمة الخطئية، فيكفي فيها إتيان سلوك حتى دون قصد إتيانه أو قصد تحقيق النتيجة.    وغالبية المشرعين لم يعرفوا الخطأ، بل اكتفوا بتبيان صوره، وهي الصور التي تتضح في الغالب بمناسبة تجريم الجروح الخطأ والقتل الخطأ، وهو ما فعله المشرع الفرنسي في المادتين 319 و320 من تقنين العقوبات الفرنسي، التي أوردها المشرع الجزائري في المادتين 288 و289 من تقنين العقوبات الجزائري، وهي صور تبين بأن الخطأ هو إخلال الجاني بواجبات الحيطة والحذر التي تتطلبها الحياة الاجتماعية حتى ولو لم يتوقع النتيجة الإجرامية، كونه كان بإمكانه أن يتوقعها، لذا توصف إرادته في هذه الحالة بأنها آثمة لمجرد أنها لم تلتزم باتخاذ التدابير اللازمة لتفادي وقوع النتائج الضارة والمحظورة المترتبة عن سلوكه[2].       وعليه يظهر بجلاء الفرق بين الخطأ الجنائي والقصد الجنائي، كون الإرادة في الأول تسيطر على السلوك المادي دون النتيجة، هذه الأخيرة التي قد لا يكون يتوقعها أصلا، أو توقعها واعتقد أنه بإمكانه تجنبها، بينما في القصد تسيطر الإرادة على ماديات الجريمة وتسعى أيضا لتحقيق النتيجة وترغب فيها، لكن هذا القول لا يعني إطلاقا انعدام أية علاقة بين النتيجة والإرادة في الجرائم غير العمدية، بحيث أنه إذا ثبت بأن هذه العلاقة منعدمة فلا تقوم الجريمة ولا يسأل المتهم على النتيجة لأنه لم يثبت الخطأ في جانبه متى اتخذ قدر معين من الحيطة والحذر، أي اتخاذ جانب من الحيطة والحذر كافي لنفي القصد الجنائي.

المطلب الأول
ماهية الـــخطأ الجنائي

        الخطأ الجنائي هو انحراف الشخص إراديا غير مكره عن واجبات الحيطة والحذر التي تقتضيها الحياة الاجتماعية، لذا فإتيانه سلوك متصف بالتهور يجعله سلوك محظور بالرغم من انتفاء قصد إتيانه، ومن ذلك يتضح أن الخطأ الجنائي مفهوم غير مفهوم القصد الجنائي، ويتعين تناول ماهيته وعناصره في الفرعين التاليين.
الفرع الأول
مفهوم الخطأ الجنائي

        لم يعرف المشرع الخطأ الجنائي غير العمدي تاركا المهمة للفقه، الذي عرف الخطأ بأنه إخلال بالتزام عام يفرضه المشرع على الأفراد بالتزام الحيطة والحذر فيما يباشرونه من نشاط، وذلك حرصا على المصالح التي يحميها القانون[3]. وعرفه البعض بأنه " اتخاذ الفاعل سلوكا منطويا على خطر وخمول إرادته في منع هذا الخطر من التحول إلى ضرر" أو " إخلال شخص عند تصرفه بواجبات الحيطة والحذر التي يفرضها القانون، وعدم حيلولته تبعا لذلك دون أن يفضي تصرفه إلى إحداث النتيجة الجرمية، سواء أكان لم يتوقعها في حين كان ذلك في استطاعته ومن واجبه، أم توقعها ولكن حسب غير محق أن بإمكانه تجنبها"،
 أو هو :" اتجاه الإرادة إلى السلوك الإجرامي دون قبولها بتحقق النتيجة الإجرامية التي يفضي إليها هذا السلوك مع عدم الحيلولة دون وقوعها "، وقد عرفته محكمة النقض المصرية، بأنه تصرف الشخص تصرفا لا يتفق والحيطة التي تقضي بها ظروف الحياة العادية، فهو بذلك عيب يشوب مسلك الإنسان لا يأتيه الرجل العادي المتبصر الذي أحاطت به ظروف خارجية مماثلة للظروف التي أحاطت بالشخص المسؤول.

        ويمكن أن نستنتج مما سبق بأن الخطأ الجنائي يقوم على فكرة " إمكانية التوقع" كونها الفكرة الضرورية التي بدونها لا يقوم الركن المعنوي في الجرائم غير العمدية وتخرجنا لمجال الحادث الفجائي، خاصة وأننا بها نبقى في دائرة الإرادة اللازمة للركن المعنوي في صورتيه، القصد والخطأ، واستنادا لذلك يتلخص الخطأ غير العمدي في عدم توقع الجاني لما يترتب على سلوكه من نتائج، بالرغم من كون هذه النتائج في ذاتها مما يمكن توقعها، أو مما يجب أن يتوقعها، كما قد يرتكز على توقع الجاني لما يمكن أن يفضي إليه سلوكه، لكن رغم ذلك يمضي فيه معتقدا أنها نتائج قد لا تحدث، أو ظنا منه أنه اتخذ ما يلزم من احتياطات للحيلولة دون حدوث هذه النتائج، في حين أن مثل هذه الاحتياطات لم تكن كافية. لذا فبعيدا عن التعاريف، سنحاول تنال جوهر الخطأ وأساس العقاب عليه في النقاط التالية.

أولا: جوهر الخطأ

        جوهر الخطأ يختلف من حيث الزاوية التي ينظر منها إليه، فمن وجهة نظر اجتماعية يتمثل جوهر الخطأ في إخلال الجاني بواجبات الحيطة والحذر، مما يترتب عليه إضرارا بالحقوق والمصالح التي يحميها القانون، وهو بذلك إتيان سلوك أو الإحجام عن إتيان سلوك ينطوي على خطر المساس ببعض الحقوق والمصالح التي تتطلب درجة من الحرص والانتباه حال التعامل معها أو التواجد في نطاقها المادي، ومن وجهة نظر نفسية يعد جوهر الخطأ في الغلط الذي ينشأ من الجهل ببعض الحقائق الاجتماعية أو القانونية فيما تمليه على الأفراد من واجب الالتزام بالسلوك الحريص، فتجربة الحياة تزودنا بمجموعة من الحقائق التي تخاطب الكافة، وقد لا تكون هذه الحقائق مكتوبة ومع ذلك فهي بمثابة قواعد اجتماعية ترسم حدود السلوك سواء باتباعه أو الواجب تفاديه.

ثانيا: أساس العقاب على الخطأ

        الخطأ وعلى خلاف القصد الجنائي لا يعد سببا عاما لقيام المسؤولية الجنائية، بل يعتبر سببا خاصا لقيامها في جرائم معينة بذاتها، وإن كانت المسؤولية في القصد الجنائي هي مسؤولية أدبية قوامها الإثم
أو الخطيئة، فإن المسؤولية الجنائية في الخطأ هي أشبه ما تكون بمسؤولية اجتماعية قوامها الإضرار بالحقوق والمصالح القانونية بالإهمال أو الرعونة أو ما إلى ذلك من صور الخطأ، وبمعنى آخر لا يعاقب القانون الجاني في الخطأ عن إرادته الآثمة بل عما صدر عنه من نشاط صادر عن إرادة خاملة أو غافلة، وبالتالي المسؤولية الجنائية عن الخطأ لا تتقرر إلا بناء على نص خاص، إن لم يوجد امتنع العقاب عن السلوك كجريمة عمدية.

الفرع الثاني
عناصر الخـــطأ

        تتحدد عناصر الخطأ في إرادة السلوك سواء كان فعلا أو امتناعا، وهو العنصر المشترك بين كافة صور الركن المعنوي، والعنصر الثاني انتفاء إرادة تحقيق النتيجة وهو العنصر الحاسم للتمييز بين القصد الجنائي والخطأ غير العمدي ، والعنصر الثالث هو انتفاء العلم بصلاحية السلوك لإحداث النتيجة كليا أو أن يتخذ هذا العلم أدنى درجاته وهي درجة الإمكان ، وأهم ما نتناوله عنصر العلم .

أولا: عنصر العلم

        العلم في الخطأ غير العمدي يمثل عنصرا هاما كونه العنصر المميز للخطأ عن باقي صور الركن المعنوي للجريمة ويميز الخطأ حتى في حد ذاته، حيث أن موقف الجاني من العلم بصلاحية النشاط لإحداث النتيجة المحظورة قانونا يتحدد في إحدى الصور الثلاث التالية: إما انتفاء العلم كلية على نحو لا يتوقع فيه الجاني حدوث النتيجة وليس في مقدوره توقعها، وهي صورة تقترب أكثر لفكرة القوة القاهرة أو الحادث الفجائي، وبالتالي تخرج من نطاق صور الخطأ تماما، كالشخص الذي تنفجر عجلة سيارته فجأة لخطأ في الصنع فيصدم شخصا ويرديه قتيلا، أو كالشخص الذي يصطاد في الليل في منطقة خالية تماما من السكان فيطلق رصاصة على ما رآه يتمشى معتقدا أنه فريسة فإذا به شخص، ففي مثل هذين المثالين انتفى علم الجاني بإمكانية إحداث سلوكه للنتيجة التي وقعت ولم يكن أصلا بإمكانه توقعها، وأما الصورة الثانية فهي انتفاء علم الجاني بصلاحية سلوكه لإحداث النتيجة مع عدم توقعه حصولها لكن كان بإمكانه أن يتوقع ذلك، كترك الأم سما أمام أطفالها مما يمكن أن يأخذه أحدهم، أما الصورة الثالثة فتتمثل في توفر علم الجاني بصلاحية سلوكه في إحداث النتيجة في أدنى درجات العلم، وهي درجة الإمكان، لكنه كان يأمل في عدم حصولها معتمدا في ذلك على مهارته وخبرته، ويسمى هنا الخطأ مع التبصر أو الخطأ الواعي، كمن يقود سيارته بسرعة كبيرة ليلا والشارع يخص بالمارة محاولا اللحاق بميعاد فاته ويترتب على ذلك أن يصدم أحد المارة ويودي بحياته.
ثانيا: عنصر الإدراك
        وهو عنصر ذهني ضروري في كل الجرائم، سواء كانت عمدية أو غير عمدية، فالخطأ مثلما سبق القول هو انحراف عن السلك العادي المألوف، لذا يجب أن يكون المخطأ مدركا لتصرفاته، وإلا انتفى عنصر هام من عناصر الخطأ.

ثالثا: عنصر الإرادة
        السلوك الذي يأتيه الشخص في الجرائم غير العمدية يبقى دائما سلوكا إراديا، لأنه أراد أن يتصرف على النحو الذي تصرف به، وكل ما في الأمر أنه لم يرد فقط تحقيق النتيجة التي ترتبت عن سلوكه، وهو ما يميز الخطأ عن العمد.

رابعا: عنصر الانحراف
        يشترط لقيام الخطأ إمكانية نسب الضرر لمسببه، لذلك يشترط أن يثبت أن السلوك المنحرف للشخص هو الذي سبب النتيجة الضارة كما يجب أن يثبت بأنه سلوكه يشكل سلوك منحرف. لكن السؤال الذي يطرح، هو : ما المعيار الذي يمكننا من التمييز بين السلوك العادي السلوك المنحرف؟.  بصدد البحث عن هذا المعيار، تأثر الفقه الجنائي بأفكار القانون المدني، وهو ما تجلى في فكرة وحدة الخطأين المدني والجنائي[4]، وذلك باستعارتهم معيار الخطأ من القانون المدني، وهو معيار الرجل العادي، حيث لكي يقاس سلوك الشخص وبحث ما إن كان منحرفا أم لا، يقاس بسلوك الرجل العادي الذي هو رب الأسرة العاقل المعتني بشؤون نفسه وشؤون أسرته، والذي لا هو بالرجل الخارق الذكاء ولا بالأبله، بل هو متوسط الحذر والذكاء والسن والثقافة، فإن وجدنا سلوك الشخص مخالف لسلوك هذا الرجل، قلنا بقيام الخطأ، وإن وجدنا بأن الشخص العادي كان سيتصرف مثلما تصرف الشخص انتفى الخطأ، دون أن يهمل في ذلك أيضا مختلف الظروف والملابسات المحيطة بالجريمة وهو أمر خاضع لسلطة قضا الموضوع دون رقابة عليهم من محكمة النقض.

المطلب الثاني
صور الخــــطأ الجنائي ودرجاته

للخطأ الجنائي صور حددها المشرع، وأثارت الخلاف ما إن كانت على سبيل الحصر أو على سبيل المثال، وفي العادة التشريعات متفقة بخصوصها، كما انه للخطأ درجات وحالات وضوابط  وأثارت العديد من الجدل الفقهي، وهو ما نتناوله باختصار في الفرعين التاليين.

الفرع الأول
صور الخطأ الجنائي

حدد المشرع الجزائري صور الخطأ الجنائي بمناسبة نصه على أخطر الجرائم غير العمدية، وهما جريمتي الجروح الخطأ والقتل الخطأ، المنصوص والمعاقب عليهما بموجب المادتين 288 و289 من تقنين العقوبات الجزائري[5]، اللتان أوردتا صور الخطأ على سبيل الحصر لا المثال، لذلك لا يجوز القياس عليها ولا تفسيرها بصورة موسعة إعمالا لبدا الشرعية الجنائية، وهذه الصور هي: الرعونة، عدم الاحتياط، الإهمال وعدم الانتباه، عدم مراعاة الأنظمة والقوانين.

أولا: الرعــــــونة

        وهي الصورة التي يسميها الفقه أيضا ب:" الخطأ الفني"، وهي تعني نوع من الطيش والخفة وسوء التقدير في عمل يتعين من القائم به أن يكون على دراية وعلم به، أو هي سوء تقدير للكفاءة والقدرة، وهي في العادة تنجم عن عدم مراعاة قواعد الخبرة الإنسانية الخاصة أو المهنية التي توجبها ممارسة مهنة
أو حرفة معينة، من ناحية، ومن ناحية ثانية، قد تنجم عن مسلك إيجابي يقوم به الجاني كان يتعين عليه الامتناع عن القيام به بالكيفية التي تم بها، أو في الوقت الذي تم فيه، كالطبيب الذي يقوم بإجراء عملية جراحية لمريض دون أن يراعي في ذلك أبسط الأصول المهنية والقواعد العلمية، فيترتب على ذلك موت المريض، أو دون أن يستعين بطبيب تخدير، أو يكتفي بتخدير موضعي بينما توجب الأصول العلمية أن يكون تخديرا كليا، وكذا صاحب البناء الذي يتقاعس عن صيانة عقاره وترميمه فيتسبب في قتل خطا. وعليه،
 ومثلما تقدم، تقوم حالة الرعونة نتيجة موقف أو سلوك سلبي، في الحالات التي يحجم فيها الجاني عن اتخاذ عمل كان توجبه قواعد الخبرة المهنية باتخاذه، كالممرضة التي يستغرقها مشاهدة إحدى المسلسلات التلفزيونية أو مواصلة الثرثرة مع زميلاتها فلا تقوم إعطاء المريض المتواجد في حالة خطر دواءه في الميعاد المحدد بما يؤدي إلى وفاته.

ثانيا: عـــدم الاحتياط

        وتسمى فقهيا أيضا " عدم الاحتراز"، وهي حالة تقوم بمجرد الاستخفاف بالأمر وعدم اتخاذ الاحتياطات اللازمة لمنع حدوث الضرر الممكن تصور حدوثه من أمر قابل لإحداث مثل هذا الضرر، وبالتالي عدم الاحتياط في جوهره عبارة عن اتخاذ موقف إيجابي يتمثل في مباشرة الجاني لسلوك كان يتعين عليه الامتناع عن إتيانه، نظرا لما يترتب عليه من أضرار، وأن قواعد الخبرة الإنسانية العامة تأبى إتيان مثل هذه السلوكات في مثل هذه الظروف، كسائق السيارة الذي يقود سيارته بسرعة جنونية في شارع مليء بالمارة فيصدم أحدهم فيقتله، أو كالأب الذي يسلم ابنه الصغير عجلا فيفلت منه ويصدم أحد الأشخاص فيقتله.

ثالثا: الإهمال وعدم الانتباه

        الإهمال هو سلوك يتمثل في عدم بذل الشخص العناية اللازمة في عمل يتطلب مثل هذه العناية، كمن يهمل صيانة سيارته ويصدم شخصا بسبب عدم اشتغال المكابح، وبالتالي الإهمال هو اتخاذ موقف سلبي من عمل كان يتعين اتخاذه وفقا لما تمليه قواعد الخبرة الإنسانية العامة، مما يجعل من هذا الامتناع يرتب نتائج ضارة، كامتناع حارس ممر السكة الحديد عن إغلاق ممر الراجلين وقت مرور القطار مما يجعله يصدم أحد المارة، أو الأم التي تترك رضيعها بجوار موقد غاز مشتعل مما يؤدي إلى سقوطه في إناء ماء مغلي. أما عدم الانتباه فهو انحراف يتمثل في عدم اكتراث الشخص بضرورة اليقظة الدائمة فيسبب ذلك ضررا للغير.

رابعا: عدم مراعاة الأنظمة والقوانين
       
على خلاف صور الخطأ السابقة التي تقوم كلها على مخالفة قواعد الخبرة الإنسانية العامة
أو الأصول العلمية والمهنية، فإن هذه الصورة تعد أبسط وأسهل صور الخطأ للإثبات، إذ يكفي مقارنة سلوك الشخص مع متطلبات القوانين والأنظمة، فمجرد كون السلوك مخالفا للوائح والأنظمة تقوم الجريمة، مثلما هو الأمر في مخالفة قوانين المرور أو قواعد البوليس المنظمة لحركة سير المركبات واستخدام الآلات والأسلحة، ويستوي في هذه القواعد أن تكون صادرة عن السلطة التشريعية كما هو الشأن بالنسبة للقوانين بالمعنى الضيق للمصطلح، أو عن السلطة التنفيذية مثل لوائح التنفيذ والتنظيم والضبط، أو صادرة عن السلطات الإدارية في الحدود المسموح لها بإصدار مثل هذه اللوائح، وفي هذه الصورة قد يجد الشخص نفسه أمام جريمتين، جريمة مخالفة الأنظمة واللوائح حتى وإن لم يترتب عليها أي ضرر، وجريمة أخرى تتمثل فيما أحدثته هذه المخالفة من أضرار للغير.       ومخالفة الأنظمة واللوائح عبارة عن خطأ مفترض لا تلتزم المحكمة بإقامة الدليل على توفره، على خلاف صور الخطأ الأخرى، فبمجرد مخالفة الأنظمة والقوانين ينعت سلوك المخالف بالخاطئ، وافتراضه يرقى لمرتبة حد القرينة القاطعة التي لا تقبل إثبات العكس.
        والملاحظ بأن هذه الصورة الوحيدة من صور الخطأ التي لا يشترط فيها المشرع حصول نتيجة معينة بل مجرد مخالفة اللائحة أو النظام يقيم الجريمة، بل أن حصول نتيجة محظورة قانونا تجعل الشخص يسأل عن جريمتين. مما يجعل من هذه الصورة جريمة شكلية أو جريمة سلوك محض، على خلاف باقي الصور الأخرى التي تعد فيها الجريمة غير العمدية جريمة مادية ذات نتيجة ضارة يشترطها المشرع لقيام الجريمة.

الفرع الثاني
ضابط الخطأ الجنائي وحالاته

        اختلف الفقه بخصوص الضابط الحاكم للخطأ، وكالعادة انحصر الخلاف بين المذهبين الموضوعي والشخصي، وظهر الاتجاه التوفيقي، كما حاول الفقه تحديد حالات الخطأ، وهو ما نبينه في النقطتين التاليتين.

أولا: ضابط الخطأ

        بعد أن تتحدد صورة الخطأ على النحو السابق، وجب البحث عن المعيار الذي يقاس به هذا الخطأ، وثار تساؤل عما إن كان يرجع في ذلك إلى معيار شخصي يتمثل فيما توقعه الجاني بالفعل، أو كان بإمكانه أن يتوقعه، أو فيما كان يجب أن يتخذه من احتياطات، أم يرجع في ذلك إلى معيار موضوعي يتمثل في معيار الرجل العادي المتمثل في الشخص متوسط الذكاء والحذر والحيطة بعيدا عن حرص الجاني ذاته؟، وهنا كالعادة ظهر المعيار الموضوعي المعتمد على " معيار الرجل العادي"، والذي انتقد على أساس أنه معيار مادي لا يلاءم فكرة نفسية متمثلة في الركن المعنوي، لذا طرح البعض المعيار الشخصي المتمثل في بحث موقف الجاني نفسه في ظروفه الآنية والواقعية مع مختلف جوانب شخصيته وما يتمتع به من ذكاء وقدرات، وبالتالي إن كان الجاني ولا أحد سواه يعلم أو يتوقع بصلاحية سلوكه لإحداث النتيجة قام الخطأ في جانبه، أما إذا كان الجاني متواضع القدرات ومحدود الخبرة وقليل الذكاء يجهل بصلاحية سلوكه لإحداث النتيجة أو لا يتوقع ذلك فإن الخطأ ينتفي في جانبه، ويميل الفقه إلى اعتبار المعيار الشخصي أكثر ملائمة لتقدير فكرة الخطأ واستخلاص عنصر العلم لدى الجاني. وغالبية الفقه يرى أنه يجب إعمال معيار مختلط يجمع ما بين المعيار الشخصي والمعيار الموضوعي، حيث يؤخذ من المعيار الموضوعي معيار الشخص العادي إذا وجد ضن نفس الظروف، حيث إذا وجد الجاني قد التزم بقدر من الحيطة والحذر في تصرفه يوافق ما كان يفعله الشخص المعتاد الذي وجد في مثل ظروفه، انتفى خطأه، أما إذا بذل قدرا من الحيطة والحذر أقل من ذلك نسب إليه الخطأ. نحن نرى أن هذا المعيار ما هو إلا تكريس لمعيار موضوعي، ونرى أنه بما أننا بصدد الركن المعنوي فالقاضي يأخذ في اعتباره دوما المعيار الشخصي باعتبار الركن المعنوي ينطوي أكثر على جوانب نفسية أكثر منها موضوعية.
ثانيا: حالات الخطأ
للخطأ حسب غالبية الفقه، حالتين أيا كانت الصورة التي اتخذها، وهي إما أن يكون خطئا واعيا وإما أن يكون خطئا غير واعي. فالخطأ الواعي faute consciente، ويسمى أيضا الخطأ بتبصر أو الخطأ المصحوب بتوقع، هو الحالة التي يتوقع فيها الجاني حصول النتيجة الضارة لكنه لا يريدها، ويأمل في عدم حدوثها، إما نتيجة لاحتياط اتخذه يحول دون حدوثها في حين لم يكن كافيا، والحالة التي لا يتخذ فيها أصلا أي احتياطات للحيلولة دون حدوثها، مما يعني أنه يستوي لديه حدوثها من عدمه. والحالة الثانية، هي الخطأ غير الواعي faute inconsciente، ويطلق عليه أيضا الخطأ بغير تبصر أو الخطأ غير المصحوب بتوقع، وهي الحالة التي لا يتوقع فيها الجاني حدوث النتيجة الضارة، في حين كان يجب عليه أن يتوقع ذلك أو من واجبه أن يتوقعها، وطالما لم يتوقع الجاني النتيجة، فإنه على عكس الحالة السابقة لا يتخذ أي إجراءات تحول دون حدوث النتيجة.

الفرع الثالث
الخطأ المدني والخطأ الجنائي

        نصت المادة 124 وتقابلها في القانون المصري المادة 163 التي نصت على أنه :" كل خطأ سبب ضررا للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض" ، وبالتالي المشرع المدني لم يحصر صور للخطأ كما لم يحدد لها درجات.لذا ثار تساءل منذ زمن، ما إن كان المشرع الجنائي بدوره يرتب المسؤولية الجنائية عن الخطأ أيا كانت درجته، أم أنه خلافا للمشرع المدني يستلزم أن يرقى الخطأ إلى درجة من الجسامة حتى يمكن أن يرتب المسؤولية الجنائية غير العمدية .    ولقد ساد ولزمن طويل قديما أن الخطأ يقسم إلى ثلاث درجات، الخطأ الجسيم الذي تكون نتيجته الضارة متوقعة من قبل الجميع، والخطأ البسيط، الذي يكون ضرره متوقع فقط من قبل الرجل المعتاد، والخطأ اليسير جدا وهو الخطأ الذي يكون ضرره غير متوقع وغير ممكن إلا بانتباه غير عادي يفوق انتباه ما يحظى به الرجل العادي، وهي الدرجات الثلاث التي يجب أن ينظر إليها في كل حالة على حده آخذين بعين الاعتبار للسن ودرجة الثقافة، وكان التساؤل في ظل هذه التفرقة : بأي درجة يقوم الخطأ الجنائي ؟ وما إن كان يقوم كل من الخطأ المدني والخطأ الجنائي بدرجة واحدة؟ وهو السؤال الذي تنازع إجابته اتجاهان.اتجاه أول : استقلال الخطأ المدني عن الخطأ الجنائي، ويذهب أنصار هذا الاتجاه إلى أن ما يقوم به الأول لا يجب أن يقوم به الثاني، وإن كان الخطأ الجسيم والبسيط قد يقوم بها كلا نوعي الخطأ، فإن الخطأ اليسير جدا لا يمكن أن يقوم به سوى الخطأ المدني، وذلك بالنظر لما بين الخطأين من فوارق، أهمها:اختلاف الخطأين من حيث الطبيعة، واختلافهما من حيث الجزاء، واختلافهما من حيث عبء الإثبات. والاتجاه الثاني : وحدة الخطأ الجنائي والخطأ المدني، يرى أنصار هذا الاتجاه أنه لا فارق بين الخطأين وأن ما يقوم به الخطأ المدني يصح أن يقوم به أيضا الخطأ الجنائي، خاصة وأن كلاهما يقاس بمعيار واحد هو معيار الرجل العادي، وكل ما هو موجود من فروق ينحصر في أن القانون المدني لم يبين صور الخطأ المدني في حين المشرع الجنائي حصر صوره ما ذلك إلا نتيجة تقيد المشرع بمبدأ الشرعية الجنائية. وهو الاتجاه الذي تحول إليه القضاء الفرنسي وما سايره أيضا القضاء المصري.

المطلب الثالث
الشروع والاشتراك في الجرائم غير العمدية

        باختصار شديد، وبالنظر لبساطة المسألة سوف لن نقسم هذا المطلب إلى فروع، حيث أنه لا شروع ولا اشتراك في الجرائم غير العمدية، خاصة وأن هذه الأخيرة في غالبيتها من المخالفات في حين سبق القول بأن الشروع لا يكون إلا في الجنايات وفي الجنح بموجب نص خاص ولا شروع إطلاقا في المخالفات، وهو نفس الوضع تقريبا بالنسبة للاشتراك....كما أنه لا ظروف تشديد ولا تخفيف بخصوص الجرائم غير العمدية ما عدا ما قضت به المادة 290 من تقنين العقوبات الجزائري التي تضاعف العقوبة المقررة في حالة ارتكاب الجريمة في حالة سكر أو ارتكاب الجريمة ومن بعدها محاولة الهرب من المسؤولية[6]، وإن كان ذلك قد يقيم أيضا جريمة أخرى هي جريمة التهرب من المسؤولية أو عدم تقديم مساعدة لشخص في حالة خطر.

الفصل الخامس
تصنيــــف الجرائم

        سبق لنا القول عند تناولنا لتقسيمات الجريمة وتصنيفها بناء على الركن المعنوي للجريمة، الذي تناولنا فيه التقسيم الثلاثي أو القانوني، وكذا تمييز الجريمة إلى عادية وسياسية وعسكرية، أننا سنرجئ الحديث عن باقي التصنيفات والتقسيمات الأخرى المعتمدة على الركنين المادي والمعنوي، إلا ما بعد استيعاب كنه ومضمون وأبعاد هذين الركنين، لذا سنحاول أن نتناول من خلال مبحثين التصنيفات المعتمدة على الركن المادي، والأخرى المعتمدة على الركن المعنوي. على أننا سنختصر قدر الإمكان بخصوص بعض التصنيفات التي سبق تناولها في مواضع أخرى من هذه الدراسة، وكذا بخصوص الجوانب الإجرائية المتعلقة بفائدة التفرقة، كونها مسائل يصعب استيعابها قبل دراسة قانون الإجراءات الجزائية.

المبحث الثاني
تقسيم الجرائم بحسب طبيعة وتكوين الركن المادي

        بالنظر للركن المادي للجريمة، يمكن تقسيم الجرائم عدة تقسيمات، منها ما يأخذ بعين الاعتبار عنصر الزمن الذي يستغرقه إتمام الركن المادي للجريمة، حيث تقسم الجرائم بالنظر إلى ذلك إلى جرائم وقتية وجرائم مستمرة، كما تقسم بحسب النظر إلى السلوك إلى جرائم إيجابية وجرائم سلبية، أو بالنظر لتعدده إلى جرائم اعتياد وجرائم بسيطة أو بالنظر إلى النتيجة إلى جرائم ذات النتائج وجرائم شكلية.

المطلب الأول
تقسيم الجرائم إلى وقتية ومستمرة

        وأساس هذا التقسيم، هو الزمن الذي يستغرقه تحقق أركان الجريمة، الركن المادي والركن المعنوي معا، واستنادا لذلك تكون الجريمة وقتية إن لم يستغرق ارتكابها سوى برهة زمنية قصيرة، أما إذا امتد ذلك فتعد الجريمة مستمرة. والعبرة بالزمن الذي استغرقه الركن لا للأثر الذي ترتب عليها، فالقتل نتيجته إزهاق الروح إلى الأبد وبالتالي هو جريمة مستمرة الآثار، وليس هذا هو المقصود، وإنما وقتية السلوك التي أزهقت الروح، أما الجريمة المستمرة فركنها المادي مصحوبا بالركن المعنوي، يستغرق زمنا طويل نسبيا، سواء كان الاستمرار للسلوك دون النتيجة أو لهذه الأخيرة دون السلوك، فالاستمرار قد ينظر له من خلال الفعل كما قد ينظر له من خلال النتيجة الجرمية التي تحققت، بشرط أن تظل إرادة الجاني حاضرة طيلة الوقت الذي استغرقه الركن المادي، وبمعنى آخر مواكبة الركن المعنوي للركن المادي، وإلا خرجت الجريمة من المعنى الفني للجريمة المستمرة، لذا يميز الفقه بين نوعين من الاستمرار.الاستمرار المتجدد، وهو الاستمرار الذي يستلزم تدخل إرادة الجاني بصفة متجددة وهي حالة مواكبة الركن المعنوي  لحالة الاستمرار وتسمى الجريمة عندئذ ب: délit continu successif ، والاستمرار الثابت أو المضطرد،  وهو الاستمرار الذي إذا انطلق بقي بذاته دون حاجة إلى تدخل جديد من قبل إرادة الجاني، وبمعنى آخر دون حاجة لمواكبة الركن المعنوي لحالة الاستمرار وتسمى الجريمة عندئذ ب : délit continu permanent وهو ما يسميه الفقه بأنه الجريمة الوقتية في حد ذاتها في الحالة التي تخلف فيها أثار، وهو رجوع من جديد للتقسيم التقليدي بين الجريمة الوقتية والجريمة المستمرة، على أن يفهم بأن الاستمرار هو ما يلزم تدخل إرادة الجاني طوال فترة الاستمرار وأن يفهم من الجرائم الوقتية ما يحدث من آثار فورية حتى ولو كانت ممتدة في الزمن.وهو ما يحتم علينا لمزيد من التوضيح تبيان المعيار المعتمد للتقسيم بين الجرائم الوقتية والجرائم المستمرة.

الفرع الأول
معيار التمييز بين الجرائم الوقتية والجرائم المستمرة
                kجد الفقه يتنازعه معياران، الأول هو معيار طبيعة الاعتداء في حد ذاته، والثاني هو معيار الامتداد الفعلي للزمن الذي تستغرقه الجريمة .
أولا:  معيار طبيعة الاعتداء

        وهو المعيار الذي يذهب أنصاره للتفرقة بين الجرائم الوقتية والجرائم المستمرة إلى اعتماد طبيعة الاعتداء ذاته، وهل هو قابل في حد ذاته للاستمرار من عدمه، فإذا كان الاعتداء في طبيعته قابلا للاستمرار كانت الجريمة مستمرة، مثل جريمة إخفاء الأشياء المسروقة حتى ولو استمر الإخفاء للحظة فقط كون الإخفاء بطبيعته قابلا للاستمرار، وإن كان غير قابل لذلك كانت الجريمة وقتية

ثانيا: معيار الامتداد الفعلي للزمن الذي تستغرقه الجريمة

        وهو المعيار الذي يرى أنصاره، إلى أن العبرة في التفرقة بين المؤقت والاستمرار هو الامتداد الفعلي للزمن الذي يستغرقه تحقق عناصر الجريمة، فالركن المادي قد يتخذ وضع الاستمرار في الجريمة الواحدة مرة وقد يتخذ وضع التأقيت في وضع آخر في ذات الجريمة، وكل ذلك بحسب ارتكاب الجاني للواقعة، وبالتالي الجريمة التي قد يتمثل بها أنها وقتية يمكن أن تقع مستمرة والعكس صحيح، والعبرة في كل ذلك بالزمن الفعلي الذي استغرقه ارتكاب الجريمة بركنيها المادي والمعنوي، لذا يرى أنصار هذا الاتجاه أن تقسيم الجرائم إلى وقتية ومستمرة له طابعا نسبيا، فالسرقة في أغلب صورها جرائم وقتية، ومن المتصور أن تكون مستمرة مثل حالة سرقة التيار الكهربائي، وجريمة القتل في أغلب صورها جريمة وقتية لكن قد تكون جريمة مستمرة في حالة القتل بالتسميم عن طريق إعطاء جرعات من السم على فترات ممتدة عبر الزمن خاصة إن كانت الجرعة الواحدة غير كافية لإحداث الوفاة، لكن مجموع هذه الجرعات هو الذي أحدث الوفاة، وجريمة استعمال المزور في أغلب صورها جرائم مستمرة لكن قد تقع وقتية مثل الحالة التي يبرز فيها الجاني بطاقة مزورة ويخبئها مباشرة. وبالتالي خلاصة هذا الرأي أن تقسيم الجرائم إلى وقتية ومستمرة ليس تقسيما مطلقا بل نسبيا، حيث ليس هناك جرائم وقتية بطبيعتها أو جرائم مستمرة بطبيعتها ولكن هناك جرائم يغلب فيها أن تكون وقتية وأخرى يغلب فيها أن تكون مستمرة. غير أن الإشكال المطروح هو انعدام معيار تشريعي من خلاله يمكن تحديد ما إن كان الزمن مستمرا أو مؤقتا، وهو ما جعل أنصار هذا الاتجاه يتركون المسألة للسلطة التقديرية لقاضي الموضوع يستنتجه من النص المقرر للجريمة ذاته.

        والجرائم المستمرة لا تنحصر في الجرائم الإيجابية فقط، بل يمكن أن تشمل أيضا الجرائم السلبية مثل عدم تسليم طفل لمن له الحق في حضانته، وقد يظهر أحيانا أن الجريمة الوقتية قد تستغرق وقتا زمنيا كجريمة السرقة والتزوير، لكن رغم ذلك تبقى مثل هذه الجرائم جرائم وقتية، والاستمرار نسبي قد يستغرق دقائق أو ساعات أو أيام أو أكثر كما أن الاستمرار قد يلحق السلوك كما قد يلحق النتيجة مثل جريمة إخفاء أشياء مسروقة.


.
الفرع الثاني
أهمية تقسيم الجرائم إلى جرائم وقتية وجرائم مستمرة

        لتقسيم الجرائم إلى جرائم مستمرة وجرائم مؤقتة أهمية تتبين من نتائج التفرقة ذاتها، منها نتائج ترتبط بالقواعد الجنائية الموضوعية، ومنها ما يتعلق بالقواعد الجنائية الإجرائية.

أولا: النتائج المرتبطة بالقواعد الجنائية الموضوعية

        من أهم النتائج المرتبطة بتقسيم الجرائم إلى جرائم وقتية وجرائم مستمرة، من الناحية الموضوعية، مسألة سريان النص الجنائي من حيث الزمان والمكان. ففي الجرائم المستمرة يسري  القانون الجنائي الأشد لو عمل به قبل انقطاع حالة الاستمرار حتى ولو كانت قد بدأت في ظل القانون القديم الأصلح، حيث تعد الجريمة قد وقعت في ظل القانون الجديد حتى ولو كان قد بدأت في ظل القانون القديم، وهو الأمر الذي لا يعمل به بخصوص الجرائم المؤقتة، أما من حيث سريان النص الجنائي من حيث المكان، يتحدد مكان وقوع الجريمة المستمرة بكل مكان قامت فيه حالة الاستمرار، فأي جزء قام في إقليم الدولة يعد نشاطا إجراميا كاملا وليس جزءا من جريمة وقع بعضها على إقليم الدولة وبعضها في الخارج، ويضيف البعض أهمية تكمن في وقت تقدير قيام الركن المعنوي، حيث أنه في الجرائم الوقتية يجب أن يتعاصر كل من الركن المادي والركن المعنوي، وإن تراخى الأخير فلا قيام للبنيان القانوني للجريمة المؤقتة، لكن في الجريمة المستمرة يمكن أن يتراخى أحدهما عن الآخر لذا يقدر الركن المعنوي على عنصر العلم بعد بدء السلوك كحيازة الشخص بداية لشيء مسروق عند الحيازة كان حسن النية ثم يعلم بالحقيقة ويستمر في ذلك.

ثانيا: النتائج المرتبطة بالقواعد الجنائية الإجرائية

        أهم النتائج المترتبة على تقسيم الجرائم إلى جرائم وقتية وأخرى مستمرة من ناحية القواعد الجنائية الإجرائية، ما يتعلق بقواعد الاختصاص والتقادم، وقوة الشيء المقضي به. فبخصوص الاختصاص في الجرائم المستمرة، تكون مختصة كل المحاكم التي قامت في دائرة اختصاصها حالة الاستمرار
أو بدأت أو انقطعت، على عكس الجرائم الوقتية حيث يتحدد بمكان وقوع الجريمة، وبخصوص التقادم المسقط للدعوى، في الجرائم الوقتية يبدأ سريان التقادم بخصوصها من لحظة وقوعها، بينما في الجرائم المستمرة يبدأ التقادم من اليوم التالي لانتهاء حالة الاستمرار فيها وليس من اليوم الذي بدأت فيه حالة الاستمرار. وبخصوص قوة الشيء المحكوم به، في الجرائم المستمرة تنصرف قوة الشيء المقضي به إلى كل حالة الاستمرار السابقة على صدور الحكم، وما يحصل بعد ذلك من قبل إرادة الجاني للإبقاء على حالة الاستمرار يشكل جرائم جديدة تجوز محاكمته عنها دون أن يمس ذلك بمبدأ عدم جواز محاكمة الشخص عن الفعل مرتين، على عكس الجريمة الوقتية التي ينصرف فيها الحكم إلى الجريمة المقامة عنها الدعوى كلها. وبخصوص العفو فإن العفو الصادر عن الجريمة الوقتية، يمحو الجريمة ويمنع بالتالي رفع الدعوى العمومية عنها ثانية، في حين العفو الصادر في الجريمة المستمرة فإنه لا يحول دون رفع الدعوى العمومية عنها متى تجددت حالة الاستمرار، هذا ونشير بأن الفقه يضيف إلى النوعين السابقين، الجريمة الوقتية والجريمة المستمرة، نوعا وسطا وهو الجريمة الوقتية المتتابعة.

الفرع الثالث
الجرائم الوقتية المتتابعة

        وهو نوع من الجرائم التي يطلق عليها أيضا مصطلح الجريمة ذات الأفعال المتلاحقة
أو المتكررة، وهي الجريمة التي ترتكب من أجل غرض إجرامي واحد من قبل مرتكبها غير أنها تقوم بأفعال متعددة ومتماثلة يجمع بينها وحدة الحق المعتدى عليه، وتستهدف إحداث نتيجة إجرامية واحدة، وبالتالي هي نوع من الجرائم الوقتية تصبح متتابعة ويشترط لكي تكون كذلك الشروط التالية.

أولا: تماثل الأفعال وتتابعها

        في الأصل كل الأفعال التي تتشكل منها الجريمة تعد جريمة مستقلة في حد ذاتها، حيث لو اكتفى الجاني بواحد منها عوقب عليه كجريمة، كضرب الجاني للمجني عليه عدة ضربات أو تزييف عدد من الأوراق النقدية، وهي جريمة بالرغم من أنها تظهر على أنها تعدد الجرائم إلا أنه في هذا النوع من الجرائم تعد جريمة واحدة لا توقع عليه من أجلها سوى عقوبة واحدة، كون تعدد وتماثل الأفعال في هذه الحالة لا يعد تعددا للركن المادي للجريمة، وذلك لوجود نوع من التقارب بين تكرار الأفعال دون اشتراط أن تقع في وقت واحد ولا في مكان واحد.

ثانيا: وحدة الحق المعتدى عليه

        الشرط الثاني في هذا النوع من الجرائم، هو أن تقع الأفعال المتتابعة أو المتماثلة الحاصلة في توقيت متقارب على حق واحد محمي قانونا، كجريمة الضرب بعدة ضربات تمس حق واحد هو حق المجني عليه في سلامة جسده، وفي جريمة تزوير النقود هو حق الدولة في الثقة في عملتها وسلامة اقتصادها. غير أن القفه لم يتفق حول اشتراط أن يكون شخص المجني عليه شخصا واحدا، فجانب من الفقه يرى أنه إذا تعدد المجني عليهم أصبحنا بصدد تعدد للجرائم، سيما في جرائم الأشخاص، بينما ذهب اتجاه ثاني من الفقه أن لا يقضي أن يكون الشخص المجني عليه شخصا واحدا، فالوحدة مشترطة في الحق المعتدى عليه لا في الأشخاص.

ثالثا: وحدة المشروع الإجرامي
يستتبع الشرطين السابقين، أن يكون ما يجمع الأفعال السابقة المتتابعة والمتتالية مشكلة لمشروع وغرض إجرامي واحد لدى الجاني، أي خطة إجرامية واحدة تعددت عناصرها ووسائل تنفيذها.

        وبالرغم من أن هذه الجريمة من الجرائم الوقتية مثلما تدل عليه تسميتها، إلا أنه تخضع في أحكامها لأحكام تشبه تلك التي تخضع لها الجرائم المستمرة، سيما ما تعلق بما يلزم من زمن طويل نسبيا يستغرقه ارتكاب الركن المادي لهذا النوع من الجرائم، ونؤيد هذا الرأي سيما بخصوص النقاط التي تناولناها سابقا بخصوص أهمية التقسيم ما بين الجرائم المستمرة والجرائم الوقتية بخصوص القانون الأشد وسريان القانون من حيث الزمان والمكان أو من حيث القواعد الجنائية الإجرائية من حيث التقادم وحجية الحكم ...
                                                                                             
المطلب الثاني
الجرائم الإيجابية والجرائم السلبية

        وهو التقسيم الذي يستند إلى  طبيعة السلوك الإجرامي، وما إن كان يتخذ صورة إيجابية أو صورة سلبية، وبيان ذلك يتضح من خلال القواعد الجنائية التي يسنها المشرع كونها قواعد قد تتضمن أوامر للأفراد كما قد تتضمن نواهي، ففي حال مخالفة الأوامر يكون الشخص مرتكبا لجريمة سلبية وفي حال ما كنت تتضمن المخالفة لنهي عدت الجريمة جريمة إيجابية. فانتهاك النهي يكون بإتيان الجاني لحركة إرادية مادية يسعى من خلالها لتحقيق النتيجة المجرمة قانونا، وهو النوع الغالب والأهم من بين أنواع الجرائم.أما انتهاك الأوامر، فيتمثل في امتناع الجاني عن القيام بعمل يأمر به القانون ويعد ذلك اتخاذ لموقف سلبي من قبله اتجاه القاعدة الجنائية التي تأمره بالفعل. وهناك طائفة ثالثة من الجرائم تتوسط الطائفتين السابقتين، وهي الجرائم التي يكون فيها السلوك متكونا من فعل إيجابي وامتناع في ذات الوقت، ويرى الفقه أنه نوع إذا نظر إليه بتمعن لوجد أنه يميل للجرائم الإيجابية أكثر.
الفرع الأول
وقوع الجريمة الإيجابية عن طريق الامتناع

        شغلت مسألة ما إن كان يمكن تصور قيام الجريمة الإيجابية عن طريق الامتناع الفقه، وأثارت بذلك جدلا فقهيا منذ زمن بعيد، وأغلب مجال كان مدارا لمثل هذا الجدل، هو الجريمة القتل والتساؤل عما عن كان يمكن أن يتم عن طريق الامتناع أم لا، كامتناع الأم عن إرضاع ابنها فيموت، أو امتناع مراقب الشاطئ عن إنقاذ الغريق فيموت، أو امتناع الممرضة عن إعطاء المريض الدواء فتسوء حالته ويموت، وإن كان يمكن أيضا أن يثار الإشكال بالنسبة لجرائم أخرى غير القتل، وعموما تنحصر المسألة في إطار الجرائم ذات النتائج وأن تكون من الجرائم العمدية أيضا، ويضاف لكل ذلك ألا يكون الجاني قد قام بعمل حتى لا نكون بصدد جريمة إيجابية، وتمثلت الاتجاهات الفقهية في حل مسألة الجرائم الإيجابية عن طريق الترك
 أو الامتناع يمكن أن نميز بين الاتجاهات الفقهية الثلاث التالي تناولها.

أولا:عدم إمكان العقاب على النتيجة الإيجابية إن كانت نتيجة امتناع

        وهو اتجاه يرى أنصاره أن من امتنع عن فعل لا يمكن القول أنه ارتكبه، أو قصده، وذلك أن الامتناع عبارة عن عدم والعدم لا يمكن أن يفضي إلا إلى عدم مثله، ونجد هذا الاتجاه سائدا في الفقه الفرنسي والقضاء الفرنسي، حيث يرون أن الحالات التي يمكن أن تتم فيها نتيجة إيجابية عن طريق الامتناع يجب أن يحددها المشرع بموجب نص خاص نظرا لخصوصيتها وأشهر قضية في القضاء الفرنسي تدلل على ذلك هو القضية الشهيرة بتسمية حبيسة بواتييه LA SEQUESTSTREE DE POITIERS حيث رفض قضاة بواتييه إدانة المدعو مونييه بتهمة إستعمال العنف والتعدي لما جعل أخته المريضة مرضا عقليا تحيا لعدة سنوات في غرفة لا يدخلها هواء نقي ولا ينفذ إليها ضوء إلى غاية  أن تدهورت حالتها الصحية، وبررت المحكمة قضائها بأنه لا يمكن للعنف والتعدي أن يقوم دون وقوع هذا العنف أو التعدي.

ثانيا: إمكان وقوع الجريمة الإيجابية عن طريق الترك

        وهو اتجاه يرى أنصاره أن السلب مظهر للتعبير عن الإرادة مثل الإيجاب تماما، وأن موطن الصعوبة فقط حسب أنصار هذا الاتجاه يكمن في استخلاص رابطة السببية بين امتناع الجاني والنتيجة المجرمة التي تحققت، حيث في مثل هذه الحالات يصعب القطع بتوفر العلاقة السببية، لذا نجدهم يشترطون للجزم بقيام مثل هذه الرابطة أن يكون الجاني ملتزما التزاما قانونيا أو تعاقديا بالعمل على منع وقوع هذه النتيجة، ويلزم أن يتدخل المشرع لتقرير ذلك بموجب نص صريح في القانون، وهو ما له مثيل في القانون الإيطالي لسنة 1930 في المادة 40/2 التي قضت أنه : " عدم منع التي يلتزم الشخص قانونا بمنعها يعادل إحداثها " والقانون الألماني لسنة 1975 في المادة 13 التي قضت أنه :" من يحجم عن تفادي نتيجة، تشكل عنصرا في جريمة، لا يعاقب بمقتضى أحكام هذا القانون إلا إذا كان ملزما قانونا بمنع تحقق هذه النتيجة، وكان الامتناع يعادل الإيجاب في تحقيق هذا العنصر".

ثالثا:   وهو اتجاه يتفق مع الرأي السابق في إمكان تحقق النتيجة الإيجابية عن طريق الترك، غير أنه لا يضيف شرط وجوب أن يكون الجاني ملزما قانونا أو تعاقديا بمنع حدوث النتيجة المجرمة، فالقانون حسبهم يعاقب على النتائج المجرمة دون أن يعبأ بوسيلة تحققها، وعليه تستوي كل الوسائل من حيث صلاحيتها لإحداث النتيجة، وبالتالي لا يشترط سلوك معين لإحداث مثل هذه النتيجة

الفرع الثاني
أهمية تقسيم الجرائم إلى جرائم إيجابية وجرائم سلبية

        وهو تقسيم أكثر ما يفيد في نظرية المحاولة أو الشروع، حيث يرى غالبية الفقه أن نظرية الشروع مقصورة على الجرائم الإيجابية دون الجرائم السلبية التي إما أن تقع كاملة وإما ألا تقع. وتتجلى حكمة التجريم في الجرائم البسيطة في خطورة الفعل في ذاته وما قد ينجم عنه من ضرر على الحق المحمي قانونان، أما حكمة تجريم الجرائم الاعتياد فتتجلى في حالة الاعتياد التي يتواجد عليها الجاني التي تصبح مصدر الخطورة الحقيقية التي لأجلها يعاقب على الفعل وليس الفعل في ذاته.

المطلب الثالث
الجرائم البسيطة وجرائم الاعتياد

        هناك جرائم لا تكمن خطورتها في ارتكاب الفعل مرة واحدة، وهو حال الجريمة البسيطة، بينما تكمن خطورتها في تكرار الفعل أكثر من مرة، وحينها لا يكون محل التجريم هو السلوك في حد ذاته، بل الاعتياد عليه.
الفرع الأول
معيار التفرقة بين الجرائم البسيطة وجرائم الاعتياد وأهمية ذلك

        جرائم الاعتياد، هي جرائم لا تكتمل قانونا إلا بارتكاب الفعل المكون للجريمة أكثر من مرة دون أن يحدد المشرع عدد هذه المرات وأن الفقه السائد أن تقع مرتين وأكثر، في حين هناك رأي آخر يخول السلطة التقديرية للقاضي في تقدير عدد مرات الفعل الذي تكتمل به الجريمة المستمرة قانونا على ضوء ما يستخلصه من توافر حالة الاعتياد لدى الجاني.

أولا: عناصر الاعتياد

        الاعتياد يكون بتكرار الفعل في إطار زمني معين. فبخصوص تكرار الفعل، القانون لم يحدد عدد المرات التي يوجب أن يتكرر فيها الفعل، لذا ثار خلاف فقهي حول تحديد عدد المرات، بين اتجاه يرى وجوب تحديده في عدد معين، وهو اتجاه اكتفى بتكرار الفعل مرتين، والبعض الآخر في إطار نفس الاتجاه أن يتكرر الفعل أكثر من ثلاث مرات.  ي حين ذهب اتجاه ثاني إلى عدم تحديد الأفعال بعدد معين، ووجوب ترك المسألة للسلطة التقديرية لقاضي الموضوع، وحجتهم في ذلك أن العدد ليس مطلوبا في حد ذاته، وإنما هو مجرد قرينة على توافر حالة الاعتياد، وقد ذهبت محكمة النقض المصرية إلى تبني الاتجاه الأول وقررت أن يكون تكراره مرتين على الأقل. وهناك عنصر الإطار الزمني ، لتوفر حالة الاعتياد هو أن يتكرر الفعل دون أن يكون الفعل الأول قد سقط بالتقادم، وهو رأي نتبناه كثيرا فما دام التقادم المسقط في اعتبار المشرع يعد قرينة على نسيان الجريمة، فمن باب أولى يجب أن يكون كافيا لنسيان سلوك غير مجرم لوحده ما لم يتكرر، خاصة وأنه سبق القول أن تجريم هذا النوع من الجرائم يجد أساسه في نظر المشرع من خطورة فعل التكرار لا من خطورة السلوك ذاته.

ثانيا: أهمية تقسيم الجرائم إلى جرام بسيطة وجرائم اعتياد

        تكمن أهمية تقسيم الجرائم إلى جرائم بسيطة وجرائم اعتياد، في كون هذه الأخيرة تخضع في أحكامها إلى أحكام قريبة من تلك التي تخضع لها الجرائم المستمرة، كون كلاهما يستغرق زمنا طويل نسبيا وما يترتب عن ذلك من تطبيق القانون من حيث الزمان، إذ يسري القانون الجديد حتى ولو كان أكثر شدة على فعل التكرار إن كان قد وقع في ظله، وفي التقادم يسري القانون من أول يوم يلي اكتمال فعل التكرار. غير أن أهم فرق، هو أن المضرور لا يحق له المطالبة بالتعويض كون ما هو مجرم، هو فعل التكرار والعادة لا ما لحق المجني عليه من أضرار.
        لكن تبقى هناك صعوبة استخلاص البناء القانوني لجريمة الاعتياد، حيث يرى بعض الفقه أنه هناك صعوبات ثلاث تعترض استخلاص البناء القانوني لهذه الجريمة : أولى الصعوبات، هي ما إن كانت جريمة الاعتياد تقوم بتكرار الفعل مرتين أو أكثر دون عبرة بالزمن الزمن الذي يستغرقه هاذان الفعلان أمي نبغي اشتراط مثل هذا الزمن، والفقه السائد يرى وجوب ألا يمر وقت زمني بين الفعلين يؤدي إلى تقادم هذه الجريمة، وانتقد هذا الرأي على أساس أن الفعل الواحد في جريمة الاعتياد هو عنصر فيها لا تكتمل به الجريمة قانونا وأنه لا مجال للكلام عن التقادم ما لم يكتمل البناء القانوني للجريمة، لذا يجب ترك المسألة للسلطة التقديرية للقاضي. وتتمثل الصعوبة الثانية في تحديد " ذاتية " الفعل المكون لحالة الاعتياد حينما تقترن به بعض الظروف، مثل جريمة الإقراض بالربا في الحالة التي يقرض فيها الشخص عدة قروض لآخر في وقت واحد، وهنا واضح ألا تقوم جريمة الاعتياد لكن في الحالة التي يقرض فيها الشخص بموجب عقد واحد عدة قروض لأشخاص متعددين، فهنا يرى البعض أن الفعل يعد واحد ولا تقوم به جريمة الاعتياد، غير أن البعض يرى أنها عدة قروض وبالتالي لا مناص من قيام جريمة الاعتياد.
        وهنا تجدر الإشارة إلى أنه هناك تبعا للتقسيم السابق نوع آخر من الجرائم نتناوله في النقطة الموالية

الفرع الثالث
جرائم الاعتياد، الجرائم المستمرة والجرائم متتابعة الأفعال
التفرقة والنتائج
أولا: التفرقة

بين الأنواع الثلاثة السابقة نقاط التقاء، ونقاط تفترق من خلالها عن بعضها البعض، فهي كلها يتطلب تحققها وقتا من الزمن مما يبرر خضوعها لنوع متشابهة من الأحكام القانونية، غير أن ذلك لا يمنع من وجود فروقات هامة بينها نوجزها في النقاط التالية:تفترض جرائم الاعتياد والجرائم المتتابعة الأفعال أفعالا متعددة ومتماثلة، في حين الجريمة المستمرة كل ما تتطلبه فعل واحد يستغرق مدة من الزمن، جرائم الاعتياد كل فعل منها لا يشكل لوحده جريمة مستقلة، على عكس جرائم الأفعال المتتابعة التي يمكن أن يسأل فيها الجاني عن كل فعل باعتباره يشكل جريمة مستقلة بذاتها. الجريمة المركبة هي الجرائم التي يكون بنيانها القانوني قائما على عدة أفعال جرمية مختلفة تدخل كعنصر من عناصرها أو كظرف مشدد لها كدخول حرمة مسكن للسرقة، هما فعلين مجرمين ومستقلين، غير أنها تعتبر جريمة واحدة كون المشرع جمعهما في نموذج قانوني واحد، أما الجريمة المتتابعة الأفعال أو المتعاقبة، فهي الجريمة التي تتكون من عدة أفعال متتابعة تعتبر كلها جريمة واحد بالنظر لورود كل الاعتداءات على ذات المصلحة المحمية تنفيذا لمشروع إجرامي واحد، كضرب الشخص عدة ضربات متتابعة أو اختلاس أموال الدولة على دفعات والزنا المتتابع مع شريك واحد وحيازة عدة قطع من المخدرات وسرقة التيار الكهربائي عدة أيام والبناء المتوالي بدون ترخيص

ثانيا: النتائج المترتبة عن تقسيم الجرائم إلى بسيطة واعتيادية

من أهم نتائج التفرقة بين الجرائم البسيطة والجرائم الاعتيادة، هي نتائج إجرائية، أولها بخصوص تقادم الدعوى، حيث يسري التقادم بخصوص جرائم الاعتياد من اليوم التالي لآخر فعل من الأفعال المكونة للجريمة قانونا، ولا عبرة في ذلك بالمدة التي تفصل بين الفعلين المكونين لحالة الاعتياد. وفيما يتعلق بالاختصاص المكاني، الاختصاص بنظر جريمة الاعتياد ينعقد لكل محكمة من المحاكم ارتكب في دائرة اختصاصها فعل من الأفعال المتطلبة لتكوين حالة الاعتياد، على عكس الجريمة البسيطة تخضع لاختصاص محكمة مكان اقترفاها،  فيما يتعلق بقوة الشيء المقضي به، متى أدين شخص بجريمة اعتياد ليس هناك ما يمنع من رفع الدعوى عليه متى ارتكب بعد الحكم، مرة أخرى الجريمة بفعلين أو أكثر، من دون الأفعال التي سبق الحكم عليه بسببها.وفيما يتعلق بالسريان الزماني للنص، النص القانوني الجديد ولو أسوأ من القديم يطبق على جريمة الاعتياد في فعلها الأخير الذي تقوم به حتى ولو كانت الأفعال السابقة وقعت في ظل القانون القديم.
المطلب الرابع
الجرائم ذات النتائج والجرائم الشكلية

        ومعيار التقسيم بين النوعين من الجرائم، هو بالنظر لعناصر ومكونات الركن المادي للجريمة، فالجريمة ذات النتيجة هي الجريمة التي تكتمل فيها عناصر الركن المادي، بينما الجرائم الشكلية هي اتجاه إرادة الجاني لارتكاب السلوك دون النتيجة وتسمى في هذه الحالة أيضا جرائم السلوك المجرد أو الجرائم  الشكلية مقابلة للجرائم المادية، وهي الجرائم ذات النتيجة أو جرائم الضرر مقابلة لجرائم الخطر وقد كانت جرائم الخطر موضوع المؤتمر الدولي العاشر المنعقد بروما سنة 1969. وهو تقسيم سبق تناوله، ونختصر أهميته في النقاط التالية: تكمن أهمية التقسيم بين الجرائم المادية والجرائم الشكلية من عدة أوجه أهمها تتعلق بالقواعد الجنائية الموضوعية سيما في مجال الشروع في الجريمة ومجال علاقة السببية. حيث أنه بخصوص الشروع في الجريمة، فلا يكون إلا في الجرائم ذات النتائج دون جرائم السلوك المحض أو المجرد أو ما تسمى بالجرائم الشكلية التي لا مجال للكلام عن الشروع فيها. وبخصوص البحث عن علاقة السببية، فلا مجال لبحثها في مجال الجرائم الشكلية لانعدام النتيجة فيها وهي التي يحتم البحث ما إن كان يربطها بسلوك الجاني علاقة سببية..
المطلب الخامس
الجرائم المركبة والجرائم متتابعة الأفعال

        الجريمة المركبة، هي تلك الجريمة التي يتألف النشاط المكون لركنها المادي من أكثر من فعل، كجريمة النصب التي لا تكتمل قانونا إلا بوقوع فعلين متميزين، هما استخدام الوسائل الاحتيالية ومن ثم الاستيلاء على مال الغير. وبذلك فمن حيث الجوانب الموضوعية تخضع الجريمة المركبة من حيث سريان النص من حيث الزمان للقانون الجديد على كل الجريمة حتى ولو بدأ سريان القانون بعد اقتراف الفعل الأول.
ومن حيث الجوانب الإجرائية ينعقد الاختصاص في الجرائم المركبة لكل محكمة وقع في دائرة اختصاصها فعل من الأفعال المكونة للجريمة، حتى بخصوص مبدأ الإقليمية حيث ينعقد الاختصاص لقضاء كل دولة من الدول التي وقع بإقليمها فعل من الأفعال المكونة لهذه الجريمة، كما أن تقادم الدعوى لا يبدأ في السريان إلا من اليوم التالي لاقتراف آخر فعل مكون للجريمة المركبة بل في جريمة النصب في اليوم الموالي لأخر عنصر من عناصر التسليم.
        أما تعريف الجريمة متتابعة الأفعال، هي تلك الجرائم  التي تتمثل في أفعال متعددة يجمع بينها بالرغم من هذا التعدد تماثل الحق المعتدى عليه ووحدة الغرض الإجرامي، كمن يصدر عدة شيكات بدون رصيد لشخص واحد عن دين واحد، وهي بذلك جريمة تقوم بعدة أفعال يصلح كل منها لتكوين جريمة مستقلة وكل منها يتكون من ركن مادي وآخر معنوي لكن تصبح جريمة واحدة لتماثل الحق المعتدى عليه ولوحدة الغرض الإجرامي وبالتالي لا يطبق عليها سوى عقوبة واحدة.
المبحث الثاني
تقسيم الجرائم بالنظر لركنها المعنوي
بالنظر للركن المعنوي للجريمة، الذي انتهينا منه منذ قيليل، فهناك تقسيم واحد للجرائم، وهي جرائم عمدية وأخرى غير عمدية، وسنحاول بنوع من الاختصار تناول كل نوع منها في مطلب مستقل.

المطلب الأول
الجرائــــم العمدية
        الجريمة العمدية، هي تلك الجريمة التي يتطلب المشرع لقيامها توفر القصد الجنائي بعنصريه العلم والإرادة، إرادة السلوك – وهي صورة مشتركة بين الجرائم العمدية والجرائم غير العمدية – وإرادة النتيجة، بالإضافة إلى العلم بكل العناصر الواقعية الجوهرية اللازمة لقيام الجريمة والعلم بصلاحية السلوك لإحداث النتيجة، وهي صورة العلم الذي إن اتخذ درجة اليقين كان القصد مباشرا وإن اتخذ درجة الاحتمال كنا بصدد القصد الاحتمالي أو القصد غير المباشر، وأن الغالبية العظمى من الجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات من الجرائم العمدية، وعادة ما يعبر عنه المشرع بعبارات مثل كل من ارتكب " عمدا " أو كل من ارتكب " عالم" وأن كل الجنايات عمدية وأغلب الجنح عمدية أما المخالفات فالقليل منها فقط عمدي.

المطلب الثاني
الجرائم غير العمدية

         وتسمى أيضا بالجريمة الخطئية أو بجريمة الإهمال، وهي تلك التي لا يتطلب المشرع لقيامها توافر القصد الجنائي لدى الجاني كون كل ما يلزم فيها إرادة السلوك مع العلم بكافة العناصر الواقعية الجوهرية اللازمة لقيام الجريمة – وهو أيضا عنصر مشترك ما بين الجرائم العمدية والجرائم غير العمدية - دون إرادة النتيجة ، لكن مع العلم بصلاحية السلوك لإحداث النتيجة.        وبالتالي تختلف الجريمة غير العمدية عن الجريمة العمدية، في كون الأولى توجب توافر قصد تحقيق النتيجة عكس الجرائم غير العمدية، ومن ناحية ثانية درجة العلم المتطلبة في الجرائم العمدية ترقى لمرتبة اليقين أو الاحتمال، بينما في الجرائم غير العمدية فتتوقف درجة العلم عند درجة الإمكان أي العلم بإمكان تحقق النتيجة كأثر للسلوك.

        وهناك نوع من الجرائم قد يثير اللبس بين النوعين السابقي،ن وهو ما يسمى بالجرائم المادية DELIT MATERIELS  التي تقع بمجرد إتيان النشاط المكون لركنها المادي حتى ولو لم يقم الركن المعنوي لدى الجاني، و لا حتى مجرد الخطأ أو الإهمال، بل هي جرائم تقوم بالركن المادي وحده دون الركن المعنوي، كالجرائم المرورية والجرائم الضريبية والجرائم الجمركية، وهو ما أثار حفيظة أنصار الفكر الجنائي الحديث الذين يطالبون بجعل الإثم أو الخطأ كأساس للمسؤولية الجنائية، إلا أن المبرر يكمن في القول بأن الجرائم المادية لا تعني انتفاء الركن المعنوي وإنما يجعل فيها المشرع ارتكاب الفعل المادي قرينة على توفر الخطأ لديه وتنقل عبء الإثبات من عاتق النيابة إلى عاتق المتهم الذي له أن يثبت انتفاء مسؤوليته بانتفاء الخطأ من جانبه.
        ومن أهم النتائج المترتبة على تفقسيم الجرائم إلى عمدية وغير عمدية، من حيث العقوبة المقررة، فعقوبات الجرائم غير العمدية في العادة عقوبات مخففة مقارنة بالعقوبات المقررة للجرائم العمدية، ومن حيث إمكان العقاب على الشروع، فلا شروع في الجرائم غير العمدية ولا اشتراك فيها.

الباب الثاني
نظرية المسؤولية الجـــنائية

        لا يكفي مجرد ارتكاب الجريمة بأركانها المبينة على النحو السابق لاعتبار مقترفها مسؤول عنها مسؤولية جنائية، وبالتالي استحقاق العقاب المقرر لها بل يجب أن تتوفر فيه العناصر القانونية اللازمة المكونة للمسؤولية الجنائية، لأنه هناك فرق كبير بين فكرة الجريمة وفكرة المسؤولية الجنائية، فالجريمة إن كانت تقوم ببنيانها القانوني بموجب الأركان الثلاثة العامة، فإن المسؤولية الجنائية أو كما يسميها البعض " الأهلية الجنائية" أو " أهلية الإسناد". لا تقوم ولا تتحقق إلا إذا كان الفاعل وقت اقترافه الجريمة يتمتع بملكتي " الوعي والإدراك" من ناحية، وبالقدرة على الاختيار أو حرية الاختيار من ناحية ثانية، وبدون هذه العناصر تنتفي المسؤولية الجنائية وبالتالي لا مجال لتوقيع الجزاء على الفاعل، بالرغم من ارتكابه الجريمة على النحو الموصوف قانونا، وإن كان ذلك لا يمنع من خضوعه للتدابير الاحترازية أو تدابير الأمن كصورة ثانية من صور الجزاء الجنائي، وهي التدابير التي توقع على من توفرت في جانبه خطورة إجرامية. لذا فأساس توقيع العقوبة هي المسؤولية الجنائية، والخطورة الإجرامية أساس توقيع التدابير الاحترازية أو الأمنية، وبالتالي المسؤولية الجنائية شرط ضروري لإمكان الحديث عن توقيع العقوبة على الفاعل، وقوام المسؤولية الجنائية الوعي والإدراك من ناحية، والإرادة وحرية الاختيار من ناحية ثانية[7]. لذا فنظرية المسؤولية الجنائية تقتضي الحديث عن الشخص الفاعل، حيث إن كانت أركان الجريمة تنصرف إلى الفعل المادي، فإن نظرية المسؤولية الجنائية تنصرف أكثر إلى الشخص الفاعل، لذا نجد الكثير من الفقه يتناول المسؤولية الجنائية في إطار نظرية " المجرم والجزاء"، لذا فضلنا نحن تناول المسؤولية الجنائية ضمن باب مواز لنظرية الجريمة، وكانت خطتنا في البداية أن فقسم هذا الباب إلى فصلين، فصل يتعلق بالشخص المجرم المسؤول وموانع هذه المسؤولية، وآخر يتعلق بنظرية الجزاء، غير أن قولنا بترك نظرية الجزاء لتكون موضوع مطبوعة مستقلة، جعل من هذا الباب يختل توازنه مقارنة بالباب الأول، غير أن هدف المطبوعة يتجاوز مراعاة الجوانب الشكلية، ويركز فقط على النواحي الموضوعية الهادفة لإفادة الطالب بالتفاصيل التي قد يتم تجاوزها في المحاضرات، لذا فتركيزنا في هذا الباب المختصر سيكون من خلال فصلين نتناول في الأول فكرة المسؤولية الجنائية ذاتها، على أن نتناول في الثاني موانع هذه المسؤولية. كون فكرة المسؤولية الجنائية أو الجزائية[8]، تتطلب تحديد مفهومها وذلك بتحديد معناها وأساسها وبيان شروطها، من جهة، ومن جهة ثانية تحديد الحالات التي تنتفي فيها المسؤولية الجنائية أو تمتنع من القيام بالرغم من ارتكاب الفعل المجرم قانونا.

الفصل الأول
 ماهية المسؤولية الجنائية

        قبل أن نتناول مفهوم المسؤولية الجنائية وبيان أساسها وشروطها وتمييزها عما يشابهها من أفكار قانونية، تجدر بنا الإشارة بأنه هناك العديد من الفقهاء من يتناول دراسة هذه الفكرة في إطار دراسته للركن المعنوي للجريمة، وذلك بسبب النقاط القانونية الكثيرة المشتركة بينهما، سيما فيما يخص موانع المسؤولية التي تعد في حد ذاتها موانع في الحقيقة لقيام الركن المعنوي للجريمة، وأيضا ارتباطهما معا بفكرتي الأهلية الجنائية وفكرة العدالة، وكذا اتخاذ المسؤولية الجنائية للعديد من الصور تبعا لتعدد صور الركن المعنوي ذاته، حيث نجد المسؤولية العمدية التي تقابل صورة القصد الجنائي و عنصر العمد، والمسؤولية غير العمدية التي تقابل صورة الخطأ، والمسؤولية المتعدية أو المتجاوزة القصد تبعا لصورة القصد الجنائي المتعدي
 أو المتجاوز، وهي نقاط التشابه الكثيرة التي جعلت من البعض يرى بأن الركن المعنوي هو ركن في المسؤولية الجنائية، بالرغم من نقاط الخلاف الكثيرة بينهما على نحو ما سنتبينه.

المبحث الأول
مفهوم المسؤولية الجنائية وتحديد أساسها القانوني

يقصد بالمسؤولية الجنائية في مجال النظرية العامة للجريمة، الالتزام بتحمل النتائج المترتبة على وقوع الفعل المجرم، وهي بهذا الوصف لا تعد ركنا أو عنصرا في الجريمة، بل هي الأثر أو النتيجة القانونية لها، وأيا كان الخلاف الفقهي حول مفهوم المسؤولية الجنائية، فهي باختصار تحمل تبعة الأفعال التي يجرمها القانون الجنائي، وفكرة تحمل التبعة لا تعني سوى تطبيق العقوبة، غير أن ما تجدر الإشارة إليه، أنه على خلاف الوقت الحاضر الذي تقام فيه المسؤولية الجنائية للإنسان العاقل البالغ فقط، فإن الشرائع القديمة عرفت مسؤولية الحيوان والجماد، بل وحتى الموتى في قبورهم، وفسر ذلك بنسبة الجريمة للأرواح الشريرة التي تتقمص هذه الأشياء وتسخرها في ارتكاب الجرائم، غير أنه حديثا أصبحت المسؤولية لا يمكن أن تسند إلا للإنسان لأنه الكائن الوحيد الذي يمكنه أن يفهم ويستوعب أوامر ونواهي القانون، كما أن ما يتضمنه القانون من جرائم لا يمكن تصور ارتكابه إلا من قبل الإنسان وكذلك الشأن بالنسبة للجزاءات التي يتضمنها والتي لا يمكن تصور إنزالها إلا بالإنسان، ولا يتصور تحقيق أغراضها إلا إذا نفذت على الإنسان، وكاستثناء أصبحت تتقرر مسؤولية الأشخاص المعنوية أو الاعتبارية.

المطلب الأول
تعريف المسؤولية الجنائية وتمييزها عما يشابهها من أفكار قانونية جنائية[9]

        يقصد بفكرة المسؤولية الجنائية أهلية الإنسان العاقل الواعي بأن يتحمل الجزاء العقابي نتيجة اقترافه جريمة من الجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات، كون لفظ المسؤولية مرادف للفظ المسائلة، أي مسائلة الشخص عن اختياره الجريمة كسلوك مخالف للقانون ومناقض له، وهو سؤال يحمل معنى اللوم والاستنكار والتهديد بتوقيع الجزاء نتيجة اختيار هذا السلوك المجرم. لذا فالمسؤولية الجنائية ليست ركنا من أركان الجريمة، بل هي حصيلة أو أثر لأركان الجريمة مجتمعة، وهي الحصيلة التي اجتمعت في شخص إنسان عاقل مميز ومريد وله القدرة على الاختيار. وعليه فالمسؤولية الجنائية تتميز عن كل أركان الجريمة، بما فيها الركن المعنوي المشابه لها كثيرا، فالركن المعنوي ركن في الجريمة ولا يمكن البحث في توفر المسؤولية الجنائية إلا بعد أن تقوم الأركان العامة الثلاثة للجريمة بما فيها الركن المعنوي، بل المسؤولية الجنائية وبالإضافة إلى توفر أركان الجريمة، يجب أن يتوفر أيضا عناصر الوعي والإرادة وحرية الاختيار لدى الجاني.
        كما تختلف المسؤولية الجنائية أيضا عن فكرة " الأهلية الجنائية"، فهذه الأخيرة تعني صلاحية مرتكب الجريمة لأن يسأل عنها، أي إمكانية الشخص أن يكون مسؤولا عن أفعاله، وهي مرتبطة بسن معينة تختلف حوله التشريعات الجنائية، مما يجعلها شرطا لقيام المسؤولية الجنائية أو عنصرا من عناصرها، فالمسؤولية الجنائية لا تقوم إلا بتوافر الأهلية الجنائية بحيث حيثما تنتفي هذه الأخيرة تنتفي المسؤولية الجنائية.

المطلب الثاني
أساس المسؤولية الجنائية

        المسؤولية الجنائية كفكرة قانونية جنائية يجب وأن تستند إلى أساس خاص يبرر مشروعية توقيع الجزاء على الشخص مرتكب الجريمة، لأن المنطق القانوني السليم يستدعي أساسا منطقيا بموجبه وعلى أساسه يمكن مسائلة الشخص، وهو الأساس الذي مثل البحث فيه مسألة فلسفية انكب على دراستها فقهاء القانون على مدار القرنين الأخيرين[10]، حيث اختلفوا وانقسموا بخصوص هذا الأساس اختلافا شديدا ومتباينا، وهو الخلاف الذي يمكن رده إلى اتجاهين أو مذهبين أساسيين، تمثلهما مدرستين عريقتين هما المدرسة التقليدية والمدرسة الوضعية، الأولى نادت بفكرة " حرية الاختيار" كأساس للمسؤولية الجنائية، فيما نادى أنصار المدرسة الوضعية بفكرة " الجبرية أو الحتمية" كأساس، وهو ما نبينه في فرعين، لكن مثلما هو الأمر دوما كلما وجد اتجاهين، يوجد اتجاه وسط توفيقي يحاول تفادي مساوئ كل اتجاه والأخذ بمزاياه، وهو ما نبينه في الفرع الثالث.
الفرع الأول
المــــــذهب التقليدي
مذهب حرية الاختيار
أساس المسؤولية الجنائية هو المسؤولية الأدبية أو الأخلاقية

        وهو المذهب الذي يقيم أنصاره المسؤولية الجنائية على فكرة أن الإنسان المكتمل لمداركه العقلية يصبح حرا في تصرفاته ويوجه إرادته حيثما يشاء ويريد، وبالتالي يكون مسؤولا عن كل أفعاله وحيثما يوجه إرادته يتحمل مسؤوليته، وعليه فالجريمة وليدة إرادة الإنسان الحرة، لذا فوفقا لأنصار المدرسة التقليدية يجب أن يتوفر عنصري الإرادة وحرية الاختيار لتقوم المسؤولية الجنائية للشخص، فالإرادة وحرية الاختيار فقط تمكن من القول بأن الإنسان يسأل عن اختيار أو سلوكه طريق الجريمة، واعتباره مخطئا قانونا، لذا فلا يسأل الصغير أو المجنون أو المكره أو النائم، ففي كل هذه الحالات تنعدم المسؤولية الجنائية لعدم قيام الإرادة وحرية الاختيار وبالتالي انتفاء عنصر الخطأ في سلوك الشخص، لأن الخطأ يقاس بمدى إدراك الإنسان لفعله الخاطئ، وللخطأ والمسؤولية الجنائية درجات تقاس وفقا للقدر الذي ينقص به الإدراك والاختيار. إذن باختصار، أساس المسؤولية الجنائية وفقا لأنصار المدرسة التقليدية، وفي جوهرها هي لوم على سلوك مخالف للقانون كان باستطاعة الفاعل أن يسلك غيره، لذا فهي مسؤولية أدبية و أخلاقية. كون الإنسان مخير في أفعاله وليس مسيرا وبالتالي عليه دوما أن يسلك الطريق نحو الفعل غير المجرم وأن يوجه إرادته نحو ذلك[11].
الفرع الثاني
المـــذهب الوضـــعي
مذهب الجبرية أو الحتــمية

        على عكس الاتجاه التقليدي، ذهب أنصار المدرسة الوضعية إلى القول بأن الإنسان ليس مخيرا وإنما مسيرا، وبالتالي تصرفاته ليست وليدة اختياره وحريته، وإنما حتمية عليه لعوامل لا دخل لإرادته فيها، وهي عوامل وراثية وخلقية ومزاجية وبيئية واجتماعية، وما الإرادة إلا ثمرة لهذه العوامل التي قد تدفع الشخص إلى ارتكاب الجريمة كقدر محتوم مكتوب عليه[12]، غير أنه بالرغم من امتناع حرية الاختيار فإن المسؤولية الجنائية لا تمتنع، فيسأل الصبي كما يسأل المجنون، شأنهما شأن الشخص العاقل، وكل ما في الأمر أن المسؤولية قابلة فقط للتخفيف لكنها لا تمتنع.

.
الفرع الثالث
المذهب التوفـــيقي
        وهو مذهب أقام أنصاره أساس المسؤولية الجنائية على محاسن الاتجاهين السابقين، فأقامها على أساس التمييز وحرية الاختيار، دون إهمال الظروف والعوامل الشخصية والاجتماعية المحيطة بالشخص الجاني.

المطلب الثالث
خصائص المسؤولية الجنائية

        في حقيقة الأمر، تتحدد خصائص المسؤولية الجنائية تبعا للأساس الذي تبنى عليه، وبما أن الأساس السائد في التشريعات الجنائية الوضعية، هو مذهب حرية الاختيار، فإن خصائص المسؤولية الجنائية تبعا لذلك، أن الإنسان هو موضوعها، وبذلك تكون مسؤولية شخصية.

الفرع الأول
الإنسان موضوع أو محل المسؤولية الجنائية

        السائد فقها وتشريعا وقضاء أن الإنسان هو محور أو موضوع أو محل المسؤولية الجنائية، على عكس ما كان سائدا قديما، أين عرفت مسؤولية الحيوان والنبات والجماد، كما أن الجريمة سلوك إرادي، والإرادة جوهر الركن المعنوي للجريمة، وهي التي تقف خلف السلوك الإجرامي وهي الإرادة التي لا يمكن أن تكون إلا إرادة إنسانية تصدر عن إنسان، لذا فالمسؤولية الجنائية لا يتحملها إلا الإنسان كونه المدرك والمميز والفاهم لحقيقة الأفعال والمختار لها، لذا فالإنسان هو الذي يرتكب الجريمة وهو الذي يتحمل مسؤوليتها، خاصة وأن الجزاءات الموجودة بالقانون لا يمكن تصور إنزالها بغير الإنسان، ولا يمكن تصور تحقيقيها لأغراضها إلا إذا نفذت فيه، سواء تمثلت هذه الأغراض في الردع العام أو الردع الخاص
أو التهذيب أو الإصلاح والعلاج. غير أن التطور القانوني انتهى إلى الاعتراف بالمسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوية، والذي لا يزال يثير الجدل لغاية اليوم، حول إمكانية مسائلة الشخص المعنوي جزائيا، وهو الجدل الفقهي الذي انعكس على التشريعات الوضعية، حيث أنكر اتجاه قيام المسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوية، لكن هو أمر مسلم به في تقنين العقوبات الجزائري.  وهو ما تكون لنا عودة إليه.
الفرع الثاني
شخصية المسؤولية الجنائية
من المسلمات في القانون الجنائي مبدأ شخصية العقوبة، حيث لا توقع العقوبة إلا من تقررت مسؤوليته الجنائية عن الجريمة التي وقعت، وبالتالي فالمسؤولية الجنائية شخصية، حيث لا تقوم إلا لدى الشخص مرتكب الجريمة أو المساهم فيها بوصفه فاعلا أو شريكا، فالعدالة الجنائية تأبى تحميل المسؤولية لشخص لا علاقة له بالجريمة المرتكبة، وهو مبدأ إلهي تقرر في القرآن الكريم حيث ليس للإنسان إلا ما سعى، في قوله عز وجل في الآيات من 36 إلى 39 من سورة النجم :  وفي الآية 286 من سورة البقرة " لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت" وفي الآية 46 من سورة فصلت" من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها"، وفي الآية 15 من سورة الإسراء :" ومن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى" وفي الآية 33 من سورة لقمان :" لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا"، وفي قوله صلى الله عليه وسلم : " لا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه ولا بجريرة أخيه".

        غير أن مبدأ شخصية المسؤولية الجنائية لم تعرفه القوانين الوضعية إلا حديثا، حيث كانت تعرف القوانين القديمة فكرة المسؤولية الجنائية الجماعية، حيث كانت تمتد لتشمل أسرة الجاني وأقربائه وعشيرته، وهو الوضع الذي امتد لغاية ما قبل الثورة الفرنسية، غير أنه اليوم أضحى المبدأ من المبادئ الدستورية والجنائية، حيث لا يعرف القانون الجنائي المسؤولية عن أفعال الغير مثل القانون المدني، ما عدا في بعض الفروض النادرة مثل الجرائم الصحفية....
المبحث الثاني
شروط المسؤولية الجنائية

        في حقيقة الأمر شروط المسؤولية الجنائية تختلف باختلاف الأساس الذي بنيت عليه، فحيث يكون أساسها حرية الاختيار فإن شروطها تتمثل في ضرورة توافر الإدراك وحرية الاختيار، وحيث يكون أساسها الجبرية أو الحتمية فإنه يشترط لتقرير المسؤولية الجنائية توفر الخطورة الإجرامية، لذا يجب أن نتناول كل هذه الشروط، حيث الأصل في أساس المسؤولية الجنائية حرية الاختيار فإن شروطها الإدراك والاختيار، وحيث أساسها الجبرية فإن شرطها الأساسي توفر الخطورة الإجرامية – وهو نضيفه فقط للاستيعاب وننبه مرة أخرى هو أنه من الشروط في القوانين التي تأخذ بمذهب الجبرية-، وهو ما نبينه في المطلب التالي، بعد أن نبين شرط أساسي يتمثل في التمتع بالأهلية الجنائية.

المطلب الأول
التمتع بالأهلية الجزائية

        الأهلية الجزائية مجموعة من الصفات والعناصر التي يتوجب أن تتوفر في الشخص حتى يمكن نسب الجريمة إليه، بوصفه فاعلها عن وعي وإدراك، وهي لا تثبت إلا للإنسان باعتباره الوحيد من بين الكائنات الذي يملك قدرة الإدراك وحرية الاختيار، وكنتيجة لذلك فالجريمة لا يمكن أن يقترفها إلا الإنسان، غير أن صفة الإنسان وإن كانت ضرورية فهي غير كافية لتوفر الأهلية الجنائية، فقد ترتكب جريمة من قبل إنسان غير أن أهليته تمتنع لجنونه أو صغر سنه، وبالتالي ليكون الشخص آهلا لتحمل المسؤولية الجنائية أن يكون حيا وعاقلا وبالغا سنا معينة وهو ما نبينه في النقاط التالية.
الفرع الأول
وقوع الجريمة من إنسان حي

        صفة الإنسان شرط لازم لوصف السلوك المخالف للقاعدة الجنائية بوصف الجريمة، بحيث هذه الأخيرة لا يمكن أن ترتكب إلا من إنسان، وبالتالي الشرط الأول للأهلية الجنائية هو صدور الجريمة عن إنسان، وأن كل فعل صادر عن جماد أو حيوان دون أن يكون هناك دور للإنسان فيه فهو لا يعد جريمة، إذ غير الإنسان مستبعد من الخطاب الجزائي تجريما وعقابا ومسؤولية. كما أنه لا يكفي أن تكون الجريمة صادرة عن إنسان، بل يجب أن يكون هذا الأخير حيا، بالنظر لخاصية شخصية العقوبة التي تعني بداهة سقوطها بوفاة الجاني إذ بذلك تنتفي الغاية من توقيع الجزاء كما ينتفي محلها الذي يوقع عليه.
الفرع الثاني
أن يكون الجاني عاقلا وبالغا

        يعد العقل أساس تحمل المسؤولية، لأن العقل هو مناط الإدراك،       لذلك فالشخص المصاب بمرض
أو عاهة عقلية لازمته وقت ارتكاب الجريمة انعدمت أهليته وبالتالي مسؤوليته الجنائية، والعقل وفقا لاتفاق التشريعات الجنائية الحديثة يتطلب سنا معينة حتى وإن اختلفت بشأنه التشريعات، فالعقل يتدرج حسب المراحل السنية وهو لا يكتمل قانونا إلا ببلوغ السن التي يحددها قانون العقوبات.
المطلب الثاني
التمتع بالوعي وحرية الإرادة
( التبعة الجــزائية)
        لا يكفي لقيام المسؤولية الجنائية ارتكاب الفعل المجرم من شخص آهل جنائية، أي إنسان حي بالغ سن معينة، بل يجب إضافة إلى ذلك أن يكون متمتع بشرط التبعة الجزائية التي تقوم على عنصري الوعي والإرادة[13].
الفرع الأول
الوعـــــــي والإدراك

        يقصد بالوعي أو الإدراك، قدرة الإنسان على فهم ماهية سلوكه وتقدير ما قد يترتب عليه من نتائج، ويعني في مجال المسؤولية الجنائية أن يعي الشخص أنه بصدد سلوك محظور قانونا، غير أنه باختياره يوجه إرادته نحو القيام به، فيعد بذلك مسؤول جنائيا عنه. والقدرة السابقة في حقيقة الأمر، هي قدرة واقعية تتعلق بماديات الفعل في ذاته ونتائجه، كما هو الأمر في الواقع المألوف، وهي القدرة الاجتماعية التي تستمد من قواعد الخبرة الإنسانية العامة، في التمييز بين الخير والشر، والمسموح والممنوح والمباح والمحظور، وهو الفهم الواقعي من حيث الفعل بذاته وما قد يرتبه من نتائج، وليس الفهم القانوني، حيث الشخص قد يأتي فعلا يجهل أصلا أن قانون العقوبات يجرمه، إذ العلم بقانون العقوبات والتكييف الذي يتضمنه أمر مفترض، فالعلم ليست له علاقة بالإرادة، كونه لا يعذر شخص بجهل القانون.

الفرع الثاني
حريـــة الإرادة

        ويقصد بحرية الإرادة حرية الشخص على الاختيار وقدرته على توجيه سلوكاته نحو القيام بالفعل
 أو تركه، وحتى تتوفر حرية الإرادة يجب أن يكون الفعل مما يمكن القيام به، بحيث إذا كان مستحيلا فلا محل للقول بحرية الإرادة، وأن يكون أمام الشخص بدائل تمكنه من الاختيار من بينها.كما تعني الإرادة
 توجيه الذهن إلى تحقيق عمل معين، فهي إرادة قد تكون واعية، كما قد تكون غير واعية، فالمجنون يريد أفعاله والصغير كذلك، غير أن إرادتهما غير واعية، والإدراك يجب توفره وقت إتيان الجريمة، أي الأفعال المادية المكونة لها حيث يجب أن يكون معاصرا لها، فإن انتفى يكون شرط أساسي من شروط قيام المسؤولية الجنائية قد تخلف وبالتالي لا تقوم، أما قدرة الاختيار فتعني قدرة الشخص على توجيه إرادته، إذ يفترض تعدد الخيارات أمام الشخص ومن ثم يوجهها الوجهة التي يختارها، الأمر الذي يجعل منه يختلف عن الإرادة، فهذه الأخيرة تتعلق بالجريمة في ركنيها المادي والمعنوي، بينما حرية الاختيار موقعها المسؤولية الجنائية كمحصلة لأركان الجريمة مجتمعة، ومعلوم انه قد توجد  الجريمة وتتخلف المسؤولية، وحرية الإرادة موجود متى كانت الظروف المحيطة بالجاني تركت له حرية التصرف، بينما هناك ظروف تنقص منها أو قد تعدمها مثل الإكراه أو الضرورة، وبذلك يتعين الإنقاص من المسؤولية الجنائية أو امتناع قيامها أصلا تبعا للمقدار الذي ترك لحرية تصرف الشخص.
        ومثلما ذكرنا سابقا، سنضيف شرط ثالثا يتعلق بشروط المسؤولية في القوانين التي تأخذ بالجبريةن وهو شرط الخطورة الإجرامية.
الفرع الثالث
شرط الخطورة الإجرامية
       
        وهي فكرة اعتنقها أنصار المدرسة الوضعية لتأسيس المسؤولية الجنائية، ومنها قرروا استبعاد العقوبات التقليدية وإحلال التدابير الاحترازية محلها لحماية المجتمع من تكرار الجريمة في المستقبل، وتعرف الخطورة الإجرامية بأنها: حالة أو صفة نفسية لصيقة بشخص الجاني تنذر باحتمال إقدامه على ارتكاب جريمة أخرى في المستقبل، ومن هذا التعريف تتضمن الخطورة الإجرامية عنصرين، الجريمة السابقة المرتكبة، واحتمال وقوع جرائم جديدة في المستقبل. فشرط الجريمة السابقة أو التي وقعت شرط أساسي من شروط القول بانطواء الشخص على خطورة إجرامية، فضرورة ارتكاب الجريمة وتوقيع التدبير يحكمه مبدأ الشرعية الجنائية، حيث مثلما تخضع العقوبة لهذا المبدأ، فالتدابير الاحترازية تخضع له أيضا، وبالتالي بجب توفر هذه الجريمة وإلا فلا مجال للقول بالخطورة الإجرامية حتى ولو كانت نفسية الجاني تنطوي على خطورة اجتماعية عالية، بالرغم من أن البعض عارض ذلك، بحجة عدم وجوب انتظار وقوع ضرر الجريمة ما دامت الخطورة متوفرة، فيمكن توقيع التدابير دون انتظار وقوع الجريمة، دفاعا عن المجتمع.

        وأما الشرط الثاني للقول بتوفر الخطورة الإجرامية، فيتمثل في احتمال وقوع جريمة جديدة في المستقبل، وهو ما تكشف عنه الجريمة السابقة التي تبين الشخصية الإجرامية لدى الجاني، وتوفر دلالات وإمارات لديه يخشى مع توفرها إقدام الجاني على ارتكاب جرائم جديدة في المستقبل، فالإمارات ضرورية بالنظر لكون الخطورة الإجرامية حالة نفسية يستحيل تبينها وإثباتها ما لم يتدعم بإمارات ودلالات تدل عليها، وفحص شخصية الجاني للبحث عن الاستعدادات الجنائية لديه وذلك من مختلف نواحي شخصيته، مثل بعض الظروف التي ترتكب فيها الجريمة، أو ارتكاب جرائم جسيمة.

الفصل الثاني
موانع المسؤولية الجنائية

        سبق القول أن جوهر المسؤولية الجنائية يقوم على الوعي والإدراك الذين يسيران حرية الاختيار، وبالتالي تمتنع المسؤولية الجنائية كلما انعدم هذا الوعي أو هذه الإرادة، ويترتب على ذلك عدم توقيع العقوبة على الشخص بالرغم من ارتكابه للجريمة على النحو الموصوف قانونا، وبالرغم من توفر أركانها القانونية العامة والخاصة، مع ما تتضمنه هذه الأركان من عناصر قانونية، غير أن امتناع المسؤولية وإفلات الفاعل من العقوبة لا يمنع من خضوعه للتدابير الاحترازية أو تدابير الأمن، كصورة من صور الجزاء، لأنه سبق القول أنه إن كانت المسؤولية أساس توقيع العقوبة، فأساس توقيع التدابير هو توفر الخطورة الإجرامية. وبالتالي موانع المسؤولية قد تكون ناشئة عن انعدام الإرادة، مثل حالة الإكراه وحالة الضرورة – في القوانين التي تجعل منها مانعا من موانع المسؤولية لا سببا من أسباب الإباحة-، وإما أن تكون ناشئة عن انعدام الوعي مثل صغر السن أو الجنون، وهو ما نتناوله في مبحثين متتاليين، نتناول في الأول موانع المسؤولية الناشئة عن انعدام الوعي، وفي الثاني تلك المتعلقة بانعدام الإرادة.

لكن قبل ذلك، نود أن نشير أن كون المسؤولية تقوم على كل من الإدراك وحرية الاختيار وتخلف أحد هذين العنصرين أو تخلف أحدهما يترتب عليه انتفاء وتخلف المسؤولية الجنائية، أو الحيلولة دون توقيع شق الجزاء لأسباب شخصية توفرت في مرتكب الجريمة أو علقت بشخصه، مع بقاء بفعله يتسم بالصفة التجريمية من الناحية القانونية، كما قد تقيم مسؤوليته المدنية عنها، ولأن موانع المسؤولية الجنائية أسباب شخصية، فهي لا تنتج أثرها إلا بخصوص الشخص الذي توفرت لديه دون باقي المساهمين أو الشركاء معه في الجريمة، والفرق واضح ما بين مبدأ الشرعية الذي يقضي بالا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، وفكرة المسؤولية الجنائية المبنية على فكرة الخطأ، فمبدأ الشرعية لما ينظر للأفعال المجرمة أنها أفعال ماسة بالقيم الجماعية المشتركة، التي يعد إتيانها مصدرا للوم الاجتماعي، كونها تمثل اعتداء على القواسم المشتركة بين أفراد المجتمع، وهم الأفراد الذين يصنفون إلى محترم ومعاد لهذه القيم والقواسم الاجتماعية المشتركة، ومبدأ الشرعية يعني لا وجود للجريمة ما لم يكن الفعل مخالف لنص جنائي، وبالتالي وفقا للمبدأ لا فرق بين الشخص المسؤول وغير المسؤول، فالشخص الذي توفر لديه مانع من موانع المسؤولية إذا ما أتى هذا الفعل فوفقا لمبدأ الشرعية قد أتى جريمة، ما دامت تصرفاته تخالف النصوص الجنائية، ولا أحد بمقدوره القول غير ذلك، كون موانع المسؤولية في حقيقة الأمر لا تمنح الحق لهؤلاء بمخالفة قانون الجماعة الذي ارتضته لنفسها، وبالتالي لا تأثر لموانع المسؤولية من كونها تصرفات مجرمة، أو أفعال تشكل جرائم، فتعليق المسائلة يتعلق بالشخص لا الفعل وبمن توفر لديه السبب دون غيره ممن ساهم معه في ارتكاب الجريمة ما لم يكن يتوفر لديه ذات المانع. ويرى البعض أن دراسة موانع المسؤولية الجنائية، يبرز فكرتين رئيسيتين، هما الشعور والإرادة، فالشعور الآثم والإرادة الآثمة هما أساسا المسؤولية الجنائية، وكلما انتفى الإثم عنهما انتفت المسؤولية الجنائية، وذلك لا يعني أنه هناك سببين لمنع المسؤولية الجنائية، وإنما هما فكرة واحدة.وعلى ذلك، فكرة الجريمة مستقلة عن فكرة المسؤولية الجنائية، غير أن ذلك لا يعني الاستقلال التام بينهما، فالمسؤولية الجنائية لا يمكن أن تستمد وجودها إلا من خلال الجريمة، فبدون الجريمة لا يمكن تصور من هم مسؤولين عنها، غير أنه بالإضافة لوجود الجريمة، تقتضي المسؤولية الجنائية زيادة عن ذلك وجود فكرة الخطأ، وإذ قلنا الخطأ، فذلك يعني بالضرورة حرية الإرادة، واختيار ارتكاب الجريمة سواء تعمدا
أو بغير عمد، وعموما أن يكون الشخص في موضوع نفسي يسمح له بالحكم على تصرفاته، فالمشرع لا يولي قيمة قانونية إلا للتصرفات التي يأتيها من بإمكانه تقييم تصرفاته.

لذا فموانع المسؤولية أسباب أو أحوال أو أمور تعترض سبيل المسؤولية الجنائية فتخفف منها
أو تعدل مسارها أو تعدمها كلية، ومنها ما هو طبعي كصغر السن، وبعضها عارض أو مؤقت مثل الجنون وعاهة العقل والإكراه المعنوي وحالة الضرورة – في بعض القوانين-، وهي موانع شخصية على خلاف أسباب الإباحة، وأنها لا تزيل الصفة التجريمية عن الفعل لذا فهي تمنع توقيع العقوبة فقط دون التدابير الاحترازية وقيام المسؤولية المدنية، عكس أسباب الإباحة، غير أنها قريبة جدا من موانع العقاب، كون هذه الأخيرة بدورها شخصية، غير أن وجه للخلاف أن موانع العقاب لا تمحي الجريمة ولا تستبعد المسؤولية الجنائية عنها، بل تستبعد العقاب فقط، وذلك لتوفر بعض الاعتبارات الاجتماعية التي يقدر معها المشرع إعفاء الشخص من العقاب خير من توقيعه عليه.

ويذهب رأي في الفقه أن موانع المسؤولية الجنائية لم ترد في قانون العقوبات على سبيل الحصر، فهي وردت على سبيل المثال لذا يمكن أن تستوعب كل ما يسفر عنه العلم أو الواقع العملي من أسباب أخرى، على عكس اتجاه فقهي آخر يرى أن موانع المسؤولية وردت في قانون العقوبات على سبيل الحصر، وأن كل ما في الأمر أنها تقبل التفسير الواسع والقياس على عكس مسائل التجريم والعقاب.

المبحث الأول
موانع المسؤولية الناشئة عن انعدام الوعي

        من الموانع التي تمنع المسؤولية الجنائية من القيام قانونا، وتتعلق بانعدام الوعي لدى الشخص الذي يتجرد من ملكتي الوعي والإدراك، وبالتالي من القدرة على فهم دلالة أفعاله وإدراك أبعادها القانونية، هما مانعين أساسيين، الجنون وصغر السن، وهناك من التشريعات تضيف مانع ثالث يتعلق بالغيبوبة الناشئة عن السكر الاضطراري. وسنتناول كل مانع من هذه الموانع في مطلب مستقل.
المطلب الأول
صغر السن كمانع للمسؤولية الجنائية
        سبق القول أن قوام المسؤولية الجنائية يتمثل في الوعي والإدراك، أي قدرة الشخص على فهم حقيقة أفعاله وتمييز ما هو مباح وما هو محظور منها، وذلك بالضرورة لا يمتلكه الشخص دفعة واحدة ولا أن يولد معه، بل تنمو هذه الملكة بنمو الشخص وتقدمه في السن، فالشخص يولد منعدم الوعي والإدراك ويبقى كذلك في السنوات الأولى من عمره، والمسماة بمرحلة الطفولة، لتبدأ هذه الملكة في النمو لديه شيئا فشيء مع تقدم السنين، غير أنها تبقى منقوصة في مرحلة الطفولة المنقوصة ومرحلة المراهقة، وهي المسألة التي تراعيها التشريعات الجنائية في خطابها للأشخاص، فهي لا تحاسب الأطفال عن أخطائهم الجنائية مثلما تحاسب البالغين، بل أن مسؤولية الطفل أو الصبي غير المميز تتدرج بحسب المرحلة السنية التي يمر بهـــا[14].



الفرع الأول
علة عدم مسائلة الحدث
صغر السن من الأسباب المتعلقة بفقدان التمييز، شأنه شأن الجنون والسكر، باعتبار الصغير لا يعقل كنه الفعل أو الترك، إذ ليس بمقدوره أن يتخذ موقفا عقلانيا يعتد به القانون ويحاسبه أو يعاقبه عليه، حيث ينظر الصغير لقيم المجتمع نظرة مادية غريزية تدنو من الغرائز الحيوانية، والمشرع لا يخاطب الحيوانات، كون مثل هذه القيم تكتسب بالتدرج في الضمير الإنساني لغاية اكتمال النمو العقلي والنفسي، غير أن مثل هذه السن لم يقع عليها اتفاق الفقه الحديث، وإن كانت فكرة معاملة الأحداث معاملة متميزة قد بدت منذ القدم، ونجد إميل غارسون قد نادى بإخراج الأحداث من قانون العقوبات،  وذلك منذ بداية القرن العشرين، وفعلا خرج الأحداث من نطاق قانون العقوبات فعلا من سنة 1945 وحذت الكثير من الدول العربية حذو ذلك، حيث يخضع الأحداث إلى إجراءات تربوية وإصلاحية وحماية ومراقبة، مما يبعد فكرة المسؤولية الجنائية عن الأحداث، غير أن تقسيم مراحل السن للحدث لا يزال يثير الخلاف ويطرح الإشكاليات.
        وتختلف التشريعات العقابية الوضعية في تحديدها السن التي يعد فيها الشخص قد بلغ سن الرشد الجنائي، وبالتالي مسؤول جنائيا، وذلك باختلاف السياسة الجنائية التي نتهجها كل دولة، إلا أن غالبية التشريعات تعتبر الطفل ما دون سن السابعة منعدم التمييز وبالتالي تنعدم مسؤوليته الجنائية عن كل الأفعال المحظورة التي يأتيها[15]، وهي السن التي تمتد في قوانين أخرى لحد سن الثانية عشر وحتى سن الخامسة عشر في قوانين أخرى.

الفرع الثاني
موقف المشرع الجزائري

        قضت المادة 49 من تقنين العقوبات الجزائري على أنه: :" لا توقع على القاصر الذي لم يكمل الثالثة عشر إلا تدابير الحماية أو التربية.ومع ذلك فإنه في مواد المخالفات لا يكون محلا إلا للتوبيخ. ويخضع القاصر الذي يبلغ سنه من 13 إلى 18 إما لتدابير الحماية أو التربية أو لعقوبات مخففة.". وباستقراء هذا النص، نجد المشرع الجزائري قد قسم المراحل السنية إلى ثلاثة مراحل، وتبعا لها تتدرج المسؤولية الجنائية للشخص، المرحلة الأولى وهي مرحلة ما دون سن الثالثة عشر، والمرحلة الثانية الممتدة من 13 حتى 18، ومرحلة المسؤولية الكاملة ما بعد 18 سنة.


أولا: المرحلة الأولى: ما دون ال 13 سنة (مرحلة انعدام المسؤولية )
        وفي هذه المرحلة تكون أهلية الشخص قانونا منعدمة تماما، وهي المرحلة التي لا يكون فيها الشخص مسؤول إطلاقا، والعبرة في تحديد السن هي بيوم ارتكاب الجريمة حتى ولو كان الشخص يوم المحاكمة قد فاق هذه السن، وهو ما حددته المادة 443 من قانون الإجراءات الجنائية الجزائري، غير أن انعدام مسؤولية الصبي في هذه الفترة لا يمنع من إخضاعه لتدابير الحماية أو التربية التي ترمي لحماية الحدث لا لعقابه. وذلك لا يعني أن مسؤوليته مخففة، بل هي مسؤولية جنائية منعدمة، وتدابير الحماية والتربية مقررة لمصلحته خارج المؤسسات العقابية.

ثانيا: المرحلة الثانية: المرحلة بين 13-18(المسؤولية الجنائية المخففة ( الناقصة))
        المرحلة الممتدة بين سن الثالثة عشرة والثامنة عشرة، تكون فيها أهلية الشخص ناقصة وتبعا لذلك تكون مسؤوليته الجنائية مخففة، وفي هذه المرحلة التي يعد فيها الشص حدثا تطبق عليه إما تدابير الحماية والتربية شأنه شأن الصبي غير المميز، أو تطبيق بعض العقوبات المخففة المنصوص عليها ضمن المادة 50 من تقنين العقوبات الجزائري، التي قضت أنه: :" إذا قضي بأن يخضع القاصر الذي يبلغ سنه من 13 إلى 18 لحكم جزائي فإن العقوبة التي تصدر عليه تكون كالآتي: 1-إذا كانت العقوبة التي تفرض عليه هي الإعدام أو السجن المؤبد فإنه يحكم عليه بعقوبة الحبس من عشر سنوات إلى عشرين سنة. 2-      وإذا كانت العقوبة هي السجن أو الحبس المؤقت فإنه يحكم عليه بالحبس لمدة تساوي نصف المدة التي كان يتعين الحكم عليه بها إذا كان بالغا.". كما أضافت المادة 51:" في مواد المخالفات يقضى على القاصر الذي يبلغ سنه من 13 إلى 18 إما بالتوبيخ وإما بعقوبة الغرامة.".

ثالثا: المرحلة الثالثة: مرحلة البلوغ(المسؤولية الجنائية الكاملة)

        مرحلة بلوغ الشخص وفقا لقانون العقوبات الجزائري هي ببلوغه سن الثامنة عشر سنة حسب المادتين 49 من تقنين العقوبات الجزائري وكذا نص المادة 442 من تقنين الإجراءات الجزائية الجزائري، وببلوغ الشخص هذه المرحلة السية يكون مسؤول مسؤولية جنائية كاملة.

المطلب الثاني
الجنون كمانع للمسؤولية الجنائية

        الجنون هو فقدان الشخص لملكاته العقلية على نحو يجرده من الوعي والإدراك، وكذا القوة على التمييز، وقد نصت المادة 47 من تقنين العقوبات الجزائري، على أنه:" :" لا عقوبة على من كان في حالة جنون وقت ارتكاب الجريمة وذلك دون الإخلال بأحكام الفقرة 2 من المادة 21 [16]."[17].وبالتالي المشرع اعتبر الجنون أو عاهة العقل مانعا من موانع المسؤولية الجنائية، بالنظر لما يرتبه من فقدان للشعور والتمييز والإرادة، غير أن الجنون وإن كان يحول دون مسائلة الشخص بتوقيع العقوبات عليه، فإنه لا يحول دون إنزال التدبير الاحترازية عليه باعتباره ينطوي على خطورة إجرامية، وبذلك في العادة ما يوضع في المصحات العقلية أو النفسية. وسنتناول تفصيل حكم هذا المانع، في فرع، لنخصص الثاني لشروط الاستفادة منه.
الفرع الأول
حكم الجنون وعاهة العقل
       
وهو مانع نصت عليه أيضا المادة 62 من تقنين العقوبات المصري، والمادة 122-1 من تقنين العقوبات الفرنسي على أنه :" لا يسأل جنائيا من كان وقت ارتكاب الفعل مصابا بمرض عقلي أو عصبي
أو عدم تمييزه أو القدرة على التحكم في أفعاله ". ونص على الجنون في القانون اللبناني المادتان 231 و232 من قانون العقوبات، حيث نصت الأولى على أنه:" يعفى من العقاب من كان في حالة جنون أفقدته الوعي والإرادة"، ما يلاحظ على النص وإن كان أقامها على أساس فقد الوعي والإرادة التي تقوم عليهما المسؤولية الجنائية إلا أنه أسبق المادة بعبارة " لا عقاب " مما قد يفهم منه أن الجنون مانع من موانع العقاب لا مانع من موانع المسؤولية، ولم يبن كل هؤلاء المشرعين ولا المشرع الجزائري مدلولا محددا للجنون أو عاهة العقل، لذا يرى غالبية الفقه، أنه في قانون العقوبات، يقصد بالجنون، الاضطراب الحاصل في القوى العقلية للشخص بعد تمام نموها بما يؤدي إلى فقد القدرة على التمييز والإدراك، وقد يكون الجنون نتيجة مرض يصيب المخ أو ناتج عن شيخوخة طاعنة في بعض الحالات، كما يمكن أن يكون الجنون مطبقا إذا أصاب كل الملكات الذهنية للشخص، وهنا يفقد الأهلية ويمنع قيام المسؤولية، وقد يكون متقطعا يأخذ صورة نوبات تتخللها فترات إفاقة، وهنا لا يرتب أثره إلا إذا ارتكبت الجريمة أثناء إحدى نوبات الجنون دون نوبات الإفاقة[18].

        والجنون بمعناه العام، يشمل حالة العته أو البله أو الضعف العقلي وهي الحالة التي تصاحب الشخص منذ ولادته وتفيد وقوف ملكاته العقلية أو الذهنية دون مستوى النضج الطبيعي، بمعنى يجب النظر لفكرة الجنون كمانع من موانع المسؤولية ليس بمعناه القانوني أو بمعناه الطبي الدقيق، بل يجب أن يمتد ليغطي كل الحالات المرضية التي من شأنها أن تؤدي إلى فقد الوعي أو الإرادة، سواء وصفت بالجنون أو وصفت بغير ذلك، بما يجعله يشمل كل من الأمراض العقلية والعصبية والنفسية التي تؤثر في المخ فتفقده الوعي والإرادة المعاصر لارتكاب الجريمة. لذا نجد بأنه عرف، بأنه فقدان الشخص لملكاته العقلية على نحو يترتب عليه تجرده من الوعي والقدرة على التمييز، وإن كان يؤدي إلى امتناع المسؤولية فهو لا يمنع من اعتباره خطرا إجراميا لا يحول دون توقيع التدابير الاحترازية كالإيداع في مصحة عقلية. وقد أخذ حكم المجنون الشخص المصاب بالبارنوياك Baranoiaque  وهو الشخص الذي تأتيه نوبات هذيان وشك وريبة، فهنا قد يضطر حد قتل من يضطره، ويسمى جنون Manie أو هذيان الاضطهاد غير أنه مسؤول مثلا عن السرقة إذ لا علاقة لها بمثل هذا الاضطهاد[19].
       
        غير أن أنصار المدرسة الوضعية الإيطالية كانت لههم نظرة أخرى، فاعتبروا المجنون مسؤول جنائيا ولا يمكن أن يخرج عن نطاق القانون الجنائي، حيث أن مسؤوليته اجتماعية أساسها الخطورة الإجرامية الكامنة لديه، وبالتالي يجب توقيع التدابير الاحترازية عليه وذلك بوضعه في المصحات العقلية حتى يشفى من نونه وتزول خطورته الإجرامية، ورغم أن التشريعات الحالية تميل للاتجاه التقليدي، المتمثل في بناء المسؤولية الجنائية على حرية الاختيار، ومن ثم لا يمكن مسائلة المجنون جنائيا لانعدام هذه الحرية لديه، وإن كانت تأخذ بفكرة التدابير الاحترازية بخصوص المجنون وهو ما يعني الأخذ أيضا بأفكار المدرسة الوضعية.
الفرع الثاني
الشروط الواجب توفرها لامتناع المسؤولية بسبب الجنون

        حتى يعد الجنون مانعا من موانع المسؤولية الجنائية، يجب أن تتوفر فيه ثلاثة شروط أساسية، هي:
1- إصابة المتهم فعلا بجنون أو عاهة عقلية.2- فقد الشعور أو الاختيار بخصوص العمل الذي سلكه الشخص.3- معاصرة الجنون أو العاهة العقلية لوقت ارتكب الجريمة. وهو ما نتناول تفصيله في النقاط الثلاث التالية.

أولا: إصابة المتهم بجنون أو عاهة عقلية

        الجنون من وجهة النظر القانونية، يشمل كافة صور اضطراب القوى الذهنية لدى الشخص، الأمر الذي يفقده التمييز وحرية الاختيار، لذا نجد القاضي الجزائي لا يتقيد بالمعنى الطبي الدقيق للجنون، بل يكفيه أن يتأكد من أن أثر العاهة العقلية أفقدت الشخص التمييز أو حرية الاختيار لحظة ارتكابه الجريمة، سواء كان ذلك راجعا لمرض يصيب المخ، وهو الجنون في معناه الطبي[20]، أو خلل يصيب الجهاز العصبي للشخص، أو أي اضطراب في الصحة النفسية له، لكن يستبعد من مدلول الجنون كل صور الاختلالات والاضطرابات النفسية، كحالات الشخصية السيكوباتية التي تسيطر على الشخص فتجعله في عداء مستمر مع المجتمع، وكذا حالات الانفعال الشديد أو حالات ثورة العاطفة.

ثانيا: فقد الشعور أو القدرة على الاختيار

        إن لم يؤدي الجنون أو عاهة العقل إلى إفقاد الشخص لشعوره وقدرة اختياره، فلا يعد مانعا من موانع المسؤولية، ولا يقصد بفقد الشعور والاختيار زوالهما زوالا تاما، بل يكفي إضعافهما أو الانتقاص منهما إلى حد التأثير على إرادة الجاني، وهي مسألة موضوعية متروكة لتقدير قضاة الموضوع دون معقب عليهم من محكمة النقض، وللقاضي في ذلك حق الاستعانة بالخبرة الطبية والنفسية.

ثالثا: معاصرة الجنون لوقت ارتكاب الجريمة

        حتى يعد الجنون أو العاهة العقلية مانعا من موانع المسؤولية، يجب أن يكون معاصرا لوقت ارتكاب الجريمة، أي أن يعتري الشخص لحظة ارتكابه الجريمة ( وبالضبط ارتكاب ركنها المادي)، فلا عبرة قانونا بالجنون السابق لهذه اللحظة، إذا كان الشخص قد عفي منه وقت ارتكابه الجريمة، ولا عبرة أيضا بالجنون
 أو العاهة العقلية التي تطرأ على الشخص بعد ارتكابه الجريمة، بحيث في هذه الحالة يعد سببا يحول دون مواصلة إجراءات الدعوى أو امتناع توقيع العقوبة عليه، بحيث إن اعترى الشخص جنون بعد ارتكاب الجريمة وقبل إجراءات المحاكمة فإن ذلك يعد حائلا يحول دون محاكمته، وإن اعتراه الجنون وقت المحاكمة توقفت إجراءاتها، وإن طرأ بعد المحاكمة وصدور الحكم، فإنه يوقف فقط تنفيذ العقوبة لغاية شفائه إن كان جنونا من النوع الذي يشفى. غير أنه وفقا للقانون الجزائري وتطبيقا للمادة 21 من تقنين العقوبات فإنه تنزل به التدابير الاحترازية المتمثلة في مؤسسة استشفائية للأمراض العقلية[21].

        وباستجماع المرض أو العاهة العقلية للشروط الثلاثة السابقة، يصبح مانعا من موانع المسؤولية الجنائية، يمنع توقيع العقوبة على المصاب به، وهو من الموانع الشخصية التي على غرار موانع المسؤولية كلها لا يستفيد منه إلا من توفر في حقه.

المبحث الثاني
موانع المسؤولية الناشئة عن انعدام الإرادة

        إن امتناع المسؤولية الجنائية – يسميها البعض عوارض المسؤولية-  لا يشترط أن يكون ماسا بالوعي والتمييز فقط، وذلك بأن ينعدما، بل قد يكون الإنسان مميزا وعاقلا وواعيا لحقيقة ودلالات فعله، لكنه قد يكون متجرد من إرادته كلية كما في حالة الإكراه المادي، وقد ينتقص منها فقط على نحو يجعلها إرادة معيبة غير حرة، مثلما هو الأمر بالنسبة للإكراه المعنوي وحالة الضرورة- في القوانين التي تجعل منها سببا من أسباب الإباحة- وكذا الغيبوبة الناشئة عن التخدير أو السكر الاضطراري في بعض الدول، لذا سنتناول هذا المبحث من خلال مطلبين، نتناول فيهما فقط حالة الإكراه بنوعيه، وكذا حالة الغيبوبة الناشئة عن السكر، دون حالة الضرورة التي تناولناها في مجال أسباب الإباحة، وأنه يشترط فيها ذات الشروط التي سبق تناولها حتى ولو كانت مانعا من موانع المسؤولية.
المطلب الأول
الإكــــــــــراه

        الإكراه نوعان، إكراه مادي وهو الذي تنعدم فيه إرادة الشخص كلية، ومثاله أن يمسك شخص بيد شخص آخر ويجبره على التوقيع على محرر مزور، أو على شيك بدون رصيد، وهو نوع من الإكراه يعدم الإرادة كلية، وفي هذه الحالة لا يسأل الشخص عن جرائمه. وهناك إكراه معنوي، وهو إكراه لا يعدم الإرادة تماما، وإنما يجردها فقط من حريتها، كالتهديد بإنزال الأذى بشخص إن لم يرتكب جريمة ما، والإكراه كمانع من موانع المسؤولية تضمنته المادة 48 من تقنين العقوبات الجزائري[22].وسنحاول أن نتناول نوعا الإكراه وأنواعه، قبل أن نتناول الشروط المتطلبة فيه حتى يكون مانعا من موانع المسؤولية.

الفرع الأول
نوعـــــــا الإكراه

        هناك نوعين للإكراه، إكراه مادي أين تنعدم إرادة الفاعل في حقيقة الأمر ولا يكون لها وجود، ويلحق بالإكراه المادي حالة القوة القاهرة والحادث الفجائي، وبين الإكراه المعنوي أين تبقى الإرادة لكن مجال الاختيار أمامها يكون ضيقا إلى أبعد الحدود. أو هو وجود الشخص في وضع لا يمكن معه إلا ارتكاب الجريمة، والمشرع الفرنسي في نص المادة 64 لما عالج مسألة الإكراه والجنون عالجها بطريقة توحي انه يعتبرهما من أسباب الإباحة حيث يشرع في المادة بالنص:" لا جناية ولا جنحة". والإكراه في معناه العام، هو حمل الغير على إتيان ما يكره، وفي المجال الجنائي هو حمل الشخص على إتيان جريمة، سواء كانت في صورة فعل أو امتناع، وهو كما سبق على نوعين، مادي وهو ما يقع في الغالب على جسم الغير ويعطل دائما إرادته، وأما المعنوي أو الأدبي فينصب على معنويات الغير ويحد كثيرا من حرية الاختيار، واختلاف النوعين في الطبيعة يترتب عليه بالضرورة اختلاف في الحكم القانوني، ويرى البعض أن الأول يعد مانع من قيام الجريمة والثاني مانع من موانع العقاب.

أولا: الإكـــراه المــادي(La contrainte physique)

        الإكراه المادي هو أن يحمل الجاني بالقوة المادية التي يكون مصدرها فعل الإنسان على إتيان الفعل أو الامتناع المكون للجريمة، أي دفع الشخص باستعمال قوة مادية ليس بمقدوره دفعها، كحجز الشاهد حتى لا يشهد في المحكمة بالجريمة المستدعى للإدلاء بشهادته فيها، ومن يباشر الإكراه المادي في حقيقة الأمر يباشر سلب لإرادة من وقع عليه الإكراه فيحمله على إتيان عمل أو الامتناع عن القيام بعمل. ومن غير العدل والمنطق معاقبة الشخص أو مسائلته عن فعل لم يكن لإرادته دور في ارتكابه، غير أن كلاهما يعد مرتكبا للجريمة كفاعل أصلي للجريمة، غير أن أحدهما مسؤول عنها والآخر غير مسؤول عنها، كوننا نتكلم عن مانع من موانع المسؤولية، مما يعني أن الجريمة أمر وقوعها ثابت، وعرف الإكراه المادي، بأنه قوة مادية تشل الإرادة وتعدمها بصفة عارضة أو مؤقتة وتفقد الإنسان سيطرته على أعضاء جسمه وقد تدفعه إلى ارتكاب ماديات إجرامية، أو هي قوة مادية تفرض على الإنسان عمل ما لا يجب عليه أن يعمله، أو تمنعه من عمل ما يجب عليه عمله، وقد يكون مصدر تلك القوة خارجي، كقوة الطبيعة أو الحيوان أو الإنسان، وهو الغالب، وقد يكون مصدرها داخليا، كان يصاب الشخص بشلل مفاجئ فيسقط على طفل فيقتله، أو يأخذ النوم إنسان في قطار فيتجاوز المسافة التي لأجلها دفع أجرة القطار..     والقاعدة أن من يسأل في حالة الإكراه المادي هو الشخص المكره لا الذي وقع عليه الإكراه، كون قصده الجنائي في مثل هذه الحالة يكون قد انتفى، بل أن الركن المادي في حقيقته لم يقم به الشخص الذي وقع عليه الإكراه بل من مارس هذا الإكراه. ويشترط لكي يرتب الإكراه أثره أن تكون القوة التي تعرض لها المكره قوة غير متوقعة وغير مستطاع مقاومتها، وإلا عد المكره مرتكبا لجريمة غير عمدية. الأمر الذي يتطلب منا تناول القوة القاهرة والحادث الفجائي في النقطتين التاليتين.

1- القوة القاهرة la force majeur   
        القوة القاهرة في هذا المقام تلحق في حكمها بالإكراه المادي حسب البعض - نحن نرى أنها حالة الضرورة وليست إكراها ماديا -  كون الجاني في كلتا الحالتين لا يأتي نشاطا إراديا غير أنه في حالة الإكراه سلب الإرادة يكون بفعل نشاط إنساني، بينما في حالة القوة القاهرة يكون بفعل قوى الطبيعة أو فعل الحيوان، ويضيف البعض حتى حالة فعل الشخص الغير مسؤول جنائيا، كما أن الفرق الجوهري هو أنه في حالة الإكراه المادي يكون هناك فاعل ألي للجريمة وهو من مارس الإكراه، بينما في حالة القوة القاهرة لا يكون أمامنا مسؤول، غير أنهما يشتركان في الشروط بحيث كلاهما يشترط عدم إمكان التوقع    imprévisible  وألا يكون بإمكان الشخص مقاومة هذه القوةirrésistible .، وإن انعدم أحد هذين الشرطين سؤل الشخص بحسب الأحوال عن جريمة عمدية أو غير عمدية فمن يركب حيوان يعلم أنه جامح وصعب المراس ويتعمد ذلك ويحدث بذلك أضرارا للغير، أو المرأة المتزوجة التي كان بإمكانها مقاومة مغتصبها ولم تفعل تكون قد ارتكبت جريمة الزنا.
               
2- الحادث الفجائي cas fortuit

         الحادث الفجائي قوة غير متوقعة تنشأ عن فعل الإنسان أو قوى الطبيعة التي لا تترك مجالا أمام الشخص ليعمل فيه اختياره، كدفع طفل أمام سائق سيارة كان متبعا كافة التعليمات القانونية أو سائق السيارة الذي يصاب بعمي ألوان مفاجئ فيدهس شخصا كان مارا أمامه بالطريق، وهو بذلك شأنه شأن القوة القاهرة لا يكون أحدا مسؤولا عنه، غير أنه خلافا لحالتي الإكراه المادي والقوة القاهرة هنا الشخص يمارس نوعا من النشاط لكنه نشاط مشروع غير مجرم ولا ينطوي على خطأ، ويشترط فيه أيضا ألا يكون متوقعا ولا يمكن مقاومته. لذا فشروط الإكراه المادي أن يكون غير متوقع، إذ التوقع أو إمكانية التوقع تمكن الشخص من تجنبه، وأن يكون مستحيل الدفع، ولم يرد أن يكون مصدره إنسان، حيث أن هذا الاتجاه يرد أسباب الإكراه المادي إلى عوامل الطبيعة أو الحيوان.

ثانيا: الإكـراه المعـــنويLa contrainte morale
       
الإكراه المعنوي، هو ممارسة ضغط على إرادة الإنسان لحمله على ارتكاب جريمة معينة، فهو وإن لم يقض على وجود الإرادة نهائيا من الناحية المادية، فهو شل حركتها وأفقدها قوتها على الاختيار. أو هو ضغط شخص على إرادة شخص آخر لحمله على توجيهها إلى سلوك جرمي[23]. وهناك من الفقه من يصور حالة الإكراه المعنوي الخارجي ويضيف لها الإكراه المعنوي الداخلي، المتمثل في حالة الانفعال الشديد والهوى الذي يذهب بقوى الضبط والسيطرة لدى الفرد وهي القوى الكابحة، غير أن مثل هذه الحالات وإن كانت تمنع قوى الإرادة، إلا أن المشرع الفرنسي والجزائري لم يأخذا بها، خاصة وان الحقيقة الواعية تؤكد أن غالبية الجرائم هي نتيجة مثل هذه الحالات، لذا فالقانون لا يجعلها مانع من موانع المسؤولية، بل يلقي على الإنسان عبء مقاومتها[24]. وقد يكون مصدر الإكراه المعنوي، تأثير خوف أو من وقوع خطر
أو ضرر جسيم على وشك الوقوع وليس بالإمكان الإفلات منه أو دفعه إلا بارتكاب الجريمة، كتسليم شخص لوديعة مودعة لديه تحت تأثير التهديد بالقتل مما يحول دون ارتكابه لجريمة خيانة الأمانة، أو أن تأتي المرأة المتزوجة فعل الزنا تحت التهديد دون أن تكون مرتكبة لجريمة الزنا. لذا نجد جانب من الفقه يرى أن الإكراه المعنوي لا يختلف في طبيعته عن الإكراه المادي، وأن الخلاف الوحيد بينهما ينحصر في الوسيلة المؤثرة في الإرادة، بينما جانب آخر - ونؤيده - يرى أنه في الإكراه المادي حقيقة الركن المادي للجريمة تنسب لمن مارس الإكراه وأن المكره في حقيقته لم يمارس أي ركن مادي، على عكس الإكراه المعنوي أين نجد الشخص المكره من قام بالركن المادي للجريمة. بينما هناك من يرى في الإكراه المعنوي ما هو إلا صورة من صور حالة الضرورة . ويرى البعض أن الإكراه المعنوي يضغط على الإرادة إلا أنه لا يعدمها، وهو من هذه الناحية يختلف عن القوة القاهرة والإكراه المادي، فالحقيقة أن المكره معنويا ينتقص لديه الاختيار ويظل مميزا ومدركا لماهية أفعاله ونتائجها، فالاختيار هو الذي ضيق من مجاله إلى أقصر الحدود، حيث يجد الشخص نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما، وهو إما الرضوخ للإكراه وارتكاب الجريمة، وإما يقبل بوقوع الخطر أو التهديد أو الشر أو الضرر الذي هدد به.


الفرع الثاني
الشروط الواجب تطلبها في الإكراه كمانع للمسؤولية الجنائية

        حتى يعد الإكراه مانعا من موانع المسؤولية الجنائية، يجب أن يستجمع شرطين أساسيين بدونهما لا تتوفر فيه صفة المانع من المسؤولية، الشرط الأول، وهو أن يكون مصدر الإكراه الإنسان، وأما الشرط الثاني، فهو أن يكون سبب الإكراه غير متوقع ويستحيل دفعه. وهو ما نتناوله في النقطتين التاليتين.

أولا: أن يكون مصدر الإكراه إنسان

        حتى يكون الإكراه مانعا من موانع  المسؤولية الجنائية، يجب أن يكون مصدره إنسان، وهو المصدر الذي يجعل الإكراه يتميز عن بعض الأفكار القانونية الأخرى التي حتى وإن كانت تشترك معه من حيث كونها تمنع قيام المسؤوليه إلا أن مصدرها غير الإنسان، كحالة القوة القاهرة التي تعد الطبيعة مصدرا لها كالزلازل والفيضانات والعواصف، كما قد يكون مصدرها الحيوان، كحالة جموح دابة، كما قد تتمثل في المرض الذي يصيب الإنسان أو النعاس الذي يعتريه فيرتكب جريمة مدفوعا بذلك، فهي أيضا مانعا للمسؤولية. كما يختلف الإكراه عن الحادث الفجائي الذي لا يجرد الشخص من إرادته بل يجرد فعله من عنصر الخطأ، كمن يقود سيارته محترما لقواعد السير وإذا بشخص أرعن يعبر الطريق أمامه فجأة في غير المكان المخصص لعبور الراجلين، غير ملتزم بأدنى قواعد التبصر والانتباه فيصدمه ويتسبب ذلك في وفاته، فهنا يعد السائق بصدد حادث فجائي كان سببه خطأ المضرور ذاته وبذلك تمتنع مسؤوليته الجنائية.

ثانيا: أن يكون سبب الإكراه غير متوقع ويستحيل دفعه

        يجب أن يكون الإكراه المسلط على الشخص غير متوقع بالنسبة له، حتى يعتد به كمانع من موانع المسؤولية الجنائية، وعدم التوقع مسألة موضوعية يستقل بتقديرها قضاة الموضوع تبعا لظروف كل قضية على حدة، هذا من جهة. ومن جهة ثانية، يجب أن يكون دفع هذا الإكراه من قبل الشخص المكره مستحيلا، فإن كان يمكن دفعه يمتنع الزعم بأنه أعدم إرادة الشخص، فلا يمكن لشاب قوي البنية مثلا أن يحتج بالإكراه المسلط عليه من قبل صبي صغير محدود القدرات. هذا ويضيف البعض، ألا يكون للجاني يد في حصول هذا الإكراه، وفي حقيقة الأمر شرط عدم التوقع يغني عنه.

المطلب الثاني
الغيبوبة الناشئة عن السكر الاضطراري

الغيبوبة كمانع من موانع المسؤولية أخذت به العديد من التشريعات الجنائية، غير أننا سنركز على القانون المصري ونعطيه كنموذج، مع مقارنته أحيانا مع القانون اللبناني، على اعتبار ن الأول مصدر للثاني، وفي هذا القانون نصت المادة 62 على حالة الغيبوبة بنصها : " لا عقاب على من يكون فاقد الشعور
 أو الاختيار في عمله وقت ارتكاب الفعل.... لغيبوبة ناشئة عن عقاقير مخدرة أيا كان نوعها إذا أخذها قهرا عنه أو على غير علم منه بها"، ويستفاد من هذا النص بمفهوم المخالفة استبعاد حالة تناول هذه العقاقير
أو المواد المخدرة بإرادة الشخص، حيث المادة اشترطت تناولها قهرا أو بغير علم من الشخص .ومن شروط تطبيق هذه الحالة هو أن يؤدي تناول هذه العقاقير إلى فقد الشعور وقت ارتكاب الجريمة مع تناولها قهرا
 أو عن غير علم بحقيقة هذه العقاقير. وبينت المادة 235 من قانون العقوبات اللبناني ذلك بالنص :" يعفى من العقوبة من كان حين اقتراف الفعل بسبب طارئ أو قوة قاهرة في حالة تسمم ناتجة عن الكحول أو المخدرات أفقدته الوعي أو الإرادة. وإذا نتج التسمم عن خطأ الفاعل كان هذا مسؤولا عن كل جريمة غير مقصودة ارتكبها. ويكون مسؤولا عن الجريمة المقصودة إذا توقع حين أوجد نفسه في تلك الحالة بسبب خطأه إمكان اقترافه أعمالا إجرامية. وإذا وجد نفسه في تلك الحالة قصدا بغية ارتكـــاب الجريمة شددت عقوبته وفقا للمادة 257".
الفرع الأول
المقصود بالسكر أو التسمم

        يقصد بالسكر أو التسمم كمانع من موانع المسؤولية، الحالة التي يفقد فيها الشخص الوعي والإرادة بصفة مؤقتة وعارضة على إثر تعاطيه لكمية من سائل مسكر أو مادة مخدرة كافية لإحداث هذا الأثر. أما الكحول والمخدرات، فيقصد بها كل المواد الكحولية أيا كانت تسميتها أو نوعها، وأيا كانت نوعية أو شكل المواد المخدرة دون التقيد بالجدول المبين بقانون المخدرات، كما يستوي الوسيلة التي يتعاطى بها الشخص الكحول أو المخدرات، سواء كان ذلك عن طريق الفم أو الشم أو الحقن أو امتصاص مسام الجلد له أو أية وسيلة أخرى. والسكر وتناول المخدرات حالة مؤقتة دوما وليست مثل الحالة المرضية الناتجة عن الإدمان كما أنها ليست حالة دائمة كالجنون.
الفرع الثاني
السكـــــر الإرادي

السكر الذي يؤدي إلى الغيبوبة ويمنع قيام المسؤولية الجنائية، هو السكر اللاإرادي أو الذي يتناوله الشخص مكرها أو عن طريق الخطأ، لذا نجد الفقه قد أثار مسألة تناول عقاقير مخدرة أدت إلى غيبوبته
أو سكر بإرادة الشخص الحرة، وحدود المسؤولية في هذه الحالة، خاصة وأن المسؤولية تقوم على مدى القدرة على الإدراك والتمييز، والشخص في مثل هذه الحالات يكون فاقدا للقدرة على التمييز والإدراك، ومن بين ما جاء به الفقه هو عقد الشخص العزم على ارتكاب الجريمة ثم يعمد إلى السكر لبث الجرأة فيه لتنفيذ الجريمة، هــنا يرى أن عقد العزم قد تم قبل تناول المادة وبالتالي يسأل، وإن كنا التبرير يجب أن ينصب حول وقت الجريمة الذي كان فيه الشخص فاقدا للقدرة على التمييز والإدراك، وهذا لا يعني أننا لا نحمل مسؤولية لهذا الشخص، لكن يجب أن نبحث عن أساس آخر لها، أما ما عدا هذا الفرض فالفقه ميز بين أربعة آراء.

أولا: المسائلة على أساس الإهمال وعدم الاحتياط

        وهو اتجاه يرى أنصاره، أن الشخص الذي يتناول المخدر أو المسكر مع علمه بطبيعة ما يتناوله وبإرادته، يعد مسؤولا مسؤولية جنائية على أساس الإهمال وعدم الاحتياط، لأن المسكر أو المخدر أفقد الجاني الشعور والقدرة على التحكم. لكن أخذ على هذا الرأي الملاحظات التالية: أنه رأي يؤدي إلى الإعفاء من المسؤولية بناء على فقدان الشعور والإدراك، وهي مسألة متطلبة في كل من نوعي الجرائم العمدية وغير العمدية، إذن لا يمكن القول بالمسؤولية أيضا على أساس الإهمال وعدم الاحتياط كون هاتين الصورتين من صور الخطأ تقوم بدورها على الإدراك والتمييز. القول بهذا الرأي، يؤدي إلى عدم مسائلة الشخص في الحالة التي لا تحتمل فيها الجريمة الارتكاب إلا عمدا، مثلما هو الشأن بالنسبة لجريمة الاغتصاب في القانون المصري وكذا جريمتي القذف والسب .

ثانيا: المسائلة عن جرائم عمدية

        وهو رأي يرى أنصاره معاقبة من يفقد إفاقته عمدا مع علمه بذلك، ويسأل عن جريمة عمدية رغم انعدام القصد الجنائي لديه، وإنما القانون يحمله نتيجة قصده الاحتمالي. وقد وجهت انتقادات لهذا الرأي أيضا، تمثلت أساسا في كون  القصد الاحتمالي يستلزم توفر النية لدى الجاني قبل ارتكاب الجريمة.

ثالثا: موقف محكم النقض المصرية

        وهو رأي يقوم على التفرقة بين الجرائم التي لا تتطلب سوى القصد الجنائي العام، وتلك التي تتطلب قصدا جنائيا خاصا، فالجاني يحمل مسؤولية الجرائم العمدية التي تقوم على القصد الجنائي العام، بالرغم من فقده الشعور نتيجة السكر والغيبوبة الاختيارية، بينما الجرائم التي تتطلب قصدا جنائيا خاصا، فلا يحمل الجاني مسؤوليتها سوى على القصد العام إن كانت مثل هذه الجرائم ممكن أن تتحول إلى ذلك، وإن لم تكن تحتمل ذلك فلا يسأل الشخص جنائيا .كجريمة القتل العمد التي يرى الفقه أنها جريمة عمدية تتطلب قصدا خاصا، وفي حال فقد هذا القصد الخاص وتحوله إلى قصد عام تصبح جريمة الضرب المفضي إلى الموت، وهي جريمة تتطلب فقط قصدا جنائيا عاما، وهو موقف قضائي مصري يرى فيه الفقه المصري، أنه موقف يفتقر إلى السند القانوني، زيادة على خلطه بين الأهلية الجنائية والركن المعنوي للجريمة.

رابعا: قيام المسؤولية على أساس العمد المفترض
        تجنبا للانتقادات السابقة التي وجهت للآراء الثلاثة السابقة، حاول البعض، أن يبني مسؤولية الشخص فاقد الشعور نتيجة المخدر أو السكر الذي تناول عمدا مع علمه بحقيقة المادة، على أساس العمد المفترض افتراضا لا يقبل إثبات العكس، وأن يفترض بأن الجاني أثناء ارتكابه جريمته كان مالكا لشعوره، وبالتالي يكون مسؤولا عن الجريمة التي ارتكبها، سواء كانت جريمة عمدية أو غير عمدية، ذات قصد عام أو ذات قصد خاص. مما يعني تحمل الشخص المسؤولية عن الجريمة التي ارتكبها كما ولو كان في حال إفاقة تامة.

        ويرى البعض الميل للرأي الذي يرى وجوب ما إن كانت الجريمة تحتمل العقاب على صورتي العمد والخطأ، أم يعاقب عليها في صورة العمد فقط، فإن كانت تحتمل الصورتين يسأل الشخص مسؤولية غير عمدية، وإن لم تكن كذلك امتنعت مسؤوليته الجنائية في ظل عدم وجود نص صريح يقرر مثل هذه المسؤولية ولا يجب اصطناع أنواع جديدة من المسؤولية لا وجود لها من حيث الواقع ولا سند لها إذا قيل أنها مسؤولية مفترضة.


[1] - الأصل في الجرائم إما عمدية تقوم بالقصد الجنائي، وإما الجرائم غير العمدية التي تقوم عن طريق الخطأ إلا أحوال
                                                             استثنائية.
[2] - وقد عبر عن ذلك المشرع اللبناني بالنص:" تكون الجريمة غير مقصودة سواء لم يتوقع الفاعل نتيجة فعله... وكان
                                            باستطاعته أو من واجبه أن يتوقعها..."
[3]- حيث يرى البعض أن المشرع في هذا النوع من الجرائم يغلب جانب الإرادة على جانب الضرر، حيث يتدخل للعقاب عن
                          الإرادة المخطئة بغض النظر عن حجم وقيمة الضرار التي ترتبت عن الفعل.
[4] - قبل سنة 1912 كان القضاء الفرنسي ومعه فريق من الفقهاء الجنائيين يفرقون بين الخطأ المدني والخطأ الجنائي، على أساس ن الخطأ المدني خطأ متدرج في جسامته أو في خطورته حيث يصنف : خطأ جسيم، خطا يسير، خطأ بسيط، في حين أن الخطأ لا يكون جنائيا إلا إذا وصل حدا من الجسامة، غير أنه حاليا وتقريبا في كل الدول نجد بأن الفقه والقضاء يأخذ بوحدة
                               الخطأ المدني والجنائي، فإذ انتفى هذا الأخير انتفى معه الخطأ المدني.
[5] - المادة 288 ( المادة 60 من القانون رقم 06-23 المؤرخ في: 20-12-2006):" كل من قتل خطأ أو تسبب في ذلك برعونته أو عدم احتياطه أو عدم انتباهه أو إهماله أو عدم مراعاته الأنظمة يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وبغرامة من 20.000 إلى 100.000 دج"
         المادة 289 ( المادة 60 من القانون رقم 06-23 المؤرخ في: 20-12-2006):" إذا نتج عن الرعونة أو عدم الاحتياط إصابة أو جرح أو مرض أدى إلى العجز الكلي عن العمل لمدة تجاوز ثلاثة أشهر فيعاقب الجاني بالحبس من شهرين
                 إلى سنتين وبغرامة من 20.000 إلى 100.000 دج أو بإحدى هاتين العقوبتين."
[6] - إذ نصت هذه المادة على أنه: :" تضاعف العقوبات المنصوص عليها في المادتين 288 و289 إذا كان مرتكب الجنحة في حالة سكر أو حاول التهرب من المسؤولية الجنائية أو المدنية التي يمكن أن تقع عليه وذلك بالفرار أو بتغيير حالة الأماكن
                                                        أو بأية طريقة أخرى.".
[7] - لذا يمكننا القول بأن المسؤولية الجنائية أو المسؤولية الجزائية هي صلة أو رابطة الوصل بين الجريمة والجزاء، أو هي
                                              الركن الأساسي الموجب لتوقيع العقوبة.
[8] - الخلاف حول تسمية المسؤولية بالجنائية أو الجزائية تابع للخلاف الحاصل حول تسمية قانون العقبات ذاته، ما بين القانون الجنائي أو القانون الجزائي،وهو الخلاف الذي تناولناه بخصوص تسمية قانون العقوبات، فالاتجاه الذي سمى قانون العقوبات بالقانون الجنائي يسمي المسؤولية بالمسؤولية الجنائية، والاتجاه الذي سمى قانون العقوبات بالقانون الجزائي يسمي
                                              المسؤولية بالمسؤولية الجزائية.
[9] - نقول أفكار قانونية جنائية حتى نحصر دراستنا في إطار القانون الجنائي، لأن عدم الحصر يقودنا أصلا لدراسة كل أنواع المسؤولية وهي وحدها أنواع متعددة لا يمكننا حصرها في نطاق هذه الدراسة، فهناك المسؤولية المدنية بأنواعها والمسؤولية الإدارية والمسؤولية الأخلاقية... لذا نحاول تمييز المسؤولية الجنائية فقط عن بعض الأفكار القانونية الجنائية
                                                           المشابهة.
[10] - والبحث في أساس المسؤولية الجنائية له أهمية كبرى بحيث يمكن من تحديد خصائص هذه المسؤولية، وكذا تبيان عناصرها، غير أن بحث مسألة أساها مسألة عسيرة كونها عبارة عن بحث فلسفي لم يحسم الجدل حوله بعد، غير انه يمكن القول اختصارا أن المسؤولية الجنائية نشأت في أول عهودها في صورة مسؤولية مادية أو موضوعية ترتبط بالفعل دون الفاعل،  لذا لم تكن مقتصرة على الإنسان فقط، بل كانت تمتد لتشمل الحيوان والنبات والجماد، كما أنه بخصوص الإنسان لم تكن مقتصرة على مرتكب الجريمة وحده، بل كانت تمتد لتشمل ذويه وجماعته وحتى جثته بعد موته، كل ذلك دون النظر لإرادة مرتكب الجريمة وحرية اختياره، بل النظر كان منصبا فقط على الفعل الذي ارتكبه الفاعل، غير أنه وفي تطور لاحق، بدأت تتسرب لفكرة المسؤولية الجنائية أفكار الإرادة وحرية الاختيار، وبينت بعض الدراسات القديمة ذلك حتى في عهد الفراعنة، كما ساهم القانون الكنسي في قيام المسؤولية الأخلاقية التي تقوم على أساس حرية الإنسان في الاختيار، غير أن القوانين الأوروبية رغم ذلك ظلت لغاية القرن الثامن عشر تحاسب الصغير والمجنون والنبات والحيوان والجماد، على عكس الشريعة الإسلامية التي أسست المسؤولية على اكتمال العقل والقدرة على الاختيار، وقررت الإعفاء من المسؤولية في حالات
                               صغر السن والجنون والعته والإكراه والسكر والغيبوبة.

[11] - ونجد على رأس هذا الاتجاه، الفقيه الإيطالي شيزاري بيكاريا الذي بين الأمر في كتابه " الجرائم والعقوبات" الصادر سنة 1764، الذي ضمنه مبدأ ضرورة قيام المسؤولية الجنائية على حرية الاختيار، بالإضافة إلى مبدأ نفعية العقوبة وشرعية الجرائم والعقوبات، التي تعد أهم المبادئ التي نادى بضرورة بناء قانون العقوبات عليها، وهو المذهب الذي يقيم المسؤولية الجنائية على أساس أن الإنسان مخير بين السلوك المطابق للقانون والسلوك المخالف له، وبالتالي تتقرر مسؤوليته إذا ما سلك طريق السلوك المخالف للقانون كونه كان بوسعه اختيار الطريق غير المخالف له، فاختيار الشخص طريق الجريمة وهو قادر على اجتنباه يعني أنه مذنب أو مخطأ، وهو الاتجاه الوضعي الذي تأخذ به غالبية القوانين الجنائية المعاصرة. ووفقا لهذا الاتجاه فإن الأساس التقليدي للمسؤولية الجنائية هو حرية الاختيار، التي ترتبط بالحرية الأخلاقية للمجرم وقت ارتكابه جريمته، وانه لا يكون مسؤولا جنائيا إلا إذا كان مسؤول أخلاقيا، حيث يكون متمتعا بالإدراك والاختيار اللذان يعدان شرطا لقيام مسؤوليته، وتخلفهما أو تخلف أحدها يترتب عليه تخلف المسؤولية الجنائية، كون جوهر المسؤولية المآخذة واللوم من أجل إتيان سلوك مخالف للقانون، واللوم لا يمكن تصوره إلا إذا كان الشخص أمام طريقين أو مفترق الطرق، ما بين الخير والشر واختار طريق
                                       هذا الأخير، عن وعي وإدراك.
[12] - يرى الفقيه أنريكو فيري أحد رواد المدرسة الوضعية، أنه هناك نظام سماه " نظام التشبع الجنائي" الذي يعني أنه إذا وجدت عوامل عضوية ونفسية في شخص معين، وأضيفت لها عوامل خارجية مادية معينة وأخرى اجتماعية، فلا بد للشخص حينئذ من وقوع عدد من الجرائم في هذا الوسط الاجتماعي، وهذا العدد من الجرائم ثابت ولا يتغير كونه بلغ درجة التشبع، وهو بذلك يشبه السلوك الإنساني بالظاهر الطبيعية، التي تقوم على أسس علمية وهو مسلك المدرسة لوضعية التي تتناول
                                          الجريمة والمجرم منهجا علميا تجريبيا.
وهي مدرسة وجدت تحت  تأثير أفكار أوغست كونت، الذي نادى بخصوص المسؤولية الجنائية باستخدام المنهج العلمي، القائم على الملاحظة والتجربة وإعمال مبدأ السببية الحتمية الذي يحكم مختلف الظواهر، والبحث العلمي يكشف عن الأسباب المؤدية للنتائج، فتصرفات الإنسان محكومة بأسبابها، فهي دوما نتيجة حتمية لأسباب مؤدية إليها ولا يتصور العقل ألا تكون كذلك، وهي أسباب السلوك التي شرع أقطاب المدرسة الوضعية ( مثل لومبروزو، فيري وجاروفالو) يبحثون عنها، في سلوك الشخص، وانتهوا في أبحاثهم أن هذه العوامل قد تكون داخلية ( تكوين عضوي ونفسي وذهني وأمراض...)، وقد تكون خارجية ( مادية وبيئية ومناخية...)، وهي العوامل التي متى توفرت ستدفع حتما للإجرام، وتنعدم بتوافرها حرية الإنسان في الاختيار ويكون مدفوع جبرا لارتكاب الجريمة، ولا مجال له حتى للتردد بين اقترافها وعدم اقترافها، وحرية الاختيار لدى أنصار هذه المدرسة، مجرد وهم وخيال ولا وجود لدليل علمي يؤكدها، بل الجبرية التي لها مسببات تقوم على أسس علمية لا يرقى إليها الشك، وبالتالي المسؤولية لديهم مسؤولية قانونية هدفها القضاء على الخطورة الإجرامية لدى الجناة، يجب أن تتخذ ضده تدابير اجتماعية للدفاع عن المجتمع، وبالتالي المسؤولية الجنائية تتقرر لكل من قد يضر بالجماعة حتى ولو كان صغيرا
            أو مجنونا، ما دام يمثل مصدر خطورة إجرامية أو اجتماعية، وذلك بإنزال التدابير الاحترازية ضدهم
[13] - هناك تشريعات نصت على هذين الشرطين صراحة، مثلما هو الشأن بالنسبة لقانون العقوبات اللبناني في المادة 210 منه، التي قضت أنه:" لا يحكم على أحد بعقوبة ما لم يكن قد أقدم على الفعل عن وعي وإرادة".
[14] - بحيث على أساس التدرج في السن، يكون الإدراك والاختيارـ وبناء على ذلك تتحدد قواعد المسؤولية الجنائية، ففي الوقت الذي ينعدم فيه الإدراك تنعدم فيه المسؤولية الجنائية، وفي الوقت الذي يكون فيه الإدراك ضعيف تكون المسؤولية ناقصة
                    أو مخففة، وهي المسؤولية التي تكتمل باكتمال الإدراك وذلك عند بلوغ الشخص سن البلوغ الجنائي.
[15] - وهي السن التي كان يعتمدها حتى القانون الروماني، والسن المتفق عليها أيضا لدى فقهاء الشريعة الإسلامية في تطبيقهم
             للحديث الشريف :" رفع القلم عن ثلاثة: الصبي حتى يحتلم، والنائم حتى يستيقظ، والمجنون حتى يفيق."
[16] - وقد نصت المادة 21 من تقنين العقوبات الجزائري المادة 21 ( القانون رقم 06-23 المؤرخ في 20 ديسمبر 2006) :" الحجز القضائي في مؤسسة استشفائية للأمراض العقلية هو وضع الشخص بناء على أمر أو حكم أو قرار قضائي في مؤسسة مهيأة لهذا الغرض بسبب خلل في قواه العقلية قائم وقت ارتكاب الجريمة أو اعتراه بعد ارتكابها. يمكن أن يصدر الأمر بالحجز القضائي بموجب أي أمر أو حكم أو قرار بإدانة المتهم أو العفو عنه أو ببراءته أو بانتفاء وجه الدعوى، غير أنه في الحالتين الأخيرتين، يجب أن تكون مشاركته في الوقائع المادية ثابتة. يجب إثبات الخلل العقلي في الحكم الصادر بالحجز القضائي بعد الفحص الطبي. يخضع الشخص الموضوع في مؤسسة استشفائية للأمراض العقلية لنظام الاستشفاء الإجباري المنصوص عليه
                 في التشريع الجاري، غير أن النائب العام يبقى مختصا فيما يتعلق بمآل الدعوى العمومية."
[17] - قرار مؤرخ في: 30-03-1981 في الملف 21200:" يختلف حكم الجنون بحسب ما إذا كان لاحقا للجريمة أو معاصرا لها، فالجنون اللاحق للجريمة يوقف المحاكمة حتى يزول ويعود إلى المتهم من الإدراك والرشد ما يكفي لدفاعه عن نفسه، أما الجنون المعاصر للجريمة فإنه يرفع العقاب عن مرتكبها لانعدام الإدراك فيه، ومسؤوليته الجزائية عملا بأحكام المادة 47 من قانون العقوبات، لذلك يعتبر مشوبا بالقصور ويستوجب النقض قرار غرفة الاتهام القاضي بأن لا وجه للمتابعة بناء على تقرير طبي أثبت الجنون يوم الفحص دون أن يبين ما إذا كان المتهم مجنونا يوم اقتراف الجريمة."
         قرار في: 19-12-1993 في الملف 101792 :"لا يجوز إعفاء المتهم بسبب الجنون إلا استنادا لتقرير خبير، ومن ثم فإن قضاة الموضوع الذين استبعدوا تقرير الخبير المعين من قبل قاضي التحقيق للحكم بإعفاء المتهم من العقوبة، يكونوا قد خالفوا القانون ما دام أن التقرير المذكور يشير بوضوح أنه – المتهم- كان مسؤولا كامل المسؤولية حين ارتكابه الجريمة."
[18] -    والجنون في حقيقته لا نعني به المرض بالمعنى الدقيق، لذا نجد بعض التشريعات مثل التشريع الليبي سمته العيب
                             العقلي، في نص المادة 83 من قانون عقوباته.
         والجنون في العصور القديمة لم يكن ينظر له نفس النظرة التي يحظى بها اليوم، فقد فسر قديما تفسيرا دينيا، واعتبر المجنون أن أرواح شريرة تتقمصه، وأن علاجه لا يمكن أن يكون إلا بالصلاة للتخلص من تلك الحالة، غير أنه مع القانون الروماني أصبح المجنون غير مسؤول جنائيا ,انه يحتاج للعلاج أكثر من احتياجه للعقاب، على عكس الوضع الذي آل إليه الأمر في العصور الوسطى حيث اعتبر المجنون من جديد بأنه مس من الشيطان لا يحول دون مسائلته جنائيا، وهو ذات الوضع الذي ساد في فرنسا إلى ما قبل الثورة الفرنسية. إلا أنه عد مانعا من موانع المسؤولية في القانون الفرنسي لسنة 1810، وذلك بالاستناد لأساس المسؤولية الجنائي المتمثل في حرية الاختيار التي تقوم على التمييز والإدراك والقدرة فعلا على الاختيار
[19] - ولا يراد بالجنون المعنى اللغوي أو الطبي له، بل يجب الأخذ بمعنى واسع له يغطي كل حالات الاضطرابات العقلية أو الذهنية التي تؤثر على المخ ويترتب عليها فقد الإدراك أو القدرة على الاختيار، وهو الذي استقر عليه الأمر في الفقه والقضاء الفرنسي في ظل غياب تعريف قانوني له، وهو ما دفع المشرع المصري على النص عليه ب" عاهة العقل"، ويعني الجنون لغة ذهاب العقل أو فساده أو عدم القدرة على التحكم في التصرفات والأفعال وتقدير عواقبها، وأما معناه الطبي فهو غير مستقر بالنظر لما يلحق بالعلوم الطبية والعقلية والنفسية من تطورات، ومن التعاريف الذي أعطيت له أنه:" انحطاط تدريجي وبات في الملكات العقلية" أو عدم قدرة الشخص على التوفيق بين أفكراه وشعوره وبين ما يحيط به لأسباب عقلية، والجنون ليس مرضا في ذاته وإنما هو عارض من أعراض مرض عقلي، وهو نتيجة تغير غير طبيعي في المخ، نتيجة لأسباب متعددة، على عكس عاهة العقل التي تخرج به عن حالته الطبيعية وتشمل الجنون، بما فيها السفه والعته وكذا الأمراض العصبية التي ينجم عنها عدم أداء الجهاز العصبي لنشاطه على نحو طبيعي مما يؤثر على القدرة على الإدراك والاختيار، ويضاف لها الصرع
                                     والهستيريا وازدواج الشخصية واليقظة النومية.
[20] - ويشمل الجنون مختلف الأمراض العقلية التي تصيب المخ فتؤدي به إلى الانحراف عن وظيفته العادية المتمثلة في الإدراك والسيطرة على مراكز الإرادة في جسم الإنسان، وبذلك يتسع الجنون ليشمل العته والضعف العقلي المتمثل في عدم اكتمال الملكات الذهنية وتوقفها عن نضجها الطبيعي، كما يضم الجنون أيضا مرض الصرع والهستيريا وازدواج الشخصية واليقظة النومية، ويشمل قانونا أيضا التنويم المغناطيسي الذي يؤثر على إرادة النائم فيؤثر فيها أو يعدمها نهائيا، وفي مثل هذه الحالة المنوم قد يسأل بوصفه محرضا على الجريمة أو فاعلا معنويا لها، والحل الأخير هو موقف المشرع الجزائري كون
                                  الذي نوم يصبح مجرد وسيلة أو أداة مادية في يد المنوم.
ويرى البعض أن الصم والبكم يأخذان حكم الجنون بالرغم من أنهما ليس كذلك، ويستندون في ذلك على القول بأن السمع والكلام هما أداة التفاهم وعن طريقها تتم المدارك وتفتح الملكات الذهنية، فمن يولد فاقدهما آو يفقدهما قبل تكملة ملكاته الذهنية يبقى في مستوى عقلي دون المستوى الطبيعي من القدرة على الإدراك والاختيار اللازم لتحمل المسؤولية الجنائية، غير أنه رأي لا يمكن التسليم به، خاصة في ظل الواقع العملي.أما الأمراض النفسية، التي تصيب النفس بالاضطراب وتكون باعثا لارتكاب الجرائم، فاستقر القضاء على أنها ليست حالات موانع للمسؤولية، كونها لا تفقد الشعور والإدراك، وكونها لا تؤثر في سلامة العقل وصحة الإدراك، ومنها الشخصية السيكوباتية وثورة العاطفة وشدة الانفعال. والشخصية السيكوباتية شخصية شاذة في تكوينها النفسي لا تتكيف ولا تتلاءم مع قيم وتقاليد المجتمع وتدفع المصاب بها إلى ارتكاب الجرائم، غير أنها لا تأثير لها على الإدراك والاختيار، وبالتالي لا تأثير لها على المسؤولية الجنائية، وذهبت محكمة النقض المصرية قد قضت في إحدى قرارتها أنه المصاب بالحالة المعروفة باسم الشخصية السيكوباتية وإن عد من الناحية العملية مريضا مرضا نفسيا إلا أنه لا يعتبر في عرف القانون مريضا بجنون أو عاهة في العقل مما يصح معه اعتباره فاقد الشعور أو الاختيار في عمله، كما انه لا تأثير لثورة العاطفة وشدة الانفعال في القدرة والاختيار، وبالتالي فالحب الشديد والكره الشديد والغيرة والانتقام وكل حالات هياج النفس وشدة الانفعال، وإن كانت باعث أو دافع لارتكاب الجرائم، إلا أنها لا تعدمن قبيل عاهة العقل
[21] - وإن كانت مسألة وجوب اقتراف الجريمة وقت إصابة الشخص بالجنون لا تثير إشكالا بالنسبة للجرائم الوقتية، فإن الأمر ليس كذلك بالنسبة للنوع الآخر من الجرائم، حيث أنه في الجرائم المستمرة يجب أن تظل حالة الجنون قائمة لدى الشخص، فإذا ما استرجع الشخص ملكاته الذهنية في مرحلة من مراحل الجريمة المستمرة سؤل عنها، وفي جرائم الاعتياد فلا يحتسب في تكوين ركن الاعتياد سوى الجرائم التي يأتيها الشخص وهو في كامل قواه العقلية. . هذا بخصوص حالة الجنون المعاصرة
                                                           لارتكاب الجريمة
كما أن عاهات العقل منها الدائم المستمر التي لا يفيق منها المصاب، وبعضها عرضي متقطع يصيب الشخص في فترات دورية تتخللها فترات إفاقة، وفيه الشخص لا يسأل عن الجرائم التي حدثت في فترات الإصابة دون الجرائم التي ارتكبت في فترات الصحو، غير أن ذلك كان محل انتقاد طبي وفقهي حيث يصعب التمييز بين الفترتين، كما انه من الآفات العقلية ما يكون عاما أو شاملا لكل الملكات العقلية أو الذهنية، مثل الجنون، وهذا النوع بين الآثار الجنائية، بينما النوع الثاني فهو لا يصيب كل الملكات الذهنية والعقلية بل يصيب فقط ناحية منها دون باقي النواحي، ومنها ما يصيب الإدراك مثل البرانويا أو ما يسمى بالجنون المتخصص، وهنا تتملك الشخص وتتسلط عليه فكرة ثابتة أو اعتقاد معين يكون خاطئا، مثل جنون الاضطهاد وجنون العظمة،  ومنها ما يصيب الإرادة، حيث يصبح للشخص دوافع شاذة لا يملك قدرة على مقاومتها، وقد تدفعه إلى ارتكاب أنواع معينة من الجرائم، فهناك ما يعرف بجنون السرقة، ويسمى في هذه الحالة Kleptomanie وجنون الحريق الذي يطلق عليه مصطلح Pyramanie، والنوع المعين من هذه الجرائم يمكن القول بعدم قيام المسؤولية الجنائية بخصوصه، لكن        
    الإشكال الجرائم الأخرى التي ترتكب مع هذه الجرائم، والتي أثارت جدلا فقهيا يشبه الجدل الذي أثاره الجنون المتقطع
[22] - التي نصت على أنه:" :" لا عقوبة على من اضطرته إلى ارتكاب الجريمة قوة لا قبل له بدفعها."
[23] - كما عرف بأنه:" قوة إنسانية توجه إلى نفسية إنسان فتضغط على إرادته وتحمله على ارتكاب الجريمة، تحت تأثير
                                       الخوف من خطر أو ضرر جسيم وشيك الوقوع"
[24] - انظر: د/ محمد الرازقي، المرجع السابق، ص: 298.

1 commentaire: